عن “أبوكاليبس” موضعيّ لأرض تُمحى… حين يصبح البقاء مستحيلًا(انطوان العويط)g

ما شهدناه في غزّة لم يكن مجرّد حربٍ تقليديّة تُقاس بنتائجها العسكريّة المباشرة، بل تحوّل إلى نموذجٍ مكتمل لإدارة الصراع بمنطقٍ مغاير لما ألفته ميادين القتال.
لم يعد الاشتباك لحظة قطع، بل مسارًا ممتدًّا يقوم على توغّلٍ خافت الإيقاع واستنزافٍ طويل، ينتهي إلى أرضٍ تُنتزع تدريجيًا من خرائط الجغرافيا ومن ذاكرة الإنسان معًا، حتى تكاد تُمحى لا كمساحةٍ فحسب، بل كمعنى ووجود.
هذا الإطار، بكلّ قسوته، يطرح سؤالًا مقلقًا. هل هو استثناءٌ فرضته ظروف غزّة، أم أنّه بات نمطًا قابلًا للتكرار في ساحاتٍ أخرى؟ وإذا كان قد وُلد في حيّزٍ ضيّق ومكتظّ، فإلى أيّ مدى يمكن أن يتمدّد أو يتكيّف مع مسارح أوسع وأكثر تعقيدًا؟
في غزّة، لم يبدأ المشهد بانفجارٍ شامل، بل بتتابع حربيّ محسوب، كأنّ الحرب لم تُرِد أن تُحسم سريعًا، أو لم يكن ذلك ممكنًا، بل أُديرت كعملية تفكيكٍ طويلة.
وبصرف النظر عن الأسباب التي دفعت إلى هذا النهج، من شبكة الأنفاق التي أنشأتها “حماس” وما فرضته من تشعّبات ميدانيّة، إلى عقيدتها القتاليّة، إضافةً إلى سعي إسرائيل للحدّ من خسائرها وتفادي أسر جنودها، فإنّ ما جرى لم يكن سحقًا دفعيًّا، بل إنهاكًا في انسيابٍ تراكميّ،
من عزل، فدكّ، فتهجير.
كانت حربًا أعادت تعريف المكان نفسه، من حيٍّ إلى ركام، ومن ركامٍ إلى فراغ، ومن فراغٍ إلى ذاكرةٍ مشوَّشة منزوعٍ منها ما يكوّنها، في مشهدٍ سورياليٍّ أصاب متابعيه بالذهول والصدمة.
هنا يكمن جوهر هذا النموذج الرهيب في تحويل الأرض إلى معادلةٍ غير قابلةٍ للعيش، بحيث يغدو البقاء فيها ضربًا من الامتناع والمستحيل.
إذا انتقلنا من هذا التخصيص إلى مستوى أوسع، وتحديدًا في سياق المواجهة مع إيران، تتبدّى الفوارق بوضوح، غير أنّ التشابه في المنهج يبقى قائمًا.
فإيران ليست غزّة، لا من حيث المساحة ولا الإمكانات، وأيّ مواجهةٍ معها لا يمكن أن تُختزل بعمليّة برّية تقليديّة. غير أنّ الصيغة التطبيقيّة أخذت هناك سمة موازية، قامت على تحييد قيادات الصفوف الأولى والثانية والثالثة، إلى استهدافٍ واسعٍ للبنى العسكريّة على امتداد الجغرافيا الشاسعة، الظاهرة منها والمخفيّة، مرورًا بإنهاك الاقتصاد، وصولًا إلى تهديد المرافق الحيويّة، بما يُبقي البلاد في حالة استنزافٍ دائم، بهدف الإخضاع بالتفاوض أو بقوّة الأمر الواقع.
بهذا المعنى، تصبح الأرض المحروقة بنيويّة في الاستهداف، لا ميدانيّة فقط؛ إذ لا يُقاس التفتيت بعدد المواقع المدمّرة، بل بقدرة النظام على الاستمرار ككيانٍ وظيفيّ.
أمّا في لبنان، فتبدو الصورة أكثر إشكاليّة، لأنّها لا تُقرأ كهندسةٍ محتملة، بل كمسارٍ يتشكّل تدريجيًا أمام أعيننا، خصوصًا في الجنوب النازف. وهنا، تتقاطع ملامح النسق الغزّي والإيرانيّ مع واقعٍ ميدانيّ يشبه سياسة النار البطيئة.
لا اجتياح شامل، ولا حسم سريع. إذ تتراكم طبقاتٌ من الظروف الميدانيّة والعقائديّة، وتتضافر معها الخصوصيّة الجغرافيّة المانعة، لا لتتشابه مع ما شهدته غزّة أو إيران فحسب، بل لتتجاوزه في مستوى الصعوبة والتشابك، حتى تكاد تُنتج مشهدًا خارج المألوف، يفيض بعلامات الاستفهام والتعجّب، رغم وضوح ميزان القوى وغياب التكافؤ الموضوعيّ وتلاشي عناصر الردع.
من هنا، يتقدّم نمطٌ يقوم على التهجير المتدرّج، والضربات المتقطّعة، وزعزعة الترابط الحيويّ: قرى تُفرغ، جسور تُدمّر، وأمكنةٌ تُسحب منها الحياة تدريجيًا.
في الجنوب اللبنانيّ، لا يظهر الخراب كذروة، بل كمسارٍ يوميّ يتسلّل بهدوء. ليس مشهدًا واحدًا، بل خطٌّ بيانيّ ينحدر ببطء، حتى يصل إلى نقطةٍ لا يعود فيها ما يُفقد ظاهرًا فقط، بل ما يتآكل دون أن يُرى، وفي ما قد نفقده دون أن ننتبه.
إنّه “أبوكاليبس” موضعيّ تُمارسه إسرائيل وتسعى إليه، ويستهدف فصل وتجزئة شروط الوجود نفسها. تبقى الجغرافيا مشلّعةً ومهشّمة، لكنّها تفقد حياتها من داخلها؛ يُمحى منها ما يجعلها قابلةً للسكن، وللفهم، وللاستمرار، فتُسحَب من الوجود كما تُسحَب الحياة من جسدٍ منهك.
ويبقى السؤال الأعمق، الخارج عن إطار المقارنة بين غزّة وإيران ولبنان، هو ما يتّصل بتداعيات هذا المسار على الداخل اللبنانيّ، حيث تبدو الجغرافيا السياسيّة وكأنّها تقف على حافة اختبارٍ جديد، مريب مُخيف ومُثير للاضطراب، ولو لم تتّضح ملامحه بعد.
فما يجري عندنا لا يبدو معزولًا عمّا حوله، بل ينذر بمستوى تهديد مرتفع بانفجارٍ أوسع، في لحظةٍ إقليميّة مفتوحة على احتمالاتٍ بالغة الخطورة. حتّى الآن، النهاية ما زالت غامضة، والأسئلة الوجوديّة التي ظُنّ أنّها طُويت تعود لتفرض نفسها من جديد، بإلحاحٍ أكبر وقلقٍ أعمق.
كيف يمكن لهذه الحرب أن تنتهي، وأيّ واقعٍ ستُفضي إليه؟ وهل، قبل أن تسكت المدافع وتنحسر الطائرات، سنجد أنفسنا أمام مشهدٍ يستعيد تصدّعات ما قبل عام 1975؟ ثم، حين تضع الحرب أوزارها، هل نكون بإزاء ولادةٍ مرتقبةٍ للبنان جديد، أم أمام عودةٍ قسرية إلى صيغ انكفاءٍ تاريخيّ؟
في المحصّلة، وعلى الرغم من قسوة ومرارة بعض هذه الفرضيات، فإنّ الواضح حتى تاريخه أنّ الفصل الأخير لم يُكتب بعد، بل ما زال يتفاعل على إيقاع الميدان، وعلى تماسٍ دائمٍ بين ما كان وما قد يكون.

اترك تعليق