مبادرات لما بعد الحرب: الحزب وإسرائيل إلى جولة قتال عنيفة

تتحدث تقديرات في بيروت، مستندة إلى مصادر رسمية، عن احتمال كبير لإعلان أميركي مفاجئ لنهاية الحرب على إيران خلال أسبوع أو أسبوعين على أبعد تقدير، تحت عنوان أن أهداف الحرب قد تحققت. ووفق هذه التقديرات، فإن واشنطن قد تعلن أن طهران لم تعد قادرة على إطلاق الصواريخ الباليستية بفعالية، ولم يعد لديها ذلك المخزون الإستراتيجي الهائل، وأن الضربات الأميركية نجحت في استهداف مراكز الثقل العسكرية، وبعض المصالح الأمنية والاقتصادية التابعة للحكومة الإيرانية، إضافة إلى توجيه ضربات مؤثرة إلى السلم القيادي.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في بيروت لا يتعلق بإعلان نهاية الحرب بحد ذاته، بل بكيفية تعامل إيران مع مثل هذا الإعلان: هل ستتعاطى معه كأمر واقع وتقبل بوقف الحرب، أم أنها ستسعى إلى الرفض والإستمرار بالحرب؟

في المقابل، يكاد يتشكل في الأوساط اللبنانية اعتقاد شبه راسخ بأن انتهاء الحرب على إيران لا يعني بالضرورة نهاية التوتر العسكري على الجبهة اللبنانية، حتى وإن كانت طهران قد ربطت الجبهتين في سياق واحد. بل إن تقديرات عدة ترجّح أن تشهد الجبهة اللبنانية زخماً إضافياً، عسكرياً وسياسياً، في مرحلة ما بعد انتهاء العمليات في إيران.

أولى الإشارات السياسية إلى هذا الاحتمال تظهر في الحراك الداخلي اللبناني، الذي يدور تحت عنوان خفض كلفة الحرب على لبنان. ويتمثل ذلك في محاولة تسويق مبادرة رئيس الجمهورية جوزاف عون ذات النقاط الأربع، والتي تستند أساساً إلى قرار الحكومة الصادر في الثاني من آذار الماضي. والهدف المعلن هو إفساح المجال أمام الدولة اللبنانية لمعالجة مسألة سلاح حزب الله ضمن مسار سياسي بشكل مستقل عن الحرب، أو من دون الانزلاق إلى حرب واسعة.

وفي هذا السياق، نشطت الاتصالات بين الأركان اللبنانيين. فعاد مستشار رئيس الجمهورية العميد المتقاعد أندريه رحال إلى التحرك بين بعبدا وعين التينة ذهاباً وإياباً، حيث سُجلت له زيارة ثانية هذا الأسبوع لمقر رئيس مجلس النواب نبيه بري. كما لوحظ نشاط موازٍ على خط رئاسة مجلس الوزراء من الخلفية نفسها. وبحسب ما يتردد، تبدو التحركات مرتبطة بتأمين رؤية لبنانية موحدة حول التفاوض المباشر، إذ يتبين أن الرئيس بري يعارض أي أفكار ذات صلة قبل تأمين وقف غير مشروط لإطلاق النار.

وتشير المعطيات إلى أن جزءاً من هذا الحراك جاء بعدما تمكن بري من استطلاع موقف حزب الله عبر أحد المسؤولين فيه، حيث يعمل على نقل هذه الأجواء تدريجياً إلى رئاسة الجمهورية التي لا تزال قنواتها المباشرة مقطوعة مع الحزب.

ووفق ما تسرّب من المناقشات، يتموضع حزب الله إلى يسار الطروحات الرسمية، رافضاً أي صيغة للحل لا يكون طرفاً أساسياً في نقاشها. وبذلك، بات الحزب عملياً مفاوضاً مركزياً، وممراً إلزامياً لأي مبادرة أو مقترح سياسي يتعلق بمستقبل الوضع في لبنان. وينسحب هذا الموقف أيضاً على مبادرة رئيس الجمهورية، إذ أبلغ الحزب رسمياً رفضه لنقاطها الأربع.

ويبدو أن الحزب، الذي يمنح الأولوية للميدان، يفضّل التريث قبل اتخاذ أي موقف نهائي، في انتظار ما ستؤول إليه التطورات العسكرية. وتشير بعض التقديرات إلى أن الحزب يعمل في المرحلة الراهنة على ما يمكن تسميته “هندسة ميدانية”، تهدف إلى تعديل التوازنات التي نشأت بعد اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، عبر فرض وقائع جديدة بالنار.

اترك تعليق