تبقى إيران في صدارة المشهد الإقليمي وأحداثه. فهي نقطة الارتكاز لما سيجري في المنطقة. وأي تطور هناك، سينعكس على أوضاع الدول المجاورة، وسيؤدي إلى تغيير التحالفات في المنطقة، وكل موازين القوى. كل هذه الحسابات المتداخلة هي موضع بحث بين المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين، كما أن عدم وجود رؤية واضحة لما يمكن أن يحصل هو أحد الأسباب الأساسية التي ساهمت في تأجيل الضربة الأميركية بعد أن كان القرار قد اتخذ. دراسة كل الخيارات والاحتمالات أمر مستمر بين الأميركيين والإسرائيليين ودول إقليمية وعربية لدراسة أي أثر لما سينتج عن الدخول في حرب ضد إيران أو سقوط النظام فيها أو الولوج إلى مرحلة من الفوضى.
حلفٌ مع إسرائيل؟
في الخلاصة، أنه لا مصلحة لأحد في تحول إيران إلى نقطة متأزمة أو ساحة استعصاء يستمر فيها عدم الاستقرار، وتتواصل التظاهرات التي قد تتحول إلى مواجهات أو اشتباكات أمنية وعسكرية، فهذه ستسهم في فرز اجتماعي وسياسي داخلي على أسس قومية وعرقية من شأن شظاياها أن تتطاير على المنطقة ككل. المسألة الأخرى الأكثر أهمية بالنسبة إلى دول المنطقة، تتعلق بالبحث عن إجابات على أسئلة كثيرة أبرزها، عن التحول الذي سينجم عن سقوط النظام الحالي ووصول نظام جديد يمكنه ان يذهب إلى تحالف مع إسرائيل، فذلك سيؤدي إلى تغيير كل موازين القوى في المنطقة، وهو يعني التلاقي بين قوتين أساسيتين لن يتمكن أحد من الوقوف بوجهه، ما سيهدد دول الخليج، مصر، وتركيا، وكذلك باكستان.
.. وتحالف دفاعي
كل هذه الدول لديها تحالفات استراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية، وهي تبحث في ما بينها كيفية الانتقال إلى تشكيل نوع من تحالف عسكري دفاعي للتصدي للسعي الإسرائيلي نحو التفوق على الجميع وجعل تل أبيب صاحبة الكلمة الأولى والوحيدة في المنطقة. هذه الدول تسعى للتواصل مع الولايات المتحدة الأميركية للوصول إلى تفاهمات حول تحقيق التغيير السياسي أو من داخل النظام في إيران من دون الوصول إلى نقطة تغيير موازين القوى الإقليمية.
الحفاظ على الدولة
بناء على كل هذه القراءات والتقديرات، يبقى التصور الأوضح أن الوضع في إيران أصبح يتجاوز مسألة الصواريخ البالستية أو النووي، ولا حتى وضعها ونفوذها الإقليمي مع حلفائها، خصوصاً أن الأميركيين يعتبرون أن نفوذ إيران الإقليمي قد تضعضع وتراجع بسبب الضربات التي تلقتها مع حلفائها، إنما التركيز يبقى حول كيفية الحفاظ على الدولة في إيران ومنع تشظيها أو دخولها في حالة من الفوضى أو العنف، وهذا أساس ما يركز عليه الأميركيون الذين يمارسون ضغوطاً قصوى على النظام الإيراني لدفعه إلى تقديم التنازلات المطلوبة والرضوخ للشروط.
مسار متدرج
بالنسبة إلى القوى الدولية المختلفة، فالأكيد أن التغيير في إيران سيحصل، ولكن من دون تصور واضح حول كيفية حصوله، إن كان تغييراً من داخل النظام، او تعديلات على موازين القوى السياسية في الداخل ومراكز القرار ما يتيح للإصلاحيين الاتجاه نحو التفاوض والتفاهم مع واشنطن، أم أن التغيير سيحصل من خلال توجيه ضربة عسكرية خارجية، أو تغيير البنية السياسية ككل. لكن ما تجمع عليه قوى متعددة، هو أن الأفضل حصول التغيير وفق مسار هادئ ومتدرج وغير دراماتيكي، على قاعدة تواصل مستمر مع الولايات المتحدة الأميركية. وهنا يقول ديبلوماسيون إنه لن يكون من مصلحة أي طرف أن تتحول إيران إلى ساحة مستعصية لذا تضافرت الجهود من جهات متعددة داخل إيران ومن بنية النظام بالإضافة إلى القوى الإقليمية والدولية لتفاديه والبحث عن تغيير سلس ومتدرج.
الحزب والتخلي عن السلاح
هذا المتغير الإقليمي هو الذي يفرض نفسه على وقائع المنطقة. فانطلاقاً من التفاوض مع إيران، هناك من يطرح مسألة الوصول إلى تفاهم مع طهران حول معالجة الملفات الإقليمية المتعلقة بحلفائها وخصوصاً حزب الله. وذلك لا ينفصل عن المساعي الدولية والإقليمية التي تشهدها الساحة اللبنانية، انطلاقاً من عودة تحرك المجموعة الخماسية المعنية بلبنان، والتي تبحث عن سبل استكمال خطة الجيش حول حصر السلاح بيد الدولة والانتقال إلى منطقة شمال الليطاني، بالإضافة إلى البحث عن صيغة تسوية سياسية شاملة. وهنا يعتبر ديبلوماسيون أنه لا بد للبنان أن يتجه نحو تسوية فعلية يشارك فيها حزب الله، مقابل تخليه عن فكرة السلاح والانتقال إلى مرحلة جديدة.
المسار بدأ
جزء من المفاوضات التي حصلت مع الحزب كان الجواب عليها هو المطالبة بالضمانات التي لم يتنازل عنها حتى الآن، وهي وقف الاعتداءات وعمليات الاغتيال والتصفية، الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، ضمان عودة المهجرين، وإعادة إعمار القرى، بعد ذلك يبدي الحزب الاستعداد للتفاوض حول الاستراتيجية الدفاعية وكيفية حصر السلاح بيد الدولة. جزء من التساؤلات التي يطرحها الديبلوماسيون يتعلق بكيفية إقناع الحزب بالانتقال إلى المرحلة السياسية الصرفة والتخلي عن فكرة السلاح. هنا تطرح أفكار عديدة مجدداً، بعضها يتعلق بأن تكون التسوية تحت سقف الطائف لحماية كل المكونات ولحماية لبنان من أي فكرة تقسيم أو خلاف أو صراع على الصلاحيات ومواقع النفوذ ضمن بنية النظام اللبناني، في حين أنَّ جهات أخرى تطرح فكرة إدخال تعديلات على الطائف وعلى كيفية توزيع التحاصص في المواقع الأساسية في الدولة، بناء على موازين القوى الداخلية. صحيح أن مثل هذا النقاش سيحتاج إلى وقت طويل، وتجاذبات كثيرة وينتظر ما ستفرزه تطورات الوضع في المنطقة، إلا أن مساره قد فتح.
















