مجزرة الضرائب: الفقراء يموّلون أجورهم

تعاني هذه الحكومة من عطب مركزي يتيح لها استنساخ عقل «السنيورية» من دون أي معوقات. هو عقل محاسبي يقوم على تصحيح في المؤشّرات المالية بمعزل عن أي تصوّر اجتماعي واقتصادي، ما يسمح بزيادة ضرائب الاستهلاك في جلسة واحدة، ومن دون أن يعرض على الوزراء أي ملف، بل تُقدّم لهم أثناء انعقاد الجلسة، بضع صفحات كتبت فيها سيناريوهات «سريعة» ومختصرة عن الكلفة المالية وأدوات تغطيتها. أما النقاشات التي سادت أول من أمس، فقد كانت كارثية بشكل عام، سواء من الذين وافقوا أو عارضوا أو تحفّظوا، إذ لم يجرؤ أي منهم على تذكير رئيسي الحكومة والجمهورية بالالتزامات الواردة في خطاب القسم والبيان الوزاري عن «الإصلاح» و«العدالة الاجتماعية». عملياً، لعب المجتمعون، دوراً حاسماً في ارتكاب مجزرة ضرائب روّجوا بأنها لن تطال الفقراء والطبقات المتوسطة وما دون، بينما يقول الخبراء إن هؤلاء هم أكثر من ستطالهم

تعاني هذه الحكومة من عطب مركزي يتيح لها استنساخ عقل «السنيورية» من دون أي معوقات. هو عقل المحاسب القائم على تصحيح في المؤشّرات المالية بمعزل عن أي تصوّر اجتماعي واقتصادي، ما يسمح بزيادة ضرائب الاستهلاك في جلسة واحدة، ومن دون أن يعرض على الوزراء أي ملف، بل تُقدّم لهم أثناء انعقاد الجلسة، صفحات قليلة كتبت فيها سيناريوهات «سريعة» ومختصرة عن الكلفة المالية وأدوات تغطيتها.

أما النقاشات التي سادت الجلسة، فكانت كارثية بشكل عام، سواء من الذين وافقوا أو عارضوا أو تحفّظوا، إذ لم يجرؤ أي منهم على تذكير رئيسي الحكومة والجمهورية بالالتزامات الواردة في خطاب القسم والبيان الوزاري عن «الإصلاح والعدالة الاجتماعية». عملياً، لعب المجتمعون، دوراً حاسماً في ارتكاب مجزرة ضرائب روّجوا بأنها لن تطال الفقراء والطبقات.

«قرارات الحكومة تعبّر عن إمعان في النهج المتوارث غير الإصلاحي… الفقراء سيموّلون التصحيح الملتبس لأجور وتعويضات الفئات الأخرى الفقيرة وما دون المتوسطة».

بهذه العبارة يختصر الخبير الاقتصادي كمال حمدان مشهد إقرار الحكومة زيادة بقيمة 320 ألف ليرة على استهلاك كل صفيحة بنزين، أو ما يساوي زيادة 30% على سعر الصفيحة، وبمعدل 1% إضافي على ضريبة القيمة المضافة (TVA) لتصبح 12%، إضافة إلى رسم بقيمة 50 دولاراً على كل مستوعب (كونتينر) من قياس 20 قدماً وبقيمة 80 دولاراً على المستوعب من قياس 40 قدماً. وينطبق قوله أيضاً على مواصلة الحكومة عملية الترقيع التي انطلقت قبل سنوات، عندما زيدت أجور القطاع العام بتعويضات مؤقتة مختلفة لا تختلف عما أقرّته أمس من «تعويض مؤقت» يوازي 6 أضعاف راتب أساس لا يدخل في احتساب تعويضات نهاية الخدمة للموظفين.

ما حصل سبق أن تكرر في سنوات ماضية، حين قرّرت الحكومة استبدال الإجراءات الإصلاحية بإجراءات ذات مفعول سهل التطبيق وفوري على الإيرادات. يومها، استمعت الى صندوق النقد الدولي، وكان الحل برفع الدعم عن البنزين وفرض زيادة على استهلاكه، سواء في 2004 أو في السنوات التالية وصولاً إلى حزيران 2025، حين عرض وزير المال ياسين جابر اقتراحاً على المجلس يقضي بزيادة ضريبة البنزين من أجل تمويل رواتب إضافية للعسكريين والمتقاعدين، علماً أن هذه الزيادة الضريبية سقطت في تموز من السنة نفسها بعد الطعن بها باعتبارها خطوة غير دستورية.
سيناريوهات وزير المال

حصلت «الأخبار» على الاقتراح الذي عرضه وزير المالية في الجلسة وفيه يعرض سيناريوهين:
الاول: دفع6 رواتب إضافية للعسكريين والمتقاعدين بكل شرائحهم و4 رواتب للموظفين المدنيين في الخدمة، بكلفة 559 مليون دولار للرواتب و98 مليون دولار للتعويضات العائلية و64 مليون دولار لمنح التعليم.
الثاني: دفع 6 رواتب إضافية للجميع بكلفة إجمالية تبلغ 618 مليون دولار وكلفة تعويضات عائلية تبلغ 98 مليون دولار و64 مليون دولار لمنح التعليم.

وأضاف جابر ملاحظة بأن هذه الكلفة تستثني أي توظيف إضافي، وأنه من دون إجراءات تغطية مالية فإن هذه الخيارات سترهق الخزينة العامة وقد تقلب الفائض الأولي المالي المحقق إلى عجز مالي وتهدّد أي برنامج محتمل مع صندوق النقد الدولي. كذلك أشار إلى أن كلفة تعيين 1600 أستاذ في الجامعة اللبنانية تبلغ 38 ألف دولار سنوياً على الأستاذ الواحد (60.8 مليون دولار).
لكن جابر، اقترح خيارات تمويلية على النحو الآتي:
– زيادة على ضريبة القيمة المضافة (TVA) بمعدل 2%.
– زيادة رسم استهلاك البنزين بقيمة 15 ألف ليرة على الليتر الواحد أو ما يعادل 300 ألف ليرة على كل صفيحة بنزين.
– زيادة على استهلاك المازوت بقيمة 2500 ليرة على الليتر الواحد أو ما يعادل 50 ألف ليرة على كل صفيحة.
– زيادة 100 دولار على كل حاوية من قياس 20 قدماً، وبقيمة 200 دولار على كل حاوية بقياس 40 قدماً وما فوق.
وزراء مغلوب على أمرهم

لم يذهب أي من الوزراء في اتجاه تعديل وجهة النقاش بشأن السياسات الضريبية واستسهال الحكومة في فرض ضرائب تصيب صغار المستهلكين بخلاف كبار المستهلكين ذوي القدرات المالية الأعلى، ولم يتحدّث أحد عن بدائل وخيارات جذرية يجب اتخاذها. فقد اعترض وزير العمل محمد حيدر على زيادة ضريبة القيمة المضافة بمعدل 2%، واعترض وزير الصناعة جو عيسى الخوري على ضريبة المازوت التي تصيب الصناعيين الذين سبق أن أصابتهم ضريبة بقيمة 46 دولاراً على الحاويات يذهب منها نحو 9 دولارات لشركة «CMA CGM»، وعلى مشتركي المولدات. وردّ جابر بأن ضريبة القيمة المضافة لا تصيب ذوي الدخل المحدود، فاقترح أحد الوزراء زيادة «محدودة» بمعدل 1% فقط فكانت الموافقة من الغالبية. ثم أقرّت زيادة على البنزين بمعدل 16 ألف ليرة على كل ليتر بنزين من عيار 98 أوكتاناً، أي ما يوازي 320 ألف ليرة على الصفيحة الواحدة.

كمال حمدان: من المعيب ألا ترغب الحكومة التي رفعت نهج الإصلاح في إرساء قواعده ولو بشكل متدرّج

بدا كأن الوزراء مغلوب على أمرهم. وأن نهج التغيير الذي عُيّنوا على أساسه، مجرّد شائعات، فهم لا ينظرون إلى مفاعيل الإجراءات القاسية والمؤلمة التي اتّخذوها. ويقول وزير الصناعة «لم يعرض علينا أي دراسة اقتصادية لنتائج القرارات التي اتخذت في الجلسة». وهذا ما يقود الى أن العقل الحاكم ما يزال نفسه حاضراً ونافذاً في قرارات السلطة التنفيذية، وكأن الإفلاس لم يحصل في 2019، وكأن نتائج العدوان الإسرائيلي ليست حاضرة.

والحكومة استنسخت قرارات سلطات سابقة وفق قواعد صندوق النقد الدولي الذي يمنع حصول عجز مالي، وهو ما ردده الوزير جابر مراراً: «لا مصروف بلا مدخول»، ثم أضاف إليها في الهيئة العامة لمجلس النواب التي عقدت أخيراً: «ماذا أقول لصندوق النقد الدولي؟».
نهج متوارث

هذا النهج المعتمد «متوارث منذ عقود» وفقاً للخبير الاقتصادي كمال حمدان. وما حصل أول من أمس هو «إمعان» في ممارسة هذا «النهج غير الإصلاحي»، إذ من المعيب ألا ترغب الحكومة التي رفعت نهج الإصلاح في إرساء «قواعد لهذا الإصلاح ولو بشكل متدرّج». يجب أن يشمل هذا الإصلاح في الوقت نفسه مطارح عدة مثل القطاع العام وسوق العملة وبنية الأجور… «هذا ما هو مطلوب وما نطمح إليه من أجل التعافي».

لكن الحكومة سارت على خطّ الاستسهال في الشكل وتعزيز المضمون الذي ينطوي على «مفاعيل طبقية واجتماعية تعكس طبيعة بنية الاقتصاد السياسي والاجتماعي الذي يمكن اختصاره بـ: «الدولة العميقة»، إذ لا تزال الضرائب والرسوم غير المباشرة تشكّل عماد قرارات الحكومة في بلد يعاني، وفقاً لدراسات المنظمات الدولية، من انعدام العدالة الفاقع لجهة الدخل والثروة» وفقاً لحمدان.

عملياً، يقول حمدان إن «الفقراء سيموّلون التصحيح الملتبس لأجور وتعويضات الفئات الفقيرة وما دون المتوسطة»، مستغرباً من عدم لجوء أي من الأطراف السياسية، القديم منها والمستجد، إلى البحث عن «بدائل». إذ كان يمكن «بذل جهود أكبر لإقرار تشريعات دخل تصاعدية، وفتح ملفات أخرى مثل ضرائب الإرث واستثمار الملك العام». حتى الآن لم تدرك هذه الحكومة نتيجة فعلتها، فبحسب حمدان ارتفع مؤشر الأسعار بعد دولرتها في منتصف 2023 حتى نهاية 2025 لتصبح الزيادة الوسطية المتراكمة 46%..

اترك تعليق