لهذه الأسباب يشكل الليطاني هدفاً استراتيجياً لإسرائيل

يحضر نهر الليطاني، أكبر مورد مائي للبنان، في الفضاءين السياسي والإعلامي بقوة، كلما اشتعلت جبهة الجنوب وعاد الحديث عن رغبة إسرائيل في القيام باجتياح بري واسع، قد يكون الليطاني أحد حدوده.

تاريخيا، يشكل الليطاني ركيزة أساسية في معادلة الأمن المائي والاقتصادي للبنان، ما جعله أكثر من مورد مائي، بل حالة جيوبوليتيكية تتداخل فيها المعاني السيادية للبنان ومصالحه الإنمائية والاقتصادية في النهر، مع الأطماع الإسرائيلية التاريخية في مياهه.
إزاء عودة الحديث عن الاستعدادات الإسرائيلية لاجتياح الجنوب حتى نهر الليطاني، قد يكون من السذاجة فصل المبتغى الأمني للدولة العبرية عن أهدافها التاريخية ولجاجتها المستمرة منذ تأسيسها، لجعل نهر الليطاني داخل حدودها، والاستفادة من ثروته المائية.

فالنهر الذي يجري بكامله داخل الأراضي اللبنانية، يمتد نحو 170 كيلومترا، ويغطي حوضه نحو 2175 كيلومترا مربعا، أي ما يعادل نحو 20% من مساحة لبنان، فيما يبلغ تدفقه السنوي نحو 750 مليون متر مكعب، ليس مجرى مائيا فحسب، بل يعدّ هدفا إستراتيجيا لإسرائيل، لم يغب ملفه يوما عن هموم حكوماتها.

فنهر الليطاني يختزن قيمة جغرافية وسياسية استثنائية، جهد “الآباء” المؤسسون لدولة إسرائيل للمطالبة بضمه إلى “أرض الميعاد”، وهو ما جعله طبقا إستراتيجيا دائما في خرائط العمليات العسكرية لقادتها.

يؤرخ الدكتور عصام خليفة في كتابه “لبنان المياه والحدود 1916-1975” لما قدمته “الحركة الصهيونية” عامي 1936 و1943، من مشاريع لاستغلال مياهه، حيث “وضع المهندس لودر ميلك كتابا بعنوان “فلسطين أرض الميعاد” اعتُبر بمثابة “دستور اليهود المائي”، وقد لحظ الاستيلاء على مياه الليطاني، وبعد قيام إسرائيل عام 1948 “وضعت مشاريع عدة تناولت ضم الليطاني (مشروع بنجر، مشروع باكر-هرزا، ومشروع كوتون).

ويضيف خليفة، أن “بن غوريون لخّص موقف إسرائيل من المياه بقوله (14 أيار 1955) إن اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه”، وردا على رسالة بعث بها إليه ديغول، قال بن غوريون “إن أمنيتي في المستقبل جعل الليطاني حدود إسرائيل الشمالية”.
ويقول: “في 27 شباط 1919 وضعت المنظمة الصهيونية أمام المجلس الأعلى لمؤتمر السلام في باريس اقتراحا شددت فيه على ضم نهر الليطاني والمياه العليا لجبل حرمون إلى فلسطين، والخط المقترح يمتد من جنوب صيدا عبر نهر الليطاني ويدور جنوبا نحو مرتفعات الجولان”.

وقد برزت عام 1956 خطة مبعوث الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، إيريك جونستون كمحاولة لتنظيم تقاسم المياه في المنطقة، إلا أن لبنان وسوريا رفضاها بسبب عدم عدالتها في توزيع المياه والمشاريع الكهربائية، فيما للمفارقة، رفضتها إسرائيل لعدم شمولها نهر الليطاني.

لا تقتصر أهمية الليطاني إسرائيليا على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تتعداه إلى البعد العسكري والإستراتيجي، إذ يشكل مجراه العميق الذي تصل بعض وديانه إلى نحو 275 مترا، عائقا طبيعيا أمام التحركات العسكرية، ما يمنحه دورا دفاعيا في مواجهة أي محاولات اختراق بري.

ويربط خليفة بين الأطماع الإسرائيلية والتاريخ الطويل للصراع على المياه، مشيرا لـ”النهار” إلى أن “من لا يقرأ التاريخ لا يفهم ما يحدث”، موضحا أن “إسرائيل تعاني خللا مائيا وتسعى إلى السيطرة على مصادر المياه في المنطقة، ومنها الليطاني، رغم أنه “نهر ينبع ويصب داخل لبنان، وليس جزءا من حوض الأردن”. ويضيف أن “إسرائيل طالبت خلال مفاوضات الهدنة عام 1949 بحصة من مياهه، وهذه المطالب تكررت في مشاريع وخطط متعددة، ما يعكس أهمية النهر في الإستراتيجية الإسرائيلية”.

كذلك يحذر من أن “التلوث قد يُستخدم ذريعة للطعن بقدرة لبنان على إدارة موارده”، مؤكدا أن أي “مفاوضات مستقبلية قد تتضمن محاولة للسيطرة على مياهه”.
في البعد الاجتماعي، يشكل النهر شريان حياة لمئات البلدات التي نشأت على ضفافه، كما ساهمت بحيرة القرعون في تنشيط السياحة المحلية عبر المطاعم والمتنزّهات، ما وفّر فرص عمل ودَعَم الاقتصاد المحلي. ويتيح توافر المياه إمكان الزراعة المكثفة وإنتاج أكثر من دورة محصولية سنويا، ما يعزز الأمن الغذائي الوطني.

وفي هذا الإطار، يؤكد رئيس مصلحة الليطاني سامي علوية لـ”النهار” أن “حماية نهر الليطاني ومياهه تشكل مسؤولية وطنية وسيادية، وتتمثل سبل المواجهة في تعزيز السيادة اللبنانية على الموارد المائية، واستكمال مشاريع السدود والري، وتطوير البنية التحتية، وتطبيق القوانين البيئية لمكافحة التلوث، إضافة إلى تعزيز حضور الدولة اللبنانية في الحوض المائي وتثبيت الحقوق وفق القانون الدولي”، معتبرا أن “نهر الليطاني ليس مجرد مجرى مائي، بل ثروة وطنية واستراتيجية، وحمايته واجب وطني للأجيال القادمة”.

خلاصة القول، إن نهر الليطاني يمثل عنصرا محوريا في معادلة بقاء لبنان واستقراره، إذ تتقاطع عنده قضايا الأمن المائي والغذائي والطاقة والسيادة. ومن هنا، فإن المحافظة عليه ليست خيارا، بل ضرورة وطنية تفرض تكامل الجهود الرسمية والمجتمعية لحمايته من التهديدات الداخلية والخارجية، وضمان استدامته كأحد أهم مقومات الحياة في لبنان.

نهر الليطاني هو أطول وأكبر أنهار لبنان (حوالي 170 كيلومتر)، ينبع من غرب بعلبك في سهل البقاع ويصب في البحر المتوسط شمال صور. يشكل شرياناً حيوياً للري وتوليد الطاقة (سد القرعون)، ويغطي حوضه 20% من مساحة البلاد، كما يُعدّ منطقة استراتيجية وأمنية هامة في جنوب لبنان.

“عملية الليطاني”
يرتبط اسم نهر الليطاني بالصراع اللبناني الإسرائيلي، ولا سيما بعملية الليطاني عام 1978 وحرب تموز 2006. فقد برز اسمه في سياق القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 1978، الذي طالب إسرائيل بالانسحاب الفوري من جنوب لبنان، بعد أن توغّل الجيش الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية وصولا إلى نهر الليطاني، في عملية عسكرية عُرفت بـ”عملية الليطاني”، وتُعد أول اجتياح إسرائيلي واسع لجنوب لبنان

اترك تعليق