طرابلس تبحث عن مُغيث

لن يكون مبنى باب التبّانة آخر المباني الطرابلسيّة التي تنهار، وليس المأساة الأولى في هذه المدينة الملقّبة بالفيحاء. هي مدينة نادرٌ فيها الفرح، أحياؤها تقتات يوميّاً ألماً وجوعاً ومآسي.

لا وجود للخيارات في حياة أبنائها، فقط الموت يمنحهم عدّة خيارات. إمّا الموت في البحر غرقاً عند الهروب بقوارب الموت بحثاً عن الرزق والحياة الكريمة، حتّى لو كانت الفرصة هي الهروب إلى بلاد “الواق الواق”، أو الموت تحت حجارة منازلهم المعرّضة دوماً للانهيار، وأمّا الخيار الثالث فهو الموت تحت التعذيب خلال الاعتقال. كيف لا وهناك من سعى ويسعى دوماً وأبداً لإصباغ المدينة على أنّها توأم برمزيّة الإرهاب مع قندهار؟!

أرقام قياسيّة طرابلسيّة

حقّقت طرابلس كلّ الأرقام القياسيّة، الجيّد منها والسيّئ الذكر. هي المدينة الأكثر احتواءً للأثرياء أصحاب كبرى الثروات، الذين يتجاوز عددهم عشرين، وأكثر بكثير أولئك الذين تتجاوز ثرواتهم مئات ملايين الدولارات، وبعضهم دخل نادي المليار.

هي المدينة الأكثر احتواءً لمخالفات البناء، وبخاصّة في عام 2000 حين اختلط الحابل بالنابل فارتفع عدد الطوابق المخالِفة وازداد الضغط على مباني المدينة وخطر انهيارها. وهي المدينة الأكثر احتواءً للمعابد، مساجد وكنائس وزوايا وطرق صوفية متعدّدة المشارب والأطوار. وهي المدينة الأكثر فقراً في العالم بواجهتها البحريّة، حيث تمتدّ مخيّمات الأكواخ من حوش العبيد إلى حيّ التنك، ويمتزج الفقر والفقراء بتجّار المخدّرات واللصوص عند آخر النهار.

هي المدينة الأكثر احتواءً للعلماء ورجال الدين، فكان لقبها مدينة العلم والعلماء منذ فترة الحكم العثمانيّ. وهي المدينة الأكثر مساهمة في ملء السجون وغرف المحابيس بالسجناء.
ليست طرابلس، بأزمتها، بحاجة إلى المال فقط، وهو أمر ملحّ وضروريّ، بل بحاجة إلى من يدير أزمتها بشكل مهنيّ وحكيم، وإلى رجل دولة يتّصل بهذا وذاك وأولئك، ويستنفر لبنان بأكمله عندما تستغيث

114 مبانٍ مهدّدة

يبلغ عدد المباني المهدّدة بالانهيار والمطلوب إخلاؤها فوراً في مدينة طرابلس، وفقاً لإحصاء بلديّة المدينة، 114 مبانٍ، إضافة إلى 600 مبنى بحاجة إلى الترميم. من المؤكّد أنّ إنقاذ المدينة يحتاج إلى مبالغ كبيرة لا يمكن للبلديّة توفيرها، فيما تقف الدولة اللبنانيّة عاجزة أمام أرقام كهذه.

يبقى الحلّ إنشاء صندوق يُطلَق عليه اسم صندوق إنقاذ طرابلس، وليتبرّع له أخيار المدينة وأثرياؤها، مسلمين ومسيحيّين، سياسيّين وغير سياسيّين. فما نفع الثروات إن لم يستفِد منها الناس في لحظة كهذه، اللحظة التي تمرّ بها مدينة زهر الليمون وبساتين الياسمين؟

تعاطت الدولة اللبنانيّة منذ الاستقلال مع مدينة طرابلس على أنّها ملفّ أمنيّ. لم تُقارب الدولة طرابلس من زاوية الإنماء والواقع الاجتماعيّ، ولم تُقارب أرقامها من أجل مساعدتها، بل قاربت أرقامها من حيث البعد الأمنيّ: كم خليّة إرهابيّة في المدينة؟ كم إرهابيّاً؟ كم قطعة سلاح في باب التبّانة؟ وكم يوجد في جبل محسن من قاذفات صواريخ؟

إقرأ أيضاً: أحمد الحريري يقع في فخ الحزب

ليست طرابلس، بأزمتها، بحاجة إلى المال فقط، وهو أمر ملحّ وضروريّ، بل بحاجة إلى من يدير أزمتها بشكل مهنيّ وحكيم، وإلى رجل دولة يتّصل بهذا وذاك وأولئك، ويستنفر لبنان بأكمله عندما تستغيث.

كتب ابن المدينة، المحامي الطرابلسيّ همّام عبداللطيف زيادة، بعد انهيار مبنى باب التبّانة، على حسابه في وسائل التواصل الاجتماعيّ، قائلاً: “بصراحة، إذا كانت الدولة اللبنانيّة عاجزة عن إنقاذ طرابلس الشام ممّا تعانيه، فلنطلب من الشام إنقاذها. بلا تنظير فارغ. فلتطلب الدولة اللبنانيّة المساعدة من تركيا أو من سوريا لإنقاذ طرابلس من الانهيارات الحاليّة والقادمة، والقيام بعمليّة مسح وترميم جدّيّة وشاملة للأبنية الآيلة إلى السقوط في طرابلس، وإلّا فإنّها غير راغبة بذلك، والنتيجة واحدة في الحالتين”.

اترك تعليق