الموازنة تستدرج جلسات الحسم الانتخابي والمالي

يبدو المشهد الداخلي في لبنان كأنه يتحفّز لسخونة متعددة الاتجاهات، وسط زحمة استحقاقات ستتزامن في وقت واحد وتضع البلاد برمتها أمام اختناق في تصريف الأولويات التي تأخّر بتّ وحسم معظمها. ولا يقتصر الأمر على ترقّب إقرار وانطلاق المرحلة الثانية من خطة حصرية السلاح في شمال الليطاني، والتي يفترض أن تقدم قيادة الجيش خطتها في شأنها إلى مجلس الوزراء في منتصف شباط المقبل، والملفات المرتبطة بها ولا سيما لجهة اتضاح مصير لجنة “الميكانيزم” الذي صار في مهبّ الغموض والتكهنات باحتمال تجميدها أو تعليقها أو حتى إلغائها، وإنما ستخترق الملفات والأولويات “السيادية” هذه برزمة استحقاقات داخلية لا تقل أهمية ودقة عنها بمفاعيلها وتداعياتها. فيوم غدٍ الأربعاء ستعقد لجنة المال والموازنة النيابية اجتماعها الأخير لإنجاز مناقشاتها ودرسها لمشروع قانون الموازنة للسنة 2026.

وبذلك ستنتقل كرة إقرار الموازنة إلى الهيئة العامة لمجلس النواب الذي يفترض أن يكون شهر شباط الموعد الحاسم الذي لم يعد يحتمل تأخيراً وتأجيلاً وتسويفاً متعمداً في بت رزمة الاستحقاقات الداهمة، وأبرزها عقد جلسات مناقشة وإقرار الموازنة وإلحاقها بجلسات لمناقشة ملف قانون الانتخابات النيابية وحسمه، حتى في ظل تمسّك رئيس مجلس النواب نبيه بري التزام تنفيذ القانون النافذ الذي وقع في حفرة الصراع السياسي حيال ملف انتخاب المغتربين، وصار حلّ هذه العقدة شبه مستعصٍ بما عجزت معه الحكومة عن تنفيذ البند المتعلق بالمقاعد الستة للمغتربين في أنحاء العالم، ولا بد من تعليق تنفيذه. وهو الأمر الذي سيقود إلى طرح التأجيل التقني للانتخابات، ولا يمكن مجلس النواب أن يتاخر أكثر عن تحمّل مسؤولياته في بت مصير هذا الاستحقاق الداهم، علماً أن دعوة رئيس الجمهورية جوزف عون أمس اللبنانيين إلى الاقتراع بكثافة في الانتخابات النيابية وانتخاب من يمثلهم ويحمل مشروعاً سياسياً واضحاً في خدمة الوطن، إنما جاءت في إطار تشديد الرئيس عون على التزام إجراء الانتخابات في موعدها المبدئي. وهو جدّد التأكيد على إصراره على إجرائها في موعدها، داعياً اللبنانيين إلى الاقتراع بكثافة، “وانتخاب من يمثلهم وليس من يشتريهم بالمال، لأن من يشتريكم اليوم يبيعكم غداً، ومن يحمل مشروعاً سياسياً واضحاً في خدمة الوطن، وليس من يقدم خدمات آنية”،

وأكد أن “الانتخاب هو مسؤولية شخصية وفردية، وحق مقدس لكل مواطن، وعليه أن يمارسه بضمير حي ووعي وطني”.

ولن ينفصل مشروع قانون الفجوة المالية أيضاً عن هذا السياق، إذ أن عاصفة ردود الفعل عليه والدعم الذي حظي به خارجياً، خصوصا من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، سيلزم المجلس أيضاً التصدي لهذا الاستحقاق من دون مزيد من التلكؤ. لذا تتشكّل في الداخل الرسمي والسياسي والنيابي حالة تراكم للاستحقاقات، ستكون اعتباراً من مطلع شباط أشبه بظروف استنفار استثنائي من حيث تقاطع وتشابك الاستحقاقات السيادية المصيرية مع الاستحقاقات التشريعية في ظل اقتراب الموعد الأساسي للانتخابات النيابية في أيار المقبل.

وسط هذه المناخات، تفاقمت أجواء الغموض حيال مصير لجنة “الميكانيزم” التي لم يصدر في شأن تعليق أو تجميد أو إرجاء اجتماعاتها أي توضيح رسمي، لا لبناني ولا أميركي، في حين تتنامى المعطيات التي تتحدث عن تسرّب اقتراحات جديدة حول ملف التفاوض بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية ضمن إطار مختلف عن إطار لجنة “الميكانيزم”.

غير أن عاملاً إيجابياً سجل أمس في إطار التعاون في ملف العلاقات العسكرية بين لبنان والولايات المتحدة الأميركية، إذ أفادت معلومات أنه تم تحديد موعد لزيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، من 3 حتى 5 شباط، علماً أن موعداً سابقاً للزيارة كانت أرجأته واشنطن في دلالة على مناخ سلبي أميركي حيال تباطؤ خطة حصرية السلاح في لبنان. وبحسب المعلومات التي عُممت أمس فإن قائد الجيش سيحمل معه إلى واشنطن ملفًا أمنياً متكاملاً يتضمن لائحة بمواقع محددة لـ”حزب الله” تشمل الأنفاق وانتشارات الجيش اللبناني وخرائط عسكرية تفصيلية ولوائح مواقع مدعومة بجداول زمنية للتنفيذ. وأفادت المعلومات نفسها أن جدول أعمال زيارة قائد الجيش لم يحدد بشكل نهائي بعد، ولكن العمل جارٍ على ترتيب اللقاءات، وأن المرحلة المقبلة هي مرحلة أرقام وجداول لا بيانات سياسية.

اترك تعليق