يقف لبنان على عتبة مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ليطل على محطة جديدة، في ظل حرب مفتوحة وضغط ميداني وسياسي متزامن، على الرغم من إصرار السلطة اللبنانية على وقف إطلاق النار قبل بدء المفاوضات، وهو ما يُفترض أن يكون هدف الاجتماع التحضيري يوم الثلاثاء.
من الهدنة إلى إدارة النزاع
هذه الخطوة لا تخرج فعليًا عن المسار التاريخي الذي حكم ملف الحدود اللبنانية الجنوبية منذ احتلال إسرائيل لفلسطين عام 1949 واتفاقية الهدنة، التي وُقّعت في عهد رئيس الجمهورية بشارة الخوري، ورئيس الحكومة رياض الصلح.
آنذاك تم التوقيع في الناقورة برعاية الأمم المتحدة، وترأس الوفد اللبناني حينها ضباط من الجيش اللبناني، وكان أبرزهم العقيد أنطوان مراد، وأفضى هذا المسار لتأسيس آلية ضبط اشتباك، عبر خطوط فصل ولجان مشتركة. حينها كان التفاوض محصورًا بإدارة النزاع، ولم يتحول إلى مسار سياسي مستقر، بل بقي أداة ظرفية تُستخدم عند الحاجة.
هذا النمط استمر لعقود، حتى مع التحولات الكبرى. بعد اجتياح 1978، جاء القرار 425 ليؤسس لإطار دولي يدعو إلى الانسحاب الإسرائيلي وينشئ قوات الطوارئ الدولية، لكنه لم يفتح مسارًا تفاوضيًا مباشرًا. في العام 1982، ومع الاجتياح الإسرائيلي الواسع، دخل الطرفان في مفاوضات مباشرة انتهت باتفاق 17 أيار 1983، قاد هذه المفاوضات عن الجانب اللبناني الرئيسين أمين الجميل وشفيق الوزان، بمشاركة عسكرية من أنطوان فتّال وميشال عون، مقابل وفد إسرائيلي بإشراف مناحيم بيغن ويتسحاق شامير، وبرعاية أميركية مباشرة قادها المبعوث فيليب حبيب. هذه المفاوضات تضمّنت إنهاء حالة الحرب وترتيبات أمنية مفصلة. إلا أن هذا الاتفاق سقط سريعًا تحت ضغط داخلي وإقليمي، ليعيد تثبيت قاعدة أن أي محاولة للانتقال إلى تسوية سياسية شاملة تصطدم ببنية النظام اللبناني وبالبيئة الإقليمية.
في التسعينيات، عاد التفاوض بصيغة مختلفة. حمل عنوان “تفاهم نيسان 1996″، استطاع رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري انتزاعه من إسرائيل بعد ارتكابها مجزرة قانا. لم يكن اتفاقًا سياسيًا، بل تفاهمًا على قواعد الاشتباك، ركّز على حماية المدنيين ومنع استهدافهم، وأنشأ آلية مراقبة خماسية. هنا، تكرّس نموذج جديد، تفاوض يهدف إلى خفض العنف، وإدارة النزاع.
من 1701 إلى الاتفاق البحري
بعد حرب تموز 2006، جاء القرار 1701 ليكرّس هذا النهج. القرار وضع إطار “وقف الأعمال العدائية”، مع انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني وتعزيز دور قوات اليونيفيل، وإنشاء آلية تنسيق ثلاثية في الناقورة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي برعاية الأمم المتحدة. هذه الآلية، التي لا تُصنّف كمفاوضات سياسية، أصبحت القناة الأكثر استمرارية بين الطرفين، تُستخدم لإدارة التوتر ومنع التصعيد، من دون أن تفتح الباب أمام تسوية شاملة.
لاحقًا، بقي التفاوض محصورًا بهذه الصيغ، إلى أن فرض ملف الطاقة نفسه. مع اكتشافات الغاز في شرق المتوسط، تحوّل النزاع إلى البحر، حيث أصبح قابلاً للمعالجة التقنية. بين عامي 2020 و2022، دخل لبنان وإسرائيل في مفاوضات غير مباشرة برعاية أميركية، قادها عن لبنان الرئيسين ميشال عون ونجيب ميقاتي، مع العلم أن المؤثر الأساسي فيها كان رئيس مجلس النواب نبيه بري، مقابل وفد إسرائيلي بإشراف رئيس الحكومة يائير لابيد، وبرعاية ووساطة أميركية أساسية قادها المبعوث آموس هوكشتاين. انتهت هذه المفاوضات باتفاق ترسيم الحدود البحرية. هذا الاتفاق، الذي أُنجز عبر “تبادل رسائل”، شكّل سابقة لأنه أول تفاهم مكتوب منذ 1949، لكنه بقي محصورًا بالشق الاقتصادي، ولم يمسّ بالحدود البرية أو بالاعتراف السياسي.
بعد حرب إسناد غزة في العام 2024، لم يتغيّر قرار مجلس الأمن 1701، بل جرى العمل على تطوير آلية تطبيقه عبر ما سُمّي عمليًا “1701 بلس”، أي إدخال ميكانيزم متابعة بإشراف أميركي – فرنسي- أممي لتثبيت وقف الأعمال العدائية. هذا المسار كان نتاج مفاوضات غير مباشرة تولّاها رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بوساطة المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين. عمليًا، أُضيفت قناة متابعة يومية، من دون الانتقال إلى اتفاق سياسي أو أمني شامل. لكن هذه الصيغة لم تُحترم، إسرائيل أبقت على حرية حركتها العسكرية دون الرجوع الى الميكانيزم في أغلب الأوقات، واستمرت في الخروقات واحتفظت بنقاط وأراضٍ محتلة، فيما لم يل



















