مع مرور عام على وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة على طول الحدود اللبنانية الإسرائيلية، تحوّل موقف واشنطن تجاه لبنان من حالة السعي لمعالجة الأزمة إلى “التسامح المشروط” (conditional tolerance) مع التصعيد الإسرائيلي المتجدد، وتركيز أميركي على أن تعثر نزع سلاح “حزب الله”، عكس تناميَ نفوذ إيران في لبنان. وتُصوّر إدارة ترامب لبنان الآن كدولة تحت المراقبة (a state on notice)، كما يقول مصدر في البيت الأبيض، بدلاً من اعتباره منطقة هشة (fragile buffer) تجب حمايتها. فاتفاق تشرين الثاني 2024، وضع بيروت أمام خيارَين: إما التحرك بحزم ضد البنية التحتية العسكرية لـ “الحزب”، أو المخاطرة بتحمل مسؤولية حرب محتملة، خصوصًا وأن اتفاق وقف إطلاق النار منح بيروت مساحة للتخطيط لنزع أسلحة “الحزب” ولو تدريجيًا. وبعد مرور عام، يتسم موقف واشنطن تجاه لبنان بنفاد الصبر الواضح، مدفوعًا بشعور بأن فرصة نادرة لكبح جماح “الحزب” بعد حرب 2024 تتلاشى. هذا الإحباط يعكس لهْجة أكثر سلبية تجاه قيادات بيروت، واستعدادًا في كل من واشنطن وتل أبيب للتفكير في استخدام قوة أشد، وشروط أكثر صرامة، وضغط عسكري – دبلوماسي أشد بعد تشرين الثاني 2025 لإتمام مهمة نزع سلاح “حزب الله”.
يُصوّر كبار المسؤولين الأميركيين لبنان الآن، على أنه محدود في الوقت “on a clock” لإظهار تقدم ملموس في نزع السلاح، وإلا سيواجه تراجعًا في الدعم الأمني والمالي. وتعكس التحذيرات من احتمال وقف التمويل الأميركي والخليجي، واحتمال استئناف الضغط العسكري الإسرائيلي بقوة، اعتقادًا متزايدًا في واشنطن بأن وعود بيروت قد تجاوزت قدرتها على الوفاء بها. كما تلفت مصادر دبلوماسية رفيعة إلى أن خطوة مثل إلغاء زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، تعتبر إشارة معيارية واضحة إلى استياء الولايات المتحدة ونفاد صبرها تجاه المؤسسة الأمنية اللبنانية. حتى الأصوات الأميركية المتعاطفة تتحدث الآن عن “لحظة فارقة” (moment of truth) للبنان: إما أن تتحرك الدولة بحزم ضد “حزب الله”، أو أن تقبل بالعزلة المتزايدة وخطر تجدد الحرب على أراضيها.
تقول مصادر في الكونغرس إن واشنطن لا تزال تصنف الجيش اللبناني بأنه “أفضل ثقل استراتيجي موازن” لـ “حزب الله”. كما تصرّ على أنها تريد لبنان “آمنًا ومستقرًا ومزدهرًا”. لكن سياستها العملية بدأت تتحوّل من الدعم المفتوح إلى مساعدة مشروطة بشدة، مرتبطة صراحةً بمعايير نزع السلاح وتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 في جميع أنحاء الأراضي اللبنانية. أضافت هذه المصادر أن موافقة واشنطن الأخيرة على حزم أمنية كبيرة – مثل 230 مليون دولار والمُقسّمة بين الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي – لم تُبرَّر كدعم روتيني، بل كوسيلة ضغط لتأمين خطة تقودها الدولة لتفكيك ترسانات الأسلحة غير الشرعية، بدءًا من “حزب الله”. وتؤكد حاليًا هذه المصادر الكونغرسية (المقربة من الإدارة) أن أي مساعدة إضافية ستكون مشروطة بـ “إجراءات حقيقية وملموسة” ضد “حزب الله”، وليس مجرد اعتماد خطط أو التزامات كلام.
بالنسبة لواشنطن، يُمثل نهاية عام 2025 نقطة التحوّل من فترة السماح الدبلوماسية إلى مرحلة التنفيذ. عمليًا، بحسب مسؤول أميركي سابق، ثمة ثلاثة مسارات مطروحة، غالبًا ما تُعتبر مُعززة لبعضها البعض بدلًا من كونها بدائل: 1) تشديد الشروط والضغط المالي: إذ يمكن للولايات المتحدة وشركائها الخليجيين تشديد الخناق من خلال ربط الدعم المالي، والإغاثة التي يقدمها صندوق النقد الدولي، والمساعدات الأمنية بخطوات قابلة للقياس كنشر الجيش ومصادرة الأسلحة وتفكيك مواقع محددة لـ “حزب الله” ومنع شبكات التهريب. 2) تصعيد الضغط العسكري – الدبلوماسي: إذ تُشير واشنطن صراحةً إلى أنه إذا لم تستطع بيروت أو لم تُرد تفكيك آلة حرب “حزب الله”، فإن إسرائيل “ستُصعّد عملياتها لتنفيذ المهمة” بنفسها، باستخدام ضربات رادعة وحملات أوسع نطاقًا تهدف إلى منع إعادة إعمار “حزب الله”. 3) تطبيق مُنظم للقرار 1701 يركز على الجيش اللبناني: إذ يظل السيناريو المُفضل لدى واشنطن هو قيام جيش لبناني قوي وفرض سيطرة رسمية للدولة من الجنوب وامتدادًا إلى كل لبنان.
من هنا ، تؤكد مصادر في الخارجية الأميركية أن على بيروت تحويل أجندة الإصلاح اللبنانية إلى خريطة طريق فعلية لنزع السلاح غير الشرعي كي لا يتعرض لبنان جراء عدم الامتثال لخطر الانهيار الاقتصادي الحر (economic free fall)، خصوصًا مع بدء بوادر استنفاد القنوات الدبلوماسية وتوسيع نطاق الأهداف الإسرائيلية. وتضيف هذه المصادر، أن واشنطن رغم هذه الصورة القاتمة، لا تزال تأمل بخطوات لبنانية قابلة للتحقق تُزيل البصمة العسكرية الظاهرة لـ “حزب الله” في لبنان، وهي على استعداد لتقدم الدعم مع الشركاء الأوروبيين والعرب والضغط لانسحابات إسرائيلية من الجنوب.
في الواقع، يُقرّ مسؤولون عسكريون أميركيون بأن الجيش اللبناني مُقيّد سياسيًا وعسكريًا، وأن المواجهة المباشرة مع “حزب الله” صعبة، ما يجعل واشنطن أكثر انفتاحًا على مزيج مدروس من الترهيب والترغيب. من هنا، تشير مصادر في البنتاغون إلى أن سيناريوات ما بعد تشرين الثاني 2025 ستستند إلى تدهور تدريجي للقيمة العسكرية (military value) لـ “حزب الله”، والتي تشمل نزع السلاح والتنفيذ الكامل للقرار 1701، ما يعني “لا قوات منظمة لـ “حزب الله”، ولا صواريخ ولا أنظمة توجيه دقيقة، ووجود فاعل للجيش اللبناني مدعومًا بمراقبة دولية وعقوبات على الانتهاكات”. ويشير خبراء عسكريون أميركيون إلى أن استنزاف القدرات الاستراتيجية من خلال استمرار العمليات الإسرائيلية يحرم “حزب الله” من القدرة على إعادة بناء ترسانة كبيرة من الأسلحة الموجهة بدقة. ويضيفون أن ذلك يجب أن يتم مترافقًا مع الضغوط القانونية والمالية كتوسيع نطاق تصنيفات الإرهاب، والقيود المصرفية، وتفعيل الجمارك لقطع مصادر دخل “حزب الله” المحلية والإقليمية، مصحوبًا بحوافز سياسية للجهات الشيعية الراغبة في النأي بنفسها عن الجناح المسلح للجماعة. وهذا يُحوّل “حزب الله” مع مرور الوقت إلى “ميليشيا مفتتة ومقيّدة” مع خيارات أقل لجر لبنان إلى حروب إقليمية.
من هنا، يرى استراتيجيون أميركيون أن نزع سلاح “حزب الله” ليس هدفًا معياريًا مجردًا، بل شرط أساسي لأي نظام شرق أوسط جديد مستدام، إضافة إلى بناء دولة لبنان. وتُعتبر الدولة اللبنانية ذات السيادة، التي تحتكر استخدام القوة وتسيطر على حدودها، أمرًا أساسيًا لمنع لبنان من البقاء منصة دائمة لاستعراض القوة الإيرانية، وسببًا دائمًا للمواجهة الإسرائيلية الإيرانية. من هنا، تُبرز مواقف الولايات المتحدة وكواليسها تجاه لبنان أن ما بعد تشرين الثاني 2025 سيشهد منعطفًا حاسمًا في الديناميكيات الإقليمية. إذ في نهاية المطاف، تكمن جذور الإشكالية اللبنانية في الصراع الأوسع بين إسرائيل وإيران، إلا أن عواقب فشل الدبلوماسية ستكون أشد وطأة على اللبنانيين.
















