لم يعد خافيًا أن مضيق هرمز يمثل أحد أبرز أوراق الضغط الجيوسياسي في الصراع الدائر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فإلى جانب كونه شريانًا أساسيًا لإمدادات النفط العالمية، يؤدي المضيق أيضًا دورًا مهمًا ضمن شبكة الكابلات البحرية التي تربط اقتصادات الخليج بالعالم. وهذا ما يولد خطرًا مستترًا بالنسبة لدول كثيرة في العالم. فإلى أي حد يمكن أن يتأثر لبنان إذا ما تضررت ألياف الاتصالات في محيط الخليج ومضيق هرمز؟
شبكة الاتصالات في دائرة الخطر
تصاعدت مؤخراً المخاطر في مضيق هرمز، من خلال ما كشف عن تدابير عسكرية، تحدث بعضها عن زرع ألغام محتمل فيه. بمقابل التلويح الأميركي باستخدام التكنولوجيا الصاروخية للتصدي لذلك.
وشكّلت معظم هذه المداولات دليلًا واضحًا على تصاعد القلق من اغلاق المضيق بوجه ناقلات النفط وتقويض أمن الملاحة. وهذا أمر طبيعي طالما أن نحو خُمس إنتاج النفط العالمي يمر عبر هرمز، وفقًا لتقارير دولية. إلا أن هذا ليس الهاجس الوحيد الذي تولده الحرب الدائرة في هذه المنطقة.
فالكلام العسكري التصعيدي حول المضيق، وضع شبكة الاتصالات التي تمر عبره في دائرة الخطر المستتر أيضًا. إذ أنه وفقًا لتقارير عالمية، يشكل مضيق هرمز نقطة اختناق رقمية اقليمية Digital Chokepoint لكونه الممر الرئيسي للكوابل التي تخدم دول الخليج وإيران والعراق والبحرين وقطر، وهي جزء مهم من شبكة الكابلات البحرية، التي تنقل نحو 95الى97 بالمئة من حركة الإنترنت العالمية.
التأثير على لبنان
وبالرغم من أن أنظمة الإنترنت العالمية مصممة بقدر من المرونة وتعدد المسارات (Redundancy)، فإن منطقة الخليج تبقى إحدى النقاط الحساسة في البنية التحتية الرقمية العالمية.
غير أن هذه الإضطرابات وإن كانت تشكل تهديدًا كبيرًا لمسارات الألياف الدولية، لا يُتوقع أن يكون أثرها كبيرًا في لبنان.
يوضح المدير العام السابق لهيئة أوجيرو عماد كريدية لل “المدن” أن البنية الأساسية للاتصالات الدولية الخاصة بلبنان تعتمد أساسًا على كابلات بحرية قادمة من أوروبا عبر البحر المتوسط، حيث توجد نقاط إنزال Landing Points مباشرة على الساحل اللبناني، ولا سيما في بيروت.
بينما بعض المسارات الآتية من آسيا وفقًا لخبير اتصالات فضل عدم ذكر اسمه، تمر عبر أوروبا قبل الوصول إلى لبنان. وبالتالي فإن حركة البيانات الأساسية للبنان لا تعبر الخليج العربي مباشرة.
ومع ذلك لا يمكن استبعاد الانعكاسات غير المباشرة على حركة نقل البيانات بين الشرق والغرب، بما في ذلك المسارات التي قد تمر عبر لبنان. غير أن هذه التأثيرات تبقى محدودة نسبيًا، نظرًا لاعتماد البنية العالمية للإنترنت على مبدأ التكرار الشبكي (Redundancy)، أي وجود عدة كابلات ومسارات بديلة لنقل البيانات، ما يسمح بتحويل حركة “الترافيك” تلقائيًا في حال تعطل أحد المسارات.
الضرر محدود!
تتركز معظم التطمينات إذًا، على كون منظومة الاتصالات الدولية مصممة أصلًا لضمان استمرارية الخدمة حتى في حالات النزاعات أو الأعطال الكبرى، بحيث لا تعتمد حركة البيانات على كابل واحد فقط، بل على شبكة مترابطة من الكابلات البحرية والبرية. وفي حال تضررت بعض الكابلات البحرية، يمكن جزئيًا التعويض عبر المسارات الأرضية.
ولكن حتى في حالات اشتداد “الترافيك” على الشبكات العالمية، فإن الضرر في لبنان قد يبقى محدودًا، خصوصًا أن لبنان لا يستخدم كل حصته من الكابل البحري وفقًا لما يشرحه خبير الاتصالات. وبالتالي من المستبعد أن يعاني الضغط على السعات الدولية.
يؤكد كريدية من جهته أن الخطر المباشر على لبنان يبقى محدودًا، ما لم تتعرض البنية التحتية المحلية نفسها للاستهداف، ولا سيما نقاط العبور الدولية (Gateways) أو نقاط إنزال الكابلات البحرية. ففي مثل هذا السيناريو فقط قد يواجه لبنان انقطاعًا واسعًا في خدمات الإنترنت الدولية. إلا أن المؤشرات الحالية لا توحي باتجاه الأمور نحو هذا النوع من التصعيد.
وبناء عليه لا يتعلق القلق الأساسي على الاتصالات في لبنان بما يجري في مضيق هرمز، بقدر ما يرتبط بقدرة الشبكة المحلية على تحمّل أي ضغط إضافي في حال تعطلت بعض الكابلات البحرية في المنطقة، حتى لو أن سيناريو استهداف هذه الكابلات الذي بدأ طرحه منذ الموجة الأولى للحرب الأخيرة، لم يحدث حتى الآن.
المخاطر داخلية
ومع ذلك ثمة نقاط ضعف أساسية يشير اليها الخبير، وتتلخص في كون البنية الحالية للاتصالات في لبنان تعتمد بدرجة كبيرة على السعات الدولية، بحيث إن الجزء الأكبر من حركة البيانات المحلية يخرج إلى الشبكة الدولية قبل أن يعود مجددًا إلى الداخل، وهو نموذج تقني غير مثالي من حيث الكفاءة والسيادة الرقمية.
لذلك، يرى أن المطلوب هو تطوير البنية التحتية الداخلية بحيث يتم توطين جزء أكبر من حركة البيانات داخل الشبكة الوطنية، عبر إنشاء محطات تبادل إنترنت محلية Internet Exchange Points (IXP)، تسمح بتبادل “الترافيك” بين مزودي الخدمة داخل لبنان من دون الحاجة إلى المرور عبر السعات الدولية.
ويشير إلى أن العديد من الدول في المنطقة اعتمدت هذا النموذج، بحيث يمر جزء كبير من حركة الإنترنت عبر نقاط التبادل المحلية. ففي بعض دول الخليج مثلًا، يتم تبادل ما يقارب نصف حركة البيانات داخل الشبكات المحلية عبر الـ IXP، فيما لا يزال هذا الرقم في لبنان متدن جدًا.
خطة طوارئ
من هنا، يشدد الخبير على ضرورة وضع خطة طوارئ وطنية لقطاع الاتصالات تضمن استمرارية الخدمة في حالات الأزمات، ليس فقط للمؤسسات الحيوية، بل أيضًا للمستخدمين. وتشمل هذه الخطة آليات واضحة للتنسيق بين الجهات المعنية، مثل هيئة أوجيرو، وشركات الخلوي، ومزودي خدمة الإنترنت وموزعيها، إضافة إلى تفعيل دور هيئة تنظيم الاتصالات في لبنان في وضع الأطر التنظيمية الملزمة.
فالتحدي الحقيقي في لبنان لا يكمن فقط في احتمال انقطاع الإنترنت الدولي، بل في مدى جاهزية البنية التحتية الوطنية للتعامل مع أي طارئ، سواء على مستوى الشبكات أو السنترالات، وضمان استمرار قدرة المستخدمين على التواصل في مختلف الظروف.
وفي هذا الإطار تؤكد مصادر شركتي الخليوي إعادة تفعيل خطط للطوارئ السابقة بالتنسيق مع وزارة الاتصالات، والتأهب للتدخل عند أي طارئ بحسب الإمكانيات المتوفرة، حتى لو لم تطرح أي خطة طوارئ محدثة على طاولة مجلس الوزراء الى الآن.
بالمقابل أقرّ مجلس الوزراء في جلستة التي انعقدت يوم الخميس في 5 آذار الجاري، تعديلًا للشروط التقنية والتشغيلية والإستثمارية الخاصة بالترخيص لشركة ستارلينك لبنان. علمًا أن ستارلينك حصلت على رخصتها بموجب القرار رقم 2 الصادر عن الهيئة الناظمة بمطلع العام الجاري. وبعد أن كان طرح خدمتها في لبنان لأول مرة، ولفترة تجريبية قد تزامن مع اندلاع الموجة الأولى من الإعتداءات الإسرائيلية على لبنان من ضمن خطة للطورئ لم يقرها مجلس الوزراء حينها، ها هي التعديلات التي تطال رخصتها تقر تحت غطاء موجة الحرب المتجددة هذه المرة.
ملف ستارلينك
وفي التعديل الجديد للترخيص، وسّع قرار مجلس الوزراء نطاق الترخيص المُعطى، بما سمح لشركة ستارلينك – لبنان ببيع خدماتها للجهات الحكومية والسفارات والمنظمات غير الحكومية، بعد أن كان بيعها محصورًا وفقًا للقرار رقم 2 الصادر عن الهيئة الناظمة للاتصالات بالشركات التجارية لأنشطتها الخاصة.
وعليه طلبت الحكومة من الهيئة تعديل قرار الترخيص على مقاس ما أقرته. علمًا أن هذا التعديل يبقى شكليًا، خصوصًا أن قرار الحكومة يطلق العمل برخصة ستارلينك في لبنان مع تعديلاتها، حتى قبل تجهيز وتركيب مركز التحكّم الأمني في قطر، والمُتوقّع انجازه بحلول نهاية شهر أيار من العام الحالي، وفقًا لما ورد في قرار مجلس الوزراء. وهذا ما يحوّل الهيئة الناظمة أداة تنفيذية لرغبات السلطة السياسية تحت ذريعة “حالة الحرب الاستثنائية”، خلافًا للأهداف الإصلاحية التي نشأت من أجلها الهيئات الناظمة.
علمًا أن توسيع سوق “ستارلينك” لا يحقق الأولوية المتوقعة من أي خطة طوارئ موضوعة؛ أي تأمين الاتصالات للناس لكل الناس. ففي الحرب كما في السلم تبقى الاتصالات هاجسًا بالنسبة للبنانيين. وإذا كان القلق الأكبر في المناطق المصنفة حمراء يبقى حول استمرار تدفق المعلومات أولًا. فثمة أولويات أخرى يفرضها الأمر الواقع الناتج عن هذه الحرب، وبعضها أعلن عن المباشرة بتطبيقها، ولا سيما ما يتعلق منها بتأمين باقات الطوارئ، وتسهيل التواصل في مدن ومراكز الايواء وحماية الشبكة واصلاحها بالسرعة المطلوبة. وبعضها لا يزال ينتظر تنسيقًا إضافيًا بين الإدارات والوزارات المعنية
















