لم تفضِ الوساطات حتّى الآن، بما في ذلك الاجتماع السرّيّ الذي عُقد بين “الحزب” والوفد الأمنيّ المصريّ في مكتب المدير العامّ للأمن العامّ اللواء حسن شقير، إلى أيّ نتيجة، وإن كان كثيرون يعوّلون على فتح هذا الاجتماع، وما سيليه، ثغرة أساسيّة في جدار الأزمة. من طهران وواشنطن وتل أبيب وصولاً إلى بيروت، الكلّ يحتكم إلى الميدان… و”بعدها نتكلّم”.
سَقط اقتراح التفاوض المباشر مع إسرائيل، ومبادرة الأربع نقاط الرئاسيّة، في اللحظة نفسها التي أطلق فيها رئيس الجمهوريّة جوزف عون نداء “الاستغاثة” أمام شاشة الاجتماع الافتراضيّ من بعبدا مع مسؤولين أوروبيّين ودوليّين، في التاسع من آذار. لم تكن أطراف الصراع كافّة في الداخل والخارج في وارد الدخول بـ”دردشات” جانبيّة بين لبنان وإسرائيل في لحظة مفصليّة حاسمة تعيد رسم وجه المنطقة برمَّتها، وتؤسّس لتوازنات دوليّة – إقليميّة جديدة.
وفق معلومات “أساس” سقط أيضاً اقتراح كان دخل على خطّه الرئيس نبيه برّي من خلال إعطاء موافقته على انتداب السفير سيمون كرم وحده لإجراء محادثات، من دون الدخول في تشكيلة أوسع من ضمنها العضو الشيعيّ، تأتي في سياق مرحلة “نقل أفكار” وجسّ نبض، وتمهّد لاحقاً لتفاوض بفريق أوسع لا يزال الثنائيّ الشيعيّ يرفض بالمطلق أن يكون مباشراً.
على الجبهة اللبنانيّة، تبدو إسرائيل كـ”الوحش الكاسر”، لا يعنيها وقف إطلاق النار، ولا أيّ تفاوض مهما كان شكله أو مستواه.
سربّت في الأيّام الماضية معطيات عن إعادة إحياء عمل لجنة “الميكانيزم”، فيما إسرائيل التي مسّحت الأرض بـ”هيبة” “الميكانيزم” في مرحلة ما بعد توقيع اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة عام 2024، لا تزال مصرّة على تحويلها إلى “شاهد صامت” على جرائمها.
سَقط اقتراح التفاوض المباشر مع إسرائيل، ومبادرة الأربع نقاط الرئاسيّة
آخِرة هذه الجرائم عدم إبلاغ العدوّ الإسرائيليّ “اللجنة” بضرورة انسحاب الجيش من نقطة العامريّة – القليلة، بعد تقدّمه البرّيّ في البيّاضة لجهة الناقورة، فتقصّدت إسرائيل إحداث مجزرة على حاجز الجيش في العامريّة، تماماً كما تستهدف قوات “اليونيفيل” بغية إبعادهم عن نطاق تقدّمها البرّيّ جنوب الليطاني، وتماماً كما أوقعت سابقاً أكثر من شهيد في صفوف الجيش.
في المفهوم العسكريّ يُشكّل ذلك إنذاراً تحذيريّاً وضاغطاً بأنّ كلّ نقطة يتقدّم فيها العدوّ يجدر بالجيش الانسحاب تلقائيّاً من النقطة التي تليها.
توسيع المنطقة العازلة
هنا تؤكّد المعطيات الميدانيّة أنّ السماعيّة القريبة من الحنّيّة، في القطاع الغربيّ، هي آخر نقطة يتمركز فيها الجيش قبل الوصول إلى مدينة صور، ولا يزال حتّى الآن يتمركز فيها. هذا مع العلم أنّ الجيش الإسرائيليّ استهدفها أمس بعدد من الغارات، وشهد الجنوب عموماً قصفاً مركّزاً وعنيفاً.
الجيش
الأمر المؤكّد أنّ التنسيق بحدّه الأدنى لا يزال قائماً في نادي “الميكانيزم”، ويشمل الدعوة الإسرائيليّة من وقت لآخر إلى إخلاء الجيش بعض المراكز (لا يُبلّغ في أحيان كثيرة)، إضافة إلى تأمين بعض الممرّات خلال تنقّل “اليونيفيل” والجيش، فيما توقّفت بالكامل المهامّ الموكلة إلى الجيش بتفتيش مواقع ومنازل المعروفة بـ RFA “request for action”.
“على هامش” التنسيق مع “الميكانيزم” ينفّذ العدوّ الإسرائيليّ أكبر عمليّة توسيع للمنطقة العازلة وقطع لكلّ الإمدادات لـ”الحزب” من الخطّين الغربيّ والشرقيّ، فيما كان لافتاً تحدُّث العدوّ أمس عن “السيطرة الأمنيّة (لا العسكريّة) على كامل المنطقة حتّى نهر الليطاني لمنع تهديدات الحزب”.
تبدو إسرائيل كـ”الوحش الكاسر”، لا يعنيها وقف إطلاق النار، ولا أيّ تفاوض مهما كان شكله أو مستواه
إخلاءات الجيش
حتّى الآن أخلى الجيش العديد من مراكزه، وبعض الإخلاءات وصلت إلى مسافة 15 كلم (نقطة القليلة مثلاً)، فيما تكون المسافة أقلّ في بلدات أخرى بحسب قربها من الحدود، كما في مرجعيون مثلاً. شملت آخر الإخلاءات كفرا، بيت ياحون، رميش، وعين إبل، وقبلها دبل وعلما الشعب، فيما لا يزال الجيش مثلاً متمركزاً في كفردونين.
هكذا بدا أنّ كل الاتصالات الرئاسية مع الفاتيكان، وزيارة السفير البابوي باولو بورجيا إلى القرى الحدودية المسيحية، ومن ثم تأكيد السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بأنّ الولايات المتحدة تلّقت التزاماً من إسرائيل بحماية هذه القرى، وطلبت من الجيش اللبناني البقاء فيها لمنع تسلّل عناصر “الحزب”… لم تمنع الضغط الذي يتعرّض له الجيش لإخلاء مراكزه تباعاً، كما حصل في رميش أمس، ولم توقف عمليات النزوح المحدودة حتى الآن لدى أبناء هذه القرى. وذلك بالتزامن مع طرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الاخلاءات تعني إقراراً بالتقدّم البري الذي يحقّقه العدو، ما يدفع الجيش تلقائياً إلى تنفيذ عمليات إعادة تموضع، حيث لا قدرة عسكرية ولا قرار سياسياً بالمواجهة.
وفق خبير عسكريّ تحدّث لـ”أساس”: “يُركّز الجيش الإسرائيليّ تقدّمه غرباً على خطّ البيّاضة – شمع – طيرحرفا، آخر الخطّ الغربيّ لجهة القوزح وبيت ليف. وفي القطاع الأوسط، تتركّز المعارك على عيناتا، بعد سيطرته على عيترون ومارون الراس. وبالتقدير العسكريّ، إذا تمكّن الإسرائيليّ من الاستيلاء على الطيري وبيت ياحون يستكمل تطويقه لبنت جبيل. أمّا لجهة القطاع الشرقيّ فالخيام يحكمها استاتيكو الاستنزاف من الجانبين، وربّما يرتبط وضعها بمدى تقدّم العدوّ باتّجاه وادي السلوقي، بعد سيطرته على الطيبة ومركبا وعدشيت، حيث يركّز بعدها مجدّداً على جبهة الخيام، مع العلم أنّ الجيش الإسرائيليّ يحاول قطع كلّ طرق الإمداد صوب القطاع الشرقيّ من جهة البقاع الغربيّ”.
تؤكّد المعطيات الميدانيّة أنّ السماعيّة القريبة من الحنّيّة، في القطاع الغربيّ، هي آخر نقطة يتمركز فيها الجيش قبل الوصول إلى مدينة صور
وفق تقديرات عسكريّة، وعلى الرغم من تكرار الإسرائيليّ تأكيده إقامة منطقة عازلة حتّى نهر الليطاني ونفي نيّته العودة إلى “الحزام الأمنيّ”، الأرجح أن يكرّر تجربة سيطرته على الشريط الأمنيّ القديم الذي سقط عام 2000، وهو ما يعني خطّ الناقورة-البيّاضة، صعوداً يميناً صوب شمع وجبال البطم، بنت جبيل-عيناتا-بيت ياحون-عيترون، صعوداً أيضاً صوب مركبا وحولا والعديسة وكفركلا، وكلّ المواقع الأماميّة الحدوديّة التي يسيطر عليها راهناً. وهذا يعني دفع الجيش و”اليونيفيل” إلى الانسحاب تماماً من بقعة عمله.
















