لم تمضِ ساعات قليلة على طرح السؤال الكبير حول ضمّ لبنان إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الاميركية وإيران حتى كان العدو الإسرائيلي قد نفّذ مجازر متنقلة داخل أحياء بيروت، وفي الجنوب، وجبل لبنان، ما فتح الباب على كل الاحتمالات، بما في ذلك فصل المسارات بين بيروت وطهران، باعتراف الرئيس الاميركي دونالد ترامب خلافاً لتصريحات رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.
أثبتت الوقائع الميدانية أمس أنّ إسرائيل ماضية في جرائمها، وكأنّ الاتّفاق لا يعنيها. مع ذلك، أكّدت المعلومات أنّ المساعي لم تتوقّف لـ “إلحاق” لبنان بالاتفاق عبر إجبار بنيامين نتنياهو على الانصياع له، بما في ذلك الضغط الإيرانيّ على واشنطن، كأحد شروط نجاح التفاوض، والضغط الاميركيّ على تل أبيب. لكن الرئيس الاميركي دونالد ترامب تحدّث بصيغة الحسم بأن “لبنان ليس مشمولاً أصلاً بالاتفاق”.
سُجّلت آخر عمليّة لـ”الحزب”، قبل اتّفاق وقف إطلاق النار، من خلال استهداف صاروخيّ، عند الساعة السابعة من ليل الثلاثاء، لتجمّع جنود إسرائيليّين في بلدتَي البيّاضة وشَمع (القطاع الغربيّ) من ضمن سلسلة من العمليّات العسكريّة قال الإعلام الحربيّ في “الحزب” إنّها بلغت 87 عمليّة في اليوم نفسه، قبل ساعات من وقف إطلاق النار.
كذّبت لغة الميدان سريعاً أحد بنود الاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ الذي أعلن رئيس الوزراء الباكستانيّ شهباز شريف رسميّاً أنّه ينصّ “على وقف الحرب على جميع الجبهات بما فيها لبنان”، وقبل ذلك كذّبه رئيس الوزراء الإسرائيليّ بتأكيده أنّ الاتّفاق لا يشمل لبنان، ثمّ إعلان الجيش الإسرائيليّ أنّ “القتال ضدّ “الحزب” مستمرّ”، لينتهي الأمر بارتكاب إسرائيل جرائم إبادة بقصفها أحياء في بيروت وجبل لبنان من دون إنذار.
أكّدت المعلومات أنّ المساعي لم تتوقّف لـ “إلحاق” لبنان بالاتفاق عبر إجبار بنيامين نتنياهو على الانصياع له
تُرجِم موقف “الحزب” التمهيديّ، غير الرسميّ، وقبل تنفيذ إسرائيل ضرباتها المباغتة، على لسان النائب إبراهيم الموسوي، باعتبار أنّ “العدوّ سيُجبَر على الالتزام بالاتّفاق عاجلاً أم آجلاً. يحاول أن يلعب على الهوامش في اللحظات الأخيرة، أو في بدايات تطبيق وقف إطلاق النار، وإذا لم يلتزم بالاتّفاق لن يلتزم به أحد، وهذا الموقف واضح على مستوى “الحزب” وطهران”. يؤكّد بعض القريبين من “الحزب” لـ “أساس”: “لن تكون المهلة مفتوحة، إذا استمرّت إسرائيل في اعتداءاتها، وسيكون هناك ردّ حتماً”.
في هذا السياق، أوحى بيان “الحزب” الرسميّ الأوّل الذي صدر أمس من خلال دعوته الجنوبيّين إلى عدم التوجّه إلى بلداتهم بأنّ الأمور لا تزال مفتوحة على كلّ الاحتمالات.
الخطوة الثّانية: بدء التّفاوض؟
هكذا بدأت إسرائيل أمس عمليّاتها العدائيّة باستهداف سيّارات مدنيّة، بينها سيّارة إسعاف، موقِعةً أكثر من عشرة شهداء، ومن ضمنها مجزرة مقاهي صيدا، وجدّدت تنبيهها إلى قصف مبانٍ في الجنوب، واستهدفت عدّة بلدات جنوبيّة في أقضية جزّين، صور، مرجعيون، والنبطيّة، إضافة إلى استمرار الغارات بالمسيّرات، لتطلق لاحقاً أكبر موجة اعتداءات “ضد عناصر الحزب”، كما قالت، في عدّة أحياء في بيروت وخارجها، موقعة عشرات الشهداء وآلاف الجرحى.
علّقت مصادر رسمية لـ “أساس”، قبل موجة الاعتداءات غير المسبوقة، قائلة: “في لبنان كنّا في أجواء احتمال التوصّل إلى اتّفاق، وأنّ بيروت من ضمنه. لكن حتّى الآن لا ضمانات من إسرائيل ولا “الحزب” للالتزام الكامل به، مع العلم أنّ الأخير أوقف عمليّاته بدءاً من يوم أمس. المطلب اللبنانيّ الأوّل هو تفاوض مباشر لترسيخ وقف إطلاق النار، تحقيق الانسحاب الإسرائيليّ من كامل المناطق المحتلّة، عودة الأسرى، وعودة الجنوبيّين إلى قراهم بالتزامن مع بدء عودة الإعمار”، مشيرة إلى أنّ “يوم أمس حصلت اتّصالات على أعلى المستويات، وخصوصاً مع الأميركيّين، في محاولة لإقناع الجانب الإسرائيليّ بالالتزام بهدنة الـ 15 يوماً، تمهيداً لبدء لبنان مرحلة التفاوض”.
في المقابل، أعلِن أمس إجراء رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي اتّصالاً بالسفير الباكستانيّ في لبنان، طالباً منه نقل واقع عدم التزام إسرائيل بالاتّفاق. من جهة أخرى، تفيد المعلومات بأنّ الرئيسين عون وسلام متّفقان على عدم قبول أن تفاوض إيران عن لبنان.
العدوان الإجرامي الواسع الذي نفّذته إسرائيل أمس طرح تساؤلات جدّية حول مدى التزامها بأي اتفاق، واحتمال أن تُبقي على الوتيرة العدائية نفسها في حربها ضد لبنان
عودة إلى ما قبل عام 2000
ميدانياً، حتّى فجر يوم الأربعاء أرسى العدوّ الإسرائيليّ استاتيكو ميدانيّاً سيجعل من أيّ تفاوض مقبل بالغ التعقيد والقساوة على السلطات في لبنان، قابله إبقاء “الحزب” يده على الزناد، مع انتشار سرّيّ لعناصر “الحزب” لا يزال قائماً بقوّة على كامل الجنوب والبقاع.
عسكريّاً بات جزء كبير من جنوب الليطاني تحت الاحتلال، بقوّة النار أكثر منه برّيّاً. مدينة الخيام الحدوديّة مثلاً التي شهدت مواجهات عسكريّة على مدى أكثر من شهر يتمركز فيها الإسرائيليّ فقط عند نقطة المعتقل، وفي وطى الخيام، ولم يتمكّن من دخولها. أمّا المعركة الكبرى في بنت جبيل فقادت إلى واقع حصارها من أكثر من جهة، من دون الدخول إليها أيضاً.
لكنّ الجنوب خالٍ فعليّاً من أهله جنوب الليطاني وشماله، وجنوب الزهراني، مع نسبة دمار لا مثيل لها، ومحاولات إسرائيليّة مستميتة للسيطرة على 18 موقعاً استراتيجيّاً تعيد عقارب الجنوب إلى مرحلة الحزام الأمنيّ قبل عام 2000.
















