بين الأحد والثلاثاء، لن يعلو صوتٌ ولا صورة فوق الزيارة التاريخية التي يقوم بها البابا ليو الرابع عشر للبنان تحت شعارَ «طوبى لفاعلي السلام».
ومن قَلْبِ هذه الزيارة، ترتسم الدلالاتُ العميقةُ لمشهديةِ «الشعب الحيّ» الذي يلبّي «نداء السلام» فيما هو في فوهة الحرب التي لم تتوقف وشَبَحُ الموت يخيّم فوقَه مع الغيوم السود التي تتراكم في ظلّ مواعيد كأنها «ساعة توقيت» لانفجارٍ كبيرٍ بدأ عدُّه التنازلي، وإن يَصعب حَسْمُ إذا كان 31 ديسمبر هو «الساعة صفر» له، أم أن الحربَ الأوسع وارِدةُ بأي لحظة بعد مغادرة البابا بيروت.
ومع هذه المناخاتِ القاتمة، التي عزّزها إعلان هيئة البث الإسرائيلية أن «التقديرات تؤكّد الاقتراب من تصعيد أكبر في لبنان» وقول السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى لصحيفة «هآرتس» إن «لا حاجة لحصول تل أبيب على إِذْنِ واشنطن للدفاع عن مواطنيها»، تزداد أهمية الزيارة البابوية التي يتلقّفها اللبنانيون على أنها بمثابة إعلانِ أن وَطَنهم ليس متروكاً ليواجه وحيداً «الرياح الهوجاء» التي توشك أن تهبّ.
ورغم ذلك، فإنّ لا أحد يتملّكه وَهْمُ أن هذه المحطة ستكون لها مَفاعيل تُبَدِّلُ «ما كُتب» على صعيد «ما سيكون» في الوطن العالِق «بين ناريْ» رَفْضِ «حزب الله» تسليم سلاحه وتَحَفُّز اسرائيل لجولة قتالٍ أعنف لإضعافه قبل «حلّ الطاولة»، لدرجة أن البعض يهمس أن البابا يأتي ليصلّي للبنان وربما… عليه.
وإذ يُضيء ليو، من «ساحة الشهداء» (وسط بيروت) على «لبنان الرسالة» وذلك عبر اللقاء المسكوني بين الأديان الذي يشارك فيه رؤساء الطوائف المسيحية والإسلامية، فإنّ عنوانَ السلام الذي يَرفع لواءه يَنتظر بلورةً يَسود ترقُّب لها انطلاقاً مما سيقوله من بيروت التي سَبَق لزيارة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني لها (1997) أن أسّستْ لـ «رياحِ تغييرٍ.
واستوقف أوساطاً سياسية أن «حزب الله» الذي أوعز بالمشاركة في استقبال جماهيري للبابا في الضاحية الجنوبية خلال انتقاله من المطار الى القصر الجمهوري، حرص على توجيه «رسالة استباقيّة» له انطوتْ على أبعاد سياسيةٍ معلنة وأخرى«مشفّرة»، توقف فيها عند«المعاناة التي يعيشها اللبنانيّون، جرّاء الاحتلال الصهيوني لبعض أرضهم، ومواصلة اعتداءاته عليهم وتهديد أمنهم واستقرارهم في بلدهم، طمعاً بالتسلّط على مياههم وأرضهم وثروتهم من الغاز، ومحاولةً منه لفرض إذعانِ وخضوعِ اللبنانيين لشروطه الأمنية والتوسعية والسياسية، التي لا قعر لها ولا نهاية».
وفي حين اعتبر أنّ الاحتلال الصهيوني يحظى – وللأسف الشديد – بدعمٍ غير محدودٍ من دولٍ كبرى تشاركه نزعة التسلّط والطمع بمصالح بلدنا ومنطقتنا»، لفت الى أن «إنّ ما قام به العدو الإسرائيلي في غزة بحق الشعب الفلسطيني هو جريمة إبادةٍ موصوفةٍ وما يقوم به في لبنان، هو عدوانٌ متمادٍ مرفوضٌ ومُدانٌ»، مؤكداً «تَمَسُّكنا بالعيش الواحد المشترك في لبنان، وبالديموقراطية التوافقية، وبالحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، وبحرصنا على السيادة الوطنية وحمايتها، بالوقوف مع جيشنا وشعبنا لمواجهة أيّ عدوان أو احتلال لأرضنا وبلدنا».
وأضاف «كما أنّنا نلتزم بحقنا المشروع في رفض التدخل الأجنبي، الذي يريد فرض وصايته على بلدنا وشعبنا، ومصادرة قراره الوطني وصلاحيات سلطاته الدستورية. وإذا كانت عقيدتنا تؤكد أنّ أنصار يسوع المسيح عيسى بن مريم، هم رسلُ محبةٍ وحفظِ حقوقٍ واحترامٍ للإنسان، فإننا نعوّل على مواقف قداستكم في رفض الظلم والعدوان، اللذين يتعرَض لهما وطننا لبنان على أيدي الصهاينة الغزاة وداعميهم».
وبدا هذا الموقف من «حزب الله» امتداداً للتصلّب الذي أَظْهَرَه أمينه العام الشيخ نعيم قاسم في الاحتفال التأبيني الذي أقيم لتكريم قائده العسكري هيثم طبطبائي، إذ أكد أن اغتياله من اسرائيل «اعتداء سافر وجريمة موصوفة، ومن حقّنا الردّ، وسنحدّد التوقيت لذلك»، معتبراً في ردٍّ ضمني على المبادرة المصرية الأخيرة لخفض التصعيد ومنْع «ويلاته المقبلة» وفي غمز من قناةِ كل المسؤولين اللبنانيين دون استثناء أنه «لا يوجد تفويض لأحد في لبنان بالتخلّي عن قوة لبنان وسيادته» في إشارة إلى ملف التفاوض مع إسرائيل لحلّ المشاكل العالقة، ومكرراً أن بت مسألة سلاح الحزب تكون لاحقاً ومن ضمن بحث لبناني في الاستراتيجية الدفاعية.
قرار سيادي مستقل
في موازاة ذلك، وعلى وقع ما كشفته «القناة 13» من أن الاجتماع الذي عقده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع عدد من المسؤولين والذي خُصِص للشأن اللبناني شهد نقاشاً على خلفية الإنذار الذي وضعته إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام الحكومة اللبنانية، وهو «جرّدوا حزب الله من سلاحه قبل نهاية العام وإلا ستقوم إسرائيل بذلك»، برز ما نقلتْه «هآرتس» عن السفير الأميركي في لبنان من «أنّ قرار تل أبيب في ما يتعلّق بأمنها قرارٌ سياديٌّ مستقل، مشدِّدًا على أنّ واشنطن لا تمنح «إذن مرور» لأي خطوة عسكرية تتّخذها إسرائيل.
وقال عيسى إنّ «لا حاجة لحصول إسرائيل على إذن من الولايات المتحدة من أجل الدفاع عن مواطنيها، وهي تقدِّر بنفسها احتياجاتها الأمنية وتتّخذ كلّ الخطوات التي تراها مناسبة للدفاع عن مواطنيها».
وإذ أشار إلى أنّ واشنطن على تَواصُل مع الحكومة اللبنانيّة وتحضّها على تنفيذ قرارها التاريخي بنزع سلاح «حزب الله»، اعتبر أنّ تفكيك سلاح الحزب والتنظيمات التي تصنّفها الولايات المتحدة إرهابيّة يشكّل خطوةً أساسيّة لضمان السلام وتعزيز الاستقرار في لبنان والمنطقة، مؤكّداً أنّ نزع هذا السلاح من شأنه أن «يُعيد الدولة إلى اللبنانيّين» من خلال تمكين مؤسّساتها الشرعيّة من بسط سلطتها الكاملة، وموضحاً أنّ بلاده ملتزمةٌ بتنفيذ الاتّفاق المرتبط بلبنان، باعتباره ضرورياً لإعادة سلطة الدولة وتأمين مستقبلها السياسي والأمني.
وكان عيسى، قال لمحطة mtv إن «الجيش اللبناني وسّع انتشاره جنوب الليطاني في شكل ملموس وبدأ بالفعل في تدمير البنى العسكرية لحزب الله»، مشدداً على «ضرورة أن يبني الجيش على هذا التقدم لاستكمال نزع السلاح في كل الاراضي اللبنانية»، وموضحاً «أن التفاوض ضروري لسلام دائم» ولكنه شدّد على أن نزع سلاح الحزب«ليس بنداً للتفاوض بل هو التزام لبناني على الدولة تنفيذه».


















