الجيش: الإخلاءات منعاً للحصار والاستهداف

في ظل تأكيد الإسرائيلي توجّهه لإقامة شريط أمني واسع حتى نهر الليطاني يُهدّد، كما قال، عودة نحو 600 ألف جنوبي (وفقاً للرواية الإسرائيلية) إلى قراهم، ويؤسّس لستاتيكو عسكري طويل الأمد، يعكس الميدان من بيروت إلى طهران حماوة أكثر بكثير من مسار الوساطات والاتصالات غير المُثمِرة حتى الآن. ومن نتائجها شبه المؤكّدة فصل البقاع الغربي تماماً عن الجنوب، وجنوب نهر الليطاني عن شماله، وتفريغ قرى بأكملها، ونسفها، بعمق قد يصل إلى عشرة كلم، و”تهجير” الجيش اللبناني من الجنوب!

في الرابع من آذار، بعد يومين من تدشين الحزب” إطلاق صواريخه باتجاه الأراضي المحتلّة، أصدرت قيادة الجيش بياناً أكدت فيه “متابعتها لتنفيذ القرارات السياسية بما يراعي المصلحة الوطنية العليا”، مُعلِنة للمرّة الأولى منذ بدء الحرب عن تنفيذ وحداتها العسكرية “إعادة تموضع لبعض النقاط الحدودية ضمن قطاعات المسؤولية المحدّدة لها في ظل الإمكانات المحدودة المتوافرة”.

لم يكن المقصود طبعاً بـ”القرارات السياسية” الصادرة عن الحكومة للتصدّي للعدو الإسرائيلي، بل على العكس تماماً، وكما أبرزت مداولات الحكومة في الثاني من آذار، طُلب من الجيش الانسحاب من المواقع التي يتقدّم الجيش الإسرائيلي باتجاهها، وفي الوقت نفسه تطبيق خطة حصر السلاح شمال الليطاني.

بالتالي، فإنّ كل مهام الإخلاء أوعمليات إعادة التموضع التي ينفّذها الجيش منذ بدء الحرب، تحصل في القرى الشيعية كما المسيحية، منعاً للمُحاصَرة وقطع الإمدادات العسكرية وتجنّباً للاستهداف المباشر. كما تأتي تحت غطاء السقف الحكومي، وبالتنسيق مباشرة مع رئيس الجمهورية.
تقول جهات سياسية بارزة: هذا المشهد سيكون مؤذياً كثيراً، ونتائجه كارثية، أكثر بكثير من عمليات الإخلاء في البلدات الحدودية الجنوبية

الجيش يُواجِه الحصار

أتى بيان الجيش أمس، عقب عمليات الإخلاء الأخيرة في الطيري وبرعشيت ورميش وعين إبل، ليكرّس هذا المنحى من خلال التأكيد على “تنفيذ الجيش عملية إعادة تموضع وانتشار شملت عدداً من هذه الوحدات، وذلك نتيجة تصعيد العدوان الإسرائيلي على لبنان، ولا سيّما في المناطق التي تشهد توغّلاً معادياً في محيط البلدات الحدودية الجنوبية، ما يؤدي إلى محاصرة وحدات الجيش المنتشرة، وعزلها، وقطع خطوط إمدادها”.

كما أشار البيان إلى “مواصلة القيادة الوقوف إلى جانب الأهالي وفق الإمكانات المتاحة، من خلال الإبقاء على مجموعة من العسكريين في تلك البلدات”، حيث عَلم “أساس” أنّ مجموعات من الجيش لا تزال موجودة في كافة مناطق الإخلاء، حيث يوجد سكان، للمساعدة في عمليات الإغاثة، وتوزيع المساعدات الممنوحة من جهات دولية.

اسرائيل والجيش وجهاً لوجه!

يؤكّد مصدر عسكري لـ”أساس”: “أي منطقة يتقدّم فيها الجيش الإسرائيلي تحصل فيها عملية إخلاء، أو إعادة تموضع، منعاً للمحاصرة وقطع الإمدادات العسكرية والاستهداف المباشر، وآخرها في بلدة القليلة. بالمنطق العسكري، وبحكم توازن القوى، الوقوف بوجه الإسرائيلي بمثابة انتحار. وحتى لو لم يحصل استهداف مباشر أو حصار، فكيف يمكن تخيّل تواجد الجيش والعدو الإسرائيلي معاً في ساحة أية ضيعة جنوبية”؟

تقول جهات سياسية بارزة: “هذا المشهد سيكون مؤذياً كثيراً، ونتائجه كارثية، أكثر بكثير من عمليات الإخلاء في البلدات الحدودية الجنوبية، بغض النظر عن هويتها الطائفية. في ظل هذا الوضع المأساوي، كل الخيارات سيئة، لكن يتمّ الركون إلى الأقلّ سوءاً”. تلفت الجهات إلى أنّ “تعرّض الجيش لضربة قاضية، سيمنعه في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب من القيام بمهامٍ أساسية لجهة ضبط الأرض التي تغلي احتقاناً وتحريضاً متبادلاً، والحفاظ على السلم الأهلي ومنع التصادم الداخلي ووقوع الفتنة، إضافة إلى المهام الأساسية الأخرى التي يضطلع بها لجهة حماية الحدود الشرقية، وحماية أمن مراكز إيواء النازحين، والحفاظ على الأمن والاستقرار”.
يوضح المصدر العسكري بأنّ قطع الإمدادات عن الجيش ومحاصرته يختلفان عن قطع الإمداد عن المدنيين، في أي منطقة

في السياق نفسه، يوضح المصدر العسكري بأنّ “قطع الإمدادات عن الجيش ومحاصرته يختلفان عن قطع الإمداد عن المدنيين، في أي منطقة، بحيث تختلف الاحتياجات للطرفين. المدنيون يحتاجون إلى إمدادات غذائية وطبية تؤّمن عبر ممرّات إنسانية، وهي لا تزال مؤمّنة في البلدات المعنية التي تصل إليها إعانات من منظمات دولية بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية واليونيفيل. لكن الجيش بحاجة إلى صيانة آليات، وتأمين معدّات عسكرية أساسية وذخيرة، وتأمين الغذاء لجنوده، وإجراء عمليات تبديل في الخدمة، وأمور لوجستية أخرى، فيما تشهد الوقائع اليومية حصول عمليات استهداف مباشرة لجنوده، واستهداف حواجز، وحصار لتحرّكاته، ما يجعل خيار البقاء في البقعة المحاصرة نفسها، غير منطقي ولا يستقيم مع العلم العسكري، ويعرّض الجيش لخسائر حتمية”.

مصير الخطة

في جلسة 2 آذار نفسها، وضمن سياق البيان الذي أعلنه رئيس الحكومة نواف سلام شخصياً، طُلب من الجيش “المباشرة فوراً وبحزم، تنفيذ الخطة التي عرضتها في جلسة مجلس الوزراء في 16 شباط في الشق المتعلّق بحصر السلاح شمال نهر الليطاني، باستعمال جميع الوسائل التي من شأنها تنفيذ هذه الخطة”.

بعد أيام قليلة من بدء الحرب، أصدر الجيش بيانه الأول الذي كشف فيه عن توقيف 26 لبنانياً وفلسطيني واحد لحيازتهم أسلحة وذخائر غير قانونية”، فيما يؤكد المصدر العسكري لـ”أساس” أنّ الجيش ينفّذ المهام المطلوبة منه بضبط السلاح “غير الشرعي وغير المرخّص” في كافة المناطق اللبنانية، لكن جنوب الليطاني اليوم، كما شماله، وجزء من جنوب الزهراني، هي مناطق حرب وخالية من السكان.

وبالفعل، تحت عنوان “تدابير أمنية استثنائية” أصدر الجيش بياناً ثانياً أمس أعلن فيه توقيف 19 لبنانياً وفلسطينياً واحداً، لارتكابهم جرائم مختلفة منها حيازة أسلحة وذخائر حربية وإطلاق النار. وضبطت كمية من الأسلحة، بالإضافة إلى أعتدة عسكرية”.

يضيف المصدر: “يوم الثلاثاء نفّذناً يوماً أمنياً في كافة المناطق شَمَل ضبط كل أنواع المخالفات، فيما لا يزال الجيش ينفّذ أوامر السلطة السياسية بما يراعي الظروف على الأرض، لجهة تطبيق خطة حصر السلاح، وهناك المزيد من الموقوفين في كافة المناطق”.
يؤكّد مصدر عسكري لـ”أساس”: أي منطقة يتقدّم فيها الجيش الإسرائيلي تحصل فيها عملية إخلاء، أو إعادة تموضع، منعاً للمحاصرة

شهداء الجيش

حتى الآن، نتيجة الاستهداف المباشر للوحدات العسكرية في المناطق، استشهد عشرة جنود من الجيش اللبناني، ثلاثة منهم نتيجة القصف الإسرائيلي خلال الإنزال الذي نفّذه العدو في منطقة الخريبة-بعلبك، فيما استشهد الآخرون بغارات إسرائيلية استهدفتهم مباشرة في قعقية الجسر-النبطية، وطريق زبدين قعقية الجسر-الدوير، ودير الزهراني، وكفرتبنيت، وحاجز الجيش في العامرية-صور.

اترك تعليق