الساعات الأخيرة قبل إعلان فشل المحادثات الأميركية – الإيرانية

بعد مفاوضات مكثفة بين واشنطن وطهران في العاصمة الباكستانية إسلام آباد استمرت لأكثر من 15 ساعة، أعلن الجانبان الأمريكي والإيراني انتهاء جولة المحادثات دون تحقيق أي تقدم، في ظل اتساع فجوة الخلافات وتعثر الجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية مستدامة.

وأعلن جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي، في إحاطة صحفية عاجلة من العاصمة الباكستانية إسلام آباد، فشل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، التي استمرت نحو 21 ساعة متواصلة، مؤكدا أن ما جرى “سيء للإيرانيين أكثر مما هو سيء للأمريكيين”.

وقال فانس إن الوفدين لم يتمكنا من التوصل إلى اتفاق مرضٍ للطرفين، مشيرا إلى أن الجانب الإيراني رفض الالتزام بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، وهو ما وصفه بأنه “المطلب الأساسي” للرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

وأوضح فانس أنه أجرى سلسلة اتصالات مكثفة خلال جولات التفاوض، شملت التواصل مع الرئيس الأمريكي وعدد من كبار المسؤولين العسكريين وأعضاء في الكونغرس، مشيدا في الوقت نفسه بالدور الذي لعبته باكستان في محاولة تقريب وجهات النظر.

وأضاف أن الولايات المتحدة دخلت المفاوضات “بحسن نية”، لكنها لم تنجح في الوصول إلى صيغة اتفاق مقبولة للطرفين، لافتا إلى أن واشنطن تعتبر أن “المنشآت النووية الإيرانية قد تعرضت للتدمير”، بينما لم يقدم الجانب الإيراني التزاما بوقف برنامجه النووي.

وختم نائب الرئيس الأمريكي بالقول إن بلاده “قدمت أفضل ما يمكن تقديمه” خلال هذه المحادثات، معلنا بذلك مغادرة وفده إلى واشنطن.

نقاط الخلاف
ونقل موقع أكسيوس الأمريكي عن مصدر مطلع أن بعض نقاط الخلاف في المفاوضات تتعلق بمطالب إيرانية مرتبطة بالسيطرة على مضيق هرمز ورفضها التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب.

في المقابل، أعلن التلفزيون الإيراني انتهاء المفاوضات الإيرانية الأمريكية في إسلام آباد، مرجعا ذلك إلى ما وصفه بـ”أطماع الولايات المتحدة” التي حالت دون التوصل إلى إطار اتفاق مشترك.

كما أضاف التلفزيون الرسمي بأن الوفد الإيراني قدم مبادرات عدة خلال المفاوضات، إلا أن الجانب الأمريكي حال دون تحقيق تقدم في المحادثات.

كما نقلت وكالة تسنيم أن المحادثات انتهت دون التوصل إلى اتفاق، بسبب ما اعتُبر “مطالب أمريكية مفرطة” تتعلق بمضيق هرمز والملف النووي وملفات جوهرية أخرى، فيما أفادت وكالة فارس أن المفاوضات انهارت بسبب محاولة الولايات المتحدة فرض ما لم تستطع تحقيقه في الحرب على الوفد الإيراني.

وفي السياق ذاته، ذكرت وكالة تسنيم أنه لم يتم حتى الآن الإعلان عن أي خطة تتعلق بموعد أو مكان الجولة المقبلة من المحادثات، في ظل استمرار حالة الغموض بشأن مستقبل المسار التفاوضي بين الطرفين.

تباين الروايات
وقبل الإعلان الرسمي عن فشل المفاوضات بين واشنطن وطهران، تباينت الروايات الصادرة عن وسائل إعلام إيرانية وأمريكية بشأن مسار المحادثات، بين مؤشرات على التمديد واستمرار النقاشات، وأخرى تحدثت عن تعثر واضح في التوصل إلى اتفاق.

وأفادت تقارير خلال الساعات التي سبقت الانهيار بأن المفاوضات كانت مرشحة أن تستمر حتى اليوم الأحد، وسط أنباء عن تواصل الاتصالات بين الأطراف في محاولة لتجاوز الخلافات العالقة.

ونقلت وكالة تسنيم عن مصدر مطلع قوله إن وسائل الإعلام الغربية “تبالغ في تصوير الأجواء الإيجابية” للمحادثات بهدف التأثير على أسعار الطاقة العالمية، مشيرا إلى أن الواقع على الأرض يعكس تعثرا واضحا، مع “ساعات من الجمود” بسبب ما وصفها بـ”المطالب الأمريكية المفرطة”.

وحسب وسائل إعلام إيرانية، فإن واشنطن تطرح شروطا تراها طهران “مبالغا فيها”، خصوصا ما يتعلق بحرّية الملاحة في مضيق هرمز، الذي تسيطر عليه إيران فعليا منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضدها يوم 28 فبراير/شباط الماضي.

في المقابل، أفادت شبكة “إم إس ناو” نقلا عن مصدر في الوفد الإيراني بأن المحادثات لا تزال “في وضع جيد”، مع توقع استمرارها خلال الأيام المقبلة، في حين ذكرت وكالة “فارس” أن المفاوضات الثلاثية تتواصل “بشكل مكثف” رغم مرور ساعات طويلة على انطلاقها.

وكشفت تقارير أمريكية في وقت سابق أن المحادثات تُجرى هذه المرة وجها لوجه، بمشاركة فانس والمبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مقابل وفد إيراني في مقدمته رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، بحضور الوسيط الباكستاني.

وأدى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف دورا محوريا، إذ عقد اجتماعات منفصلة مع الطرفين قبل انطلاق المحادثات المباشرة.

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين إيرانيين أن اللقاءات شهدت أجواء “ودية وهادئة” رغم الخلافات الجوهرية، إذ صافح قاليباف فانس قبل انطلاق المحادثات.

تمديد المفاوضات قبيل انتكاسها
وفي السياق ذاته، ذكرت وكالة فارس أن المحادثات على مستوى الخبراء كانت مستمرة منذ انطلاقها أمس السبت، في حين نقلت وكالة تسنيم أنه تقرَّر تمديد المفاوضات إلى اليوم الأحد بناء على اقتراح من الجانب الباكستاني حظي بموافقة الطرفين، مع استمرار الخلافات بشأن القضايا الجوهرية.

وأوضحت الوكالة أن قرار التمديد جاء نتيجة ما وصفتها بـ”المطالب غير المعقولة” التي يطرحها الجانب الأمريكي، مقابل إصرار الوفد الإيراني على “الحفاظ على المصالح الوطنية”، مما حال دون تحقيق اختراق يوم السبت.

ونقلت وكالة فارس عن مصدر مطلع أن الجانبين لم يتوصلا إلى تفاهم بشأن نقاط الخلاف الأساسية، مشيرة إلى أن العمل جارٍ على صياغة نص جديد، لكنَّ “المطالب الأمريكية المفرطة” لا تزال تمثل عقبة رئيسية أمام التوصل إلى اتفاق.

وتحدَّث التلفزيون الإيراني عن “ماراثون تفاوضي” بدأ بعد ظهر السبت واستمر حتى ساعات فجر الأحد، وأكد مصدر دبلوماسي في الحكومة الباكستانية للجزيرة أن المفاوضات جرت بشكل مباشر بين الطرفين، مع مشاركة فعالة من إسلام آباد في الوساطة، مشيرا إلى أن الجانب الباكستاني قدَّم مقترحا لحل إحدى أبرز نقاط الخلاف، وهي تنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وبحسب المصدر، يتضمن المقترح تسيير دوريات مشتركة في المضيق، في محاولة لتحقيق توازن بين مطلب واشنطن بحرّية الملاحة، وتمسُّك طهران بسيادتها وأمنها في هذا الممر الحيوي.

الدبلوماسية امتداد للحرب
من جهتها، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن مفاوضات إسلام آباد شهدت تبادلا مكثفا للنصوص والرسائل بين الوفدين الإيراني والأمريكي، في إطار السعي للتوصل إلى تفاهم ينهي التصعيد القائم.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على منصة إكس إن المحادثات تناولت القضايا التفاوضية الرئيسية، وفي مقدمتها ملف مضيق هرمز والبرنامج النووي، باعتبارهما محورين أساسيين في أي اتفاق محتمل.

وأضاف أن نجاح العملية الدبلوماسية “مرهون بمدى جدية الطرف الآخر وحسن نيته”، مشددا على أن التقدم في المفاوضات يتطلب التخلي عن ما وصفها بـ”المطالب المفرطة وغير القانونية”، وقبول “الحقوق المشروعة” لإيران.

وأكد بقائي أن طهران عازمة على استخدام جميع الوسائل بما فيها الدبلوماسية لضمان مصالحها الوطنية، معتبرا الدبلوماسية “امتدادا للحرب التي يخوضها المدافعون عن إيران”.

كما لفت إلى أن إيران لا تزال تستحضر “تجربة نكث الولايات المتحدة لوعودها وسوء نياتها” على حد تعبيره، مضيفا أنها “لن تغفر جرائمها مع الكيان الصهيوني”.

ملف مضيق هرمز
يُعَد المضيق نقطة خلاف رئيسية، إذ تشترط الإدارة الأمريكية إعادة فتحه بشكل كامل ضِمن تثبيت وقف إطلاق النار، في حين تصر طهران على ربط أي تغيير في وضعه بالتوصل إلى “إطار عمل مشترك” يراعي مصالحها الأمنية والعسكرية.

وفي هذا السياق، نقلت شبكة “سي إن إن” عن مصدر أمني إيراني أن المضيق “سيبقى مغلقا ما لم يتبن المفاوضون الأمريكيون نهجا واقعيا”، محذرا من إمكانية إغلاقه حتى أمام السفن التي تم الاتفاق سابقا على مرورها، في حال عدم تحقيق تقدُّم دبلوماسي.

وأضاف المصدر أن طهران ليست في عجلة من أمرها، وقد أبلغت واشنطن بوضوح أن وضع مضيق هرمز لن يتغير دون اتفاق شامل، مشددا على أن إيران أثبتت قدرتها على إغلاقه، وأن أي سوء تقدير جديد سيكون “مكلفا” للولايات المتحدة.

بالتوازي، ذكرت وكالة تسنيم أن الوفد الإيراني يصر على “الحفاظ على الإنجازات العسكرية”، فيما قد يكون إشارة إلى برنامج طهران الصاروخي، وهو ما يزيد من تعقيد المفاوضات.

ترمب يصعّد
بدوره، صعَّد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من لهجته، معلنا أنه “غير مهتم” بنتيجة المفاوضات الجارية مع إيران، مؤكدا أن واشنطن تَعُد نفسها منتصرة عسكريا.

وقال ترمب في تصريحات للصحفيين “سواء توصلنا إلى اتفاق أم لا، لا فرق بالنسبة لي، والسبب هو أننا انتصرنا”، مضيفا أن الولايات المتحدة “ستخوض المفاوضات من موقع قوة”، بعد ما وصفها بـ”هزيمة إيران عسكريا”.

كذلك، أعلن ترمب أن القوات الأمريكية بدأت في “تطهير” مضيق هرمز من الألغام، مؤكدا وجود كاسحات ألغام وسفن حربية أمريكية في المنطقة. وقال “سنفتح المضيق، رغم أننا لا نستخدمه، لكنَّ دولا أخرى تعتمد عليه”، موضحا أن تلك الدول إما “ضعيفة أو بخيلة أو خائفة” من مواجهة طهران عسكريا.

الحرس الثوري يرد
من جهته، حذر الحرس الثوري الإيراني من أن أي محاولة لعبور سفن حربية المضيق ستُقابَل بـ”رد قوي”، مؤكدا أن المرور سيبقى مقتصرا على السفن غير العسكرية وضمن ضوابط محددة.

ونقل التلفزيون الإيراني عن بيان لبحرية الحرس الثوري تأكيدها أنها تسيطر بشكل “كامل وفعال” على مضيق هرمز، ونفيها عبور أي سفن أمريكية في الممر البحري.

اترك تعليق