لم يسبق في تاريخ القوانين الانتخابيّة منذ الطائف حتّى اليوم أن تعرّض قانون الانتخاب، ومعه مصير الانتخابات، لهذا الحدّ من “التنتيع” السياسيّ. لا يتوقّف الأمر على أن لا مبرّر قانونيّاً، ولا سياسيّاً، يُشرّع التمديد لمجلس النوّاب الحاليّ، باستثناء حرب إسرائيليّة مفتوحة ضدّ لبنان، بل إنّ مصير أكثر من 144 ألف ناخب في الخارج مجهول، والمسار المتّبع قد يؤدّي إلى طعون تتراكم أمام مجلس شورى الدولة بسبب حالة “الانفصام” التي تضرب السلطة في لبنان.
أحكمت “سلبيّتان” أساسيّتان قبضتَيهما على قانون الانتخاب، وكأنّ المقصود التعطيل لعدم إجراء الانتخابات. السلبيّة الأولى إصرار الرئيس نبيه برّي على عدم الدعوة إلى أيّ جلسة تشريعيّة لبحث التعديلات على قانون الانتخاب، التي يحتاج إليها قانوناً من أجل أن يُصبِح نافذاً، خصوصاً لجهة إيجاد الإطار التطبيقيّ للمقاعد الستّة في الخارج.
تجلّت السلبيّة الثانية في حالة الانفصام لدى الحكومة، التي تخلّت عن مسؤوليّاتها في إقرار المراسيم التطبيقيّة لاقتراع المغتربين في الخارج للمقاعد الموزّعة على القارّات الستّ (الدائرة الـ16)، على الرغم من وجود تقرير تقنيّ مفصّل أعدّته لجنة موسّعة عام 2021 تضمّن “دقائق تطبيق أحكام الفصل الحادي عشر”، أي آليّات اقتراع المغتربين في الخارج للمرشّحين الستّة في القارّات.
لاحقاً أحالت الحكومة إلى مجلس النوّاب مشروع قانون معجّل بتعليق العمل بالمقاعد الستّة، ثمّ “تذكّرت” بأن تطلب من وزراتَي الداخليّة والخارجيّة تشكيل لجنة مشتركة لتطبيق دقائق أحكام الفصل الحادي عشر المتعلّق باقتراع اللبنانيّين غير المقيمين على الأراضي اللبنانيّة. أنهت اللجنة عملها ورفعته إلى وزيرَي الداخليّة والخارجيّة، لكن لم يتمّ الإفراج عنه حتّى الآن أو عَرضه على الحكومة.
المؤكّد أنّ برّي ليس بوارد فتح نقاش في قانون الانتخاب وتعديلاته، باستثناء فتح نافذة تتيح التسوية على حصول الانتخابات أو تأجيلها
في 30 كانون الثاني، وقبل عشرة أيّام من انتهاء المهلة، أصدر رئيس الجمهوريّة، بناء على اقتراح وزير الداخليّة، مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في جميع الدوائر الانتخابيّة المحدّدة بموجب القانون 44/2017، بما فيها الدائرة الـ16 المخصّصة للّبنانيّين المقيمين وغير المقيمين.
أصدر وزير الداخليّة لاحقاً تعميماً حول مهل تقديم تصاريح الترشيح والرجوع عنها وتسجيل اللوائح. لكنّ التعميم تضمّن فقرة جاء فيها: “في ظلّ تعذّر فتح باب تقديم تصاريح الترشيح تطبيقاً لأحكام الفصل الحادي عشر من القانون رقم 44 نظراً لعدم صدور النصوص القانونيّة والتطبيقيّة اللازمة حتّى تاريخه”، وهو ما يعني عدم إمكانيّة تلقّي الوزارة طلبات الترشيح عن الدائرة الـ16.
طعون أمام “الشورى“
ثمّة سيناريو منطقيّ ومحتمل قد يقود إلى تقديم أحد المرشّحين تصريح الترشيح عن أحد مقاعد الدائرة الـ16 ما دام مرسوم دعوة الهيئات الناخبة صدر بناء على القانون النافذ، الذي يتضمّن الدائرة الـ16، من دون صدور آليّاتها التطبيقيّة.
قانون الانتخاب
في هذا السياق يمكن ذكر أمرين أساسيَّين:
– إذا قرّرت الداخليّة التريّث في استقبال طلبات الترشيح عن الدائرة الـ16، خلافاً لمنطوق مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في لبنان وفي الخارج، أفلم يكن منطقيّاً أيضاً التريّث في نشر القوائم الانتخابيّة للمسجّلين في الخارج ما دام وضع هؤلاء لا يزال قيد الدرس ومجهول المصير: هل ينتخبون المرشّحين عن المقاعد الستّة في القارّات الستّ أم يقترعون للـ128 نائباً من الخارج حيث أماكن إقامتهم أم للـ128 نائباً لكن بعد قدومهم إلى لبنان؟
أحكمت “سلبيّتان” أساسيّتان قبضتَيهما على قانون الانتخاب، وكأنّ المقصود التعطيل لعدم إجراء الانتخابات
– تعميم وزارة الداخليّة قد يتعرّض للطعن. قد يكون هذا الطعن مباشراً عبر أيّ حزب قد يكون لديه مرشّحون للدائرة الـ16، أو غير مباشر عبر تقديم اعتراض من قبل أحد المرشّحين لهذه الدائرة إلى مجلس الشورى بعد رفض قبول ترشيحه من قبل وزارة الداخليّة، عملاً بأحكام الفقرة 6 من المادّة 46 من قانون الانتخاب التي تنصّ على أنّه في حال رفضت “وزارة الداخليّة قبول تصريح الترشيح، فللمرشّح الحقّ ضمن مهلة ثلاثة أيّام من تاريخ تبلّغه قرار الرفض الصريح أن يُراجِع مجلس شورى الدولة، وعلى المجلس أن يَفصِل باعتراضه خلال ثلاثة أيّام من وروده، ويكون قراره نهائيّاً ولا يقبل أيّ طريق من طرق المراجعة”.
في الصورة العامّة، بات تقصير الدولة سبباً كافياً للتغاضي عن تطبيق القانون، وكأنّ عبارة “لم نصدر المراسيم” صارت تبريراً لمخالفة سير العمليّة الانتخابيّة.
لكن ما الخلاصة الأساسيّة؟
فيما سرت في الساعات الماضية معطيات عن احتمال دعوة الرئيس إلى جلسة تشريعية تشكّل معبراً لإجراء الانتخابات في الصيف، المؤكّد أنّ برّي ليس بوارد فتح نقاش في قانون الانتخاب وتعديلاته، باستثناء فتح نافذة تتيح التسوية على حصول الانتخابات أو تأجيلها.
في المقابل، تبدو الضبابيّة التي تلفح ملفّ الانتخابات عنصراً مؤثّراً باتّجاهين معاكسين:
– أن تقود التعقيدات القائمة، لا سيما لجهة استحالة إجراء الانتخابات من دون تعديل القانون الحاليّ، واحتمال حصول طعون أمام مجلس الشورى، إلى تأجيل الانتخابات، وهذا ما سيتطلّب حكماً التئام مجلس النوّاب، وإقرار التمديد الذي تقول مصادر نيابيّة إنّ الأكثريّة قد تتوافر له.



















