العالم مصدوم بأحداث متسارعة تُنذر باحتمالات ساخنة على أكثر من ساحة، لم تستطع تقديرات المحلّلين والمعلّقين من اختراق جدار الغموض الذي يكتنفها، وتحديد مساراتها وما قد تختزنه من سيناريوهات مجهولة، وتداعيات وربما متغيّرات وتحوّلات. ولبنان في موازاة هذه الأجواء، يتخبّط من جهة بعاصفة سياسية وسجالات دخلت مدار الاحتدام على غير صعيد رسمي وسياسي وحزبي، ومن جهة ثانية بـ»أزمة الميكانيزم» وما قد يرخيه تعطيلها أو تجميدها من تداعيات، ولاسيّما على الصعيد الأمني، وخصوصاً في ظل رفع إسرائيل لوتيرة التصعيد والإعتداءات على المناطق اللبنانية، ولاسيما الجنوبية، على ما حصل في الساعات الأخيرة من غارات واغتيالات.
«خبيصة» مفزعة!
المناخ الدولي، ووفق ما تخلص إليه مقاربة ديبلوماسية أممية، يبدو وكأنّ موجة اهتزاز عنيفة ضربته، والصورة على مستوى العالم، تعكس في معظمها، ازدحاماً لتطوّرات وخطوات ومبادرات غير محسوبة أو متوقعة، رسمت خريطة توترات واسعة ومقلقة، ودائرة مفاعيلها خارج نطاق التقدير حالياً.
وساحات التوتر، كما ترسمها تلك المقاربة، تتجاذبها سلسلة من النقاط الساخنة، بدءاً أولاً، من جبهة إيران التي لم تخرج بعد من دائرة الاحتمالات الحربية بين واشنطن وطهران، وثانياً جبهة غرينلاند المستجدة، التي تشهد استنفاراً دولياً، مصحوباً بكباش متصاعد حولها بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيِّين، ومن بينهم مَن يُعتبَرون أقرب الحلفاء لها مثل بريطانيا، وعلى حافة هذا النفور تساؤلات فرضت نفسها حول أوكرانيا، وخصوصاً في ظل ما ذهبت إليه بعض التقديرات من فرضيات ترجّح تأثرها بارتدادات هذا الخلاف، ما يعزّز المخاوف من بروز تحوّلات جذرية في مسار الحرب. وثالثاً الجبهة الكندية، إذ إنّ كندا التي تُعتبَر من أكثر الدول قرباً من الولايات المتحدة، تمرّ العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة في مرحلة هي الأسوأ في تاريخ الدولتَين. وما يقوّي احتمال حماوة الكباش أكثر، ما تبدّى في الأيام الأخيرة من مغازلة علنيّة، وربّما متعمّدة من قِبل بعض تلك الدول للصين. ورابعاً، العلاقات بين بعض دول الخليج التي دخلت في الفترة الأخيرة في توتر غير مسبوق، تتبدّى في أفقه مخاوف واحتمالات مقلقة.
وعلى حدّ توصيف مسؤول رفيع لـ»الجمهورية»، فإنّ «ما يشهده العالم أشبه بـ«خبيصة مفزعة»، تنذر بصراع دولي واسع، إنما معالمه لم تتحدّد بعد، فالصراع ليس على إيران، كون الضغط عليها الاقتصادي والعسكري وغير ذلك، يحظى بإجماع واشنطن والدول الحليفة لها، بل انتقل إلى مكان آخر، واشتعلت شرارته مع رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشعار «أميركا أولاً» بمعزل عن تلك الدول، وحدّد الهدف المركزي له باستعادة غرينلاند وحتى كندا، ويبدو مع النبرة العالية التي يقارب فيها ترامب مواقف الدول الأوروبية وإجراءاتها التي اتخذتها، وخصوصاً إرسال قوات عسكرية إلى غرينلاند، أنّ الأمور سائرة في مسار تصعيدي، حيث لا يبدو أنّ ترامب سيتراجع عن تحقيق هدفه».
وكان الرئيس الأميركي أعلن في منتدى دافوس أمس «أنّ أوروبا لا تسير في الاتجاه الصحيح، وهناك دول لم نعُد نتعرّف عليها. نريد من أوروبا أن تكون حليفاً قوياً، ولا توجد قوة في الناتو قادرة على حماية غرينلاند سوى الولايات المتحدة. كم كنّا أغبياء عندما أعدنا غرينلاند إلى الدنمارك سابقاً، ونستغرب هذا القدر من الجحود الذي يواجهوننا به»، موضّحاً «أنّنا لا نحتاج إلى معادن غرينلاند النادرة، ونحتاج إلى الجزيرة لأنّها مهمّة لمصالحنا الأمنية. الولايات المتحدة وحدها القادرة على حماية غرينلاند، وأريد مفاوضات فورية لنبحث شراءها، معتبراً «أنّ استحواذنا على غرينلاند لن يقوّض الناتو بل سيعزّزه، و لن أستخدم القوّة للاستحواذ على غرينلاند».










