بعبدا تُسمي فريق التفاوض: هل تبدأ الجولة الأولى؟

بالرغم من تقدّم لغة الميدان على لغة التفاوض، لا يزال رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يحاول الدفع بمبادرته بوصفها محاولةً لفتح نافذة تفاوضية تقود إلى وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، وترتيب مرحلة ما بعد الحرب. غير أنّ المعطيات التي تصل إلى قصر بعبدا من مصادر دبلوماسية متعددة، كما عبر الأمم المتحدة، تشير إلى أنّ الرد الإسرائيلي لم يتخذ شكل الموافقة أو الرفض، بل جاء على هيئة سلسلة من الأسئلة التي تعكس “شكوكاً عميقة لدى الجانب الإسرائيلي حول جدوى أي اتفاق جديد مع لبنان،” على الرغم مما يسرب من معلومات عن العمل لتحديد موعد لجولة أولى من التفاوض يرجح أن تكون في قبرص، وتكليف رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الوزير السابق رون ديرمير ” تولي ملف لبنان.”

بحسب معلومات متقاطعة من مصادر مطّلعة لـ”المدن”، فإن إسرائيل لم تقل “نعم” للمبادرة اللبنانية، لكنها في الوقت نفسه لم تقل “كلا”. وبدلاً من ذلك، تتعامل معها عبر طرح أسئلة متكررة لكل جهة تتواصل معها بشأنها، سواء عبر القنوات الفرنسية أو عبر الأمم المتحدة أو من خلال الوساطتين القبرصية والمصرية. هذه الأسئلة، في جوهرها، تدور حول مسألة واحدة: من سينفّذ الاتفاق، أي إتفاق مع لبنان، إذا تم التوصل إليه بعد وقف إطلاق النار؟

عقدة التنفيذ والضمانات
“المخاوف” الإسرائيلية تتركّز على تجربة “سابقة تعتبرها تل أبيب غير ناجحة”، وفق ما نقل الوسطاء عن إسرائيل للرئيس عون، وذلك في إشارة إلى إتفاق 27 تشرين الثاني 2024، الذي لم يؤدّ، وفق قراءتها، إلى “تثبيت التهدئة أو معالجة مسألة السلاح”. ومن هنا نقل الوسطاء جملة من الأسئلة الاسرائيلية إلى صاحب المبادرة اللبنانية: “هل سيلتزم حزب الله بوقف إطلاق النار؟ وهل سيبدأ فعلاً بجمع سلاحه وتسليمه إلى الجيش اللبناني؟ ومن هي الجهة في لبنان القادرة على ضمان ذلك؟”
هذه الأسئلة تتفرّع بدورها إلى إشكالية أخرى تتعلّق بقدرة الجيش اللبناني على فرض تنفيذ أي إتفاق. فبحسب القراءة الإسرائيلية، إن أداء الجيش في ملف نزع السلاح ولا سيما شمال الليطاني، وكذلك خلال مجريات الحرب الحالية، لا يشير إلى قدرة فعلية على فرض تطبيق الاتفاق على حزب الله، سواء لجهة وقف النار أو تسليم السلاح. وبناء على هذا التقدير، نقل الوسطاء إلى بعبدا، أن “إسرائيل ترى أن أي إتفاق جديد قد يواجه عثرة أساسية إذا لم يلتزم الحزب ببنوده، إذ لا توجد، وفق التصور الإسرائيلي، جهة قادرة على فرض تنفيذها.”

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد. في مزيد من الأسئلة التي نقلها الوسطاء، أنه حتى في حال جرى جمع السلاح، تطرح إسرائيل سؤالاً إضافياً: “من سيتسلّم هذا السلاح؟ وما مصيره لاحقاً؟ ” فتل أبيب “لا تبدي ثقة بالجيش اللبناني كجهة ضامنة”، الأمر الذي يدفعها إلى التساؤل عن الجهة البديلة القادرة على توفير ضمانات حقيقية.

كما تُبدي إسرائيل تشكيكاً في جدوى الميكانيزم، معتبرة أنها لم يُحقق نتائج ملموسة، وأن أي تجربة مشابهة قد تنتهي إلى النتيجة نفسها التي إنتهت إليها المرحلة السابقة.

كل هذه الأسئلة حملتها إسرائيل للوسطاء، وهم بدورهم نقلوها إلى رئيس الجمهورية الذي لا يوقف اتصالاته ومساعيه لتغليب منطق التفاوض على صوت النار. وإسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة، يبدو أن أهدافها أبعد من أي مبادرة.

مقاربة لبنانية مختلفة
في قراءة الرئيس عون، فإن الأسئلة الإسرائيلية المتكررة ليست بالضرورة بحثاً تقنياً في تفاصيل الاتفاق، بل قد تكون مؤشراً إلى أن خطة إسرائيل تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار أو معالجة ملف السلاح. فالتشكيك المستمر بقدرة الدولة اللبنانية، والحديث المتكرر عن غياب الضمانات، قد يشكلان ذريعة لعدم إعطاء جواب واضح على المبادرة اللبنانية.

ويزداد هذا الانطباع قوة مع تصاعد الخطاب الإسرائيلي، سواء على مستوى رئيس الحكومة أو وزراء الحرب أو قوى اليمين المتطرف، حيث تبدو اللغة المستخدمة بعيدة من أي مناخ تفاوضي حقيقي.

في المقابل، يحاول رئيس الجمهورية نقل مقاربة مغايرة عبر الدول الصديقة للبنان، ولا سيما فرنسا وقبرص ومصر. فالرئاسة اللبنانية تسعى إلى إقناع المجتمع الدولي بأن الوصول إلى وقف لإطلاق النار يتبعه إنسحاب إسرائيلي، ولو تدريجي، من الأراضي اللبنانية من شأنه أن يُفقد حزب الله الذريعة التي يستند إليها للاحتفاظ بالسلاح.

ووفق هذه المقاربة، فإن استكمال مسار المفاوضات وصولاً إلى اتفاقات نهائية مع ضمانات دولية قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة داخل لبنان، يصبح فيها السلاح خارج إطار الدولة مسألة فاقدة للمبرر السياسي والعسكري. وفي هذه الحالة، قد تتبلور داخل لبنان، وحتى داخل البيئة الشيعية نفسها، قناعة بأن إستمرار الاحتفاظ بالسلاح لم يعد ضرورياً بعد تثبيت ترتيبات أمنية نهائية.
في هذا السياق، تكشف مصادر مطلعة على مساعي رئيس الجمهورية لـ”المدن”، أن الرئيس عون يذكر من يتواصل معهم من الدول التي تحاول مساعدة لبنان، بتجربة اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 للتأكيد أن المشكلة لم تكن في التزام لبنان. فالاتفاق كان ينص على إنسحاب إسرائيلي خلال ستين يوماً، لكن هذا الانسحاب لم يحصل عملياً. بل جرى تمديد المهلة حتى 18 شباط، ومع ذلك لم يتم الانسحاب الكامل.

كما بقي ملف الأسرى عالقاً. إذ أُفرج عن خمسة أسرى فقط، بينما بقي آخرون محتجزين، من دون أن تسمح إسرائيل حتى الآن للصليب الأحمر الدولي بزيارتهم للتأكد من أوضاعهم الصحية أو حتى من بقائهم على قيد الحياة.

ومن وجهة النظر اللبنانية، فإن إسرائيل هي التي لم تلتزم عملياً بالاتفاق، فيما التزم لبنان بوقف إطلاق النار طوال خمسة عشر شهراً من دون إطلاق رصاصة واحدة. بل إن الجيش اللبناني إنتشر في الجنوب، في حين واجه إنتشارَه عراقيل إسرائيلية.
وعليه، ترى بعبدا أن السؤال الإسرائيلي حول الجهة التي تضمن التزام حزب الله بأي اتفاق يجب أن يُقابل بسؤال مماثل: من يضمن التزام إسرائيل بتنفيذ أي اتفاق مستقبلي؟

حادثة الصاروخين والسياق الميداني
في شرحها لموقف لبنان، تذكر المصادر أيضاً أن خرق الاتفاق لم يصدر من الدولة اللبنانية، مشيرة إلى أن الاستثناء الوحيد كان في حادثة إطلاق صاروخين من قبل مجموعة مرتبطة بحركة حماس، التي جرى تعقبها وإعتقال أفرادها لاحقاً.
لكن الواقع تغيّر مع إطلاق حزب الله ستة صواريخ، وهي الخطوة التي تعتبر المصادر أنها أضعفت الموقف اللبناني التفاوضي. “فقبل هذه الحادثة، كانت بيد لبنان ورقة قوية تتمثل في إستمرار الاعتداءات الإسرائيلية رغم التزامه الكامل بوقف النار. غير أن إطلاق الصواريخ منح إسرائيل ذريعة إضافية للتشدد، وعزز موقفها بأن حزب الله لا يلتزم الاتفاق ولا يقبل تسليم السلاح.”

الموقف الاميركي
على المستوى الدبلوماسي اذاً، لم تتوقف الاتصالات. السفيرة اللبنانية في واشنطن تنشط في كل إتجاه وتبقي خطوط التواصل مفتوحة مع بعبدا. كما أن الرئيس عون يتواصل باستمرار مع السفير الأميركي في بيروت. في وقت لعب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دوراً في محاولة فتح ثغرة بين لبنان وإسرائيل تمهيدا للجلوس على طاولة التفاوض، عارضا أن تستضيف بلاده هذا التفاوض. إضافة إلى الدور القبرصي بحكم رئاسة قبرص الحالية للاتحاد الأوروبي، فضلاً عن المساعي المصرية.
غير أن هذه الجهود تصطدم بفتور أميركي واضح. وفي هذا الاطار،علمت “المدن” أن رئاسة الجمهورية أُبلغت أن واشنطن لا تعارض إجراء مفاوضات، لكن بدا واضحاً أنها لا تدعمها بحماسة. الرسالة الأميركية كانت واضحة: “إذا أردتم التفاوض فافعلوا ذلك، نحن نتابع، لن نعرقل، ولن نمنع”.

بالرغم من ذلك، يؤكد رئيس الجمهورية أنه ماضٍ في خيار التفاوض بوصفه الخيار الوحيد المتاح أمام لبنان. وقد طرح هذا التوجه في مباحثاته مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومع كل الوفود الدولية التي زارت بيروت في الفترة الأخيرة.
وتفيد المعلومات بأن إعداد أجندة الوفد التفاوضي اللبناني لا يزال جارياً. وبانتظار أن يسمي رئيس مجلس النواب نبيه بري من يمثل المكون الشيعي في فريق التفاوض، مع العلم أنه يربط ذلك بوقف إطلاق النار، وعلمت “المدن” أن الفريق يضم إلى الآن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد، الأمين العام لوزارة الخارجية عبد الستار عيسى، السفير السابق في موسكو شوقي أبو نصار، والدكتور بول سالم. كما أن بعبدا تعمل على وضع خطوط عريضة للملفات التي ستُطرح.

في كل الأحوال، تسعى بعبدا حالياً إلى التوصل إلى هدنة تسمح بإطلاق المسار التفاوضي، غير أن فاعلية أي هدنة تبقى رهناً باستعداد إسرائيل للانخراط الجدي في المفاوضات، وهو أمر لا تبدو تل أبيب مستعدة لتقديم التزام مسبق بشأنه، بعيداً من إستمرار أعمالها العدائية ولاسيما تنفيذها العملية البرية في الجنوب.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الرئيس عون الدفع نحو التفاوض، يظل السؤال المركزي مطروحاً: هل تريد إسرائيل فعلاً اتفاقاً جديداً مع لبنان، أم أن الأسئلة التي تطرحها ليست سوى وسيلة لكسب الوقت والإبقاء على هامش الحركة العسكرية مفتوحاً؟ الجواب تعكسه تطورات الميدان والأهداف التي رسمتها إسرائيل لحربها على لبنان.

اترك تعليق