مؤشرات تأجيل الانتخابات تتزايد!

بالتوازي مع الملف الأمني، تحظى الانتخابات النيابية المقبلة بأهمية بالغة في الشارع اللبناني. صحيح أنها ليست الملف الأول الذي يؤرق بال المواطنين؛ إذ يتصدر تفكير المواطن اللبناني والقوى السياسية، وفي طليعتها حركة أمل وحزب الله، أمن الجنوب والقلق من عودة التصعيد الإسرائيلي، الذي بات لا يحتاج إلى مؤشرات، بدليل التصريحات الإسرائيلية.

تواجه انتخابات أيار 2026 خيارات محدودة، بين التأجيل التقني القصير الأمد، أو التأجيل طويل الأمد، أو إجرائها في الوقت المحدد، فلا خيار رابع متاح. أما موضوع تصويت اللبنانيين من الخارج، فقد بات شبه محسوم؛ إذ لن يُصوَّت للـ 128 نائبًا من الخارج على نحوٍ كامل، لكنه قد يثير جدلاً وأخذًا وردًا بين القوى السياسية. علماً أن أعداد المسجلين في الخارج وتوزيعهم الطائفي يحملان دلالات واضحة على إمكانية تبدل المزاج العام؛ إذ ارتفع عدد الشيعة من المغتربين المسجلين، مقابل تراجع عدد الموارنة. فهل ستعود القوات اللبنانية عن إصرارها؟ وكيف ينظر الثنائي اليوم إلى المسألة، في ظل الارتباك لما ستؤول إليه الأوضاع مع إسرائيل؟

بين الثنائي والقوات

تجزم مصادر سياسية من الثنائي الشيعي لـِ”المدن”: أن “لا تأجيل للانتخابات، ولن نسمح بذلك، إلا إذا حصلت ظروف أمنية قاهرة مرتبطة بأي تصعيد إسرائيلي على الجنوب خصوصًا ولبنان عمومًا. ومع ذلك، وحتى هذه اللحظة، التأجيل ليس وارداً”.

ولكن، ماذا بعد القانون المحول من الحكومة إلى البرلمان، والذي أصبح في اللجان؟ هل سيتسبب باشتباك سياسي قريب مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي؟

تبدو القوات اللبنانية، رأس حربة المطالبين بتعديل قانون الانتخابات، يسير معها الكتائب والتغييريون وعدد كبير من النواب، وتخوض هذه المعركة باعتبارها معركة قانونية بحتة بالنسبة إليهم. يقول عضو كتلة الجمهورية القوية رازي الحاج في حديث إلى “المدن”: إن “الحكومة هي السلطة التنفيذية المعنية مباشرة بإجراء الانتخابات، وقد قالت صراحة إن هناك مواداً لا يمكن تنفيذها، في إشارة إلى الدائرة السادسة عشرة، وحولت قانونًا إلى مجلس النواب يحتوي على تعديل يتيح للمغتربين التصويت للمئة وثمانية وعشرين نائبًا من الخارج”.

وبالتالي، فإن “من واجب بري وضع هذا القانون على جدول أعمال الهيئة العامة للتصويت عليه بعد انتهاء مناقشته في اللجان. وحتى لو موطلَ به في اللجان، هناك وقت محدد لا يمكن تجاوزه، وإلا سيكون ذلك انقلابًا على الدستور وتعطيل سلطة لعمل سلطة أخرى. وسنواجه هذا التعطيل بكل الوسائل المتاحة، وكذلك أي محاولة لتأجيل الانتخابات. فالانتخابات ستجري في موعدها، إلا إذا توسعت الحرب، لا سمح الله، وازداد الوضع الأمني صعوبة؛ عندها القرار يكون للحكومة، وفق الحاجة. باستثناء ذلك، لا يحق لبري تجاهل ما قالته الحكومة أو رأي الأكثرية النيابية، ولن تكون هناك أي ذريعة تسمح بتطيير الانتخابات”.

مواقف متباعدة

كلام يرفضه عضو كتلة التنمية والتحرير النائب قاسم هاشم، ويقول في حديث لـِ “المدن”: لم يكن موضوع قانون الانتخابات يومًا مسألة غلبة فريق على آخر أو أكثرية وأقلية، ولا اشتباكًا سياسيًا. قانون الانتخابات من المسائل الدستورية التي تحتاج إلى توافق، لا إلى غلبة فريق على آخر”. ويضيف هاشم: “القانون النافذ الآن يتضمن وجود الدائرة السادسة عشرة، وإذا عجزت الحكومة، سيكون التصويت كما كان سابقًا، من لبنان فقط، ولن يكون للمئة وثمانية وعشرين نائبًا من الخارج “.

أما بالنسبة للقانون الموجود في اللجان والمرسل من الحكومة، يقول هاشم: “الرئيس بري يعرف جيدًا الأصول الدستورية وطريقة التعامل معها، لكن بعض الأطراف عليها أن تدرك أن هناك مسائل لا تحل بالعرائض أو بغلبة فريق على آخر؛ هذه مسائل دستورية تحتاج إلى توافق. هكذا يتعامل الثنائي دائمًا، ويجب أن يتعامل بقية الأفرقاء بالمثل. وربطًا بموضوع إمكانية تأجيل أو تطيير الانتخابات، يقول هاشم: لا تأجيل ولا تطيير، إلا إذا ساءت الأمور بسبب العدوان الإسرائيلي؛ عندها ستعمل الدولة ما تراه مناسبًا، مع ضرورة مراعاة أحوال جميع المواطنين اللبنانيين والظروف التي يعيشونها”.

نيّة مبيتة؟

وعليه، فقد بات من الواضح أنه بالرغم من إصرار الأفرقاء كافة على إجراء الانتخابات، يُلاحظ بوضوح وجود تباعد كبير في وجهات النظر وتقاذفًا للمسؤوليات. وقد يكون باطنيًا هناك رغبة لدى البعض في تأجيل الانتخابات ريثما تتضح الصورة العامة في البلاد. ومع ذلك، تؤكد معلومات “المدن” أن جميع القوى السياسية الكبرى حضّرت لجانها الانتخابية وبدأت بالتجهيز للمعركة الكبيرة، وشرعت بالتواصل مع المواطنين ومواجهة كل السيناريوهات الممكنة.

حتى القوى المعارضة لتصويت المغتربين من الداخل أو وفق الدائرة السادسة عشرة وضعت السيناريو “ب” لنقل الناخبين المغتربين إلى لبنان للتصويت وإمكانية حصول خرق معين. كذلك، يدرس الثنائي هذه المسألة، مع التركيز على نقل المواطنين الذين يصوتون في دوائر حساسة لتدارك أي خرق محتمل.

أرقام وتصويت المغتربين

وفق الأرقام الرسمية، تأتي أوروبا في المركز الأول في أعداد المسجلين بـِ 56,133، وأمريكا اللاتينية بـِ 3,288، في حين أنَّ المنطقة الشمالية، التي تضم الولايات المتحدة الأميركية وكندا، سجل فيها 34,969. علماً أن الأرقام تراجعت مقارنة بما كانت عليه قبل أربع سنوات.

يلاحظ أن أعداد الشيعة تزايدت، في حين تراجع عدد الموارنة، إلا أن أعلى نسبة تسجيل في الخارج بقيت للمسيحيين. هذا التراجع مرده إلى انخفاض حالة الحماسة التي مثلتها حركات 17 تشرين في حينه؛ إذ حصد المجتمع المدني نحو 34,000 صوت من الخارج، أي أكثر من حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر، بما يقارب عشرة آلاف صوت. ومع تراجع الحراك، انخفضت الحماسة، يضاف إلى ذلك الجدل القائم أصلًا حول إمكانية التصويت من الخارج.

سيناريو الانتخابات المستقبلية

في المحصلة، لا تأجيل للانتخابات، إلا إذا تصاعد العدوان الإسرائيلي. ولا يخفى على أحد أن التصعيد يبدو لا مفرّ منه، مع فشل كل المحاولات الدبلوماسية. أما إذا كان التصعيد لأيام وانتهى سريعًا، فلا خوف على الانتخابات، التي تعلن جميع القوى السياسية رفض تأجيلها.

إلا أن المعركة تدور حول قانون الانتخابات، وفي لبنان لا تحسم الأمور إلا مع صافرة صناديق الاقتراع النهائية، التي لن تغيّر كثيرًا في المشهد، خصوصًا بالنسبة للقوى الأساسية، مع إمكانية تغيّر توازنات المجلس ولو قليلًا. ولكن تبقى العين على الحدود وجنون بنيامين نتنياهو؛ والخشية من عدوان قريب يطيح بالانتخابات ويؤجج المواجهة الداخلية.

اترك تعليق