لبنان في قلب الصفقة الكبرى

احتلت زيارة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان واجهة الاهتمامات اللبنانية، نظراً للأهداف الثلاثة التي حملتها، ما دفعه لحصر لقاءاته بالرؤساء الثلاثة: رئيس مجلس النواب نبيه بري أولاً، رئيس الجمهورية جوزف عون ثانياً، ورئيس الحكومة نواف سلام ثالثاً، فيما تردد أنّه التقى الأخير في باريس قبيل وصوله إلى لبنان. أما الأهداف فتتلخص بالآتي:

تنظيم النقاش بين الرؤساء الثلاثة حول ملف التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل في المرحلة المقبلة.
البحث في زيارة مرتقبة للرئيس عون إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وذلك بعد الإرباك الذي سببه كلام ترامب عن لقاء ثلاثيّ مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
البحث في احتمال أن يقوم الرئيس اللبناني بزيارة إلى المملكة السعودية للقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وذلك قبيل سفره إلى واشنطن، بهدف التنسيق حول العناوين السياسية للزيارة والتي تستطيع الدبلوماسية السعودية أن تساعد في تحضيرها من أجل إنجاحها.
العمل على تحقيق توافق وطني على تطبيق اتفاق الطائف كاملاً

مساران تفاوضيّان متوازيان يبحثان الملفّ اللبنانيّ: المسار الأميركيّ – الإيرانيّ بوصف لبنان جزءاً من ساحات الاشتباك الإقليميّ، و”الحزب” بوصفه مكوّناً أساسيّاً من مكوّنات النفوذ الإيرانيّ في المنطقة. المسار اللبنانيّ – الإسرائيليّ الذي فرضته الحرب التي انطلقت في الثاني من آذار الماضي، وقد شهد أمس جولة تحضيريّة ثانية بين سفيرَي لبنان وإسرائيل في واشنطن تمهيداً لانطلاق المفاوضات المباشرة التي تعيد للدولة اللبنانيّة مبادرتها في إدارة ملفّ سياديّ مصيريّ… ومع ذلك، المساران يتقاطعان ويلتقيان، وقد يتكاملان.

لم يكن إدراج رئيس مجلس الشورى الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف الملفّ اللبنانيّ ضمن النقاشات الإقليميّة، بالأمر المستغرب أو المفاجىء، ذلك لأنّ الحرب الأخيرة أظهرت أنّ إيران تمتلك ورقتين فاعلتين أكثر من غيرهما:

1- مضيق هرمز ولو أنّ الأميركيّين عادوا وقوّضوا هذه الورقة من خلال الحصار المفروض على المضيق.

2- “الحزب” بما هو ورقة ضغط على إسرائيل نظراً للتماسّ الجغرافيّ معها الذي يجعل من سلاح “الحزب” أكثر فعاليّة من الصواريخ الإيرانيّة البالستيّة.

بهذا المعنى يصبح بديهيّاً تمسّك الإيرانيّين بالملفّ اللبنانيّ ورفض التخلّي عنه لأنّه يخدم مصالحهم الإقليميّة التي يخوضون معركة الاحتفاظ بها، إذا سمحت لهم ظروف التفاوض، لا سيما أنّ قاليباف اعترف أنّ النقاط العالقة في المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة لا تتعلّق بمضيق هرمز، بل تشمل مطالب إيرانيّة صريحة منها وقف شامل لإطلاق النار في لبنان، وإعلان نهاية الأعمال العدائيّة، وانسحاب كامل لقوّات الاحتلال من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة، إضافة إلى تحرير الأرصدة الإيرانيّة المجمّدة، مشيراً إلى أنّ الولايات المتّحدة لا تزال تعارض هذين البندين.

أكثر من فرضيّة

هكذا قد تقود مفاوضات إسلام آباد في ما خصّ الملفّ اللبنانيّ إلى أكثر من فرضيّة:

– اتّفاق أميركيّ – إيرانيّ مناسب لإسرائيل لأنّ مسألة السلاح ملفّ حيويّ بالنسبة لإسرائيل، وهذا يؤدّي إلى تقييد “السلاح” بشكل يقنع تل أبيب وواشنطن، ويسهم في تعزيز المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة ويسهّل مسارها بعد أن تضع طاولة إسلام آباد الإطار العامّ.

– إخراج الملفّ اللبنانيّ من المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة وتركه معلّقاً بسبب اختلاف مقاربتَي الدولتين، وهو ما قد يعيد إشعال الجبهة اللبنانيّة من جديد، الأمر الذي يهدّد المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بفعل الانقسام الداخليّ الحادّ.

– لا اتّفاق أميركيّاً – إيرانيّاً ولا حرب بينهما فيتّفقا على أن لا يتفقا وأن يديرا نزاع “حصارَي المضيق” بشكل صامت، فيصير الملفّ اللبنانيّ هدفاً للإدارة الأميركيّة لانتزاعه من إيران لأنّه ورقة ضغط مهمّة، والدفع باتّجاه معالجته بشكل جانبيّ عبر المفاوضات المباشرة اللبنانيّة – الإسرائيليّة.

من هنا، تصير مفاوضات إسلام آباد ممرّاً إلزاميّاً يجعل من مشهديّة واشنطن “التمهيدية” في حلقتها الثانية تستهدف الصورة أكثر من المضمون الجوهريّ، ولو أنّ الدولة اللبنانيّة تريد منها أكثر من ذلك، لا سيما وأنّ المطلوب من هذه الاجتماعات هو تثبيت الهدنة، وضع جدول أعمال المفاوضات المباشرة وتحديد مكانها، مع العلم أنّ لبنان يفضل أن تبقى في الولايات المتحدة، كما تفيد المعلومات .

إلّا أنّ تعثّر مفاوضات إسلام آباد يدفع الإدارة الأميركية إلى الاستثمار في المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية والدفع أكثر باتجاه تحقيق خرق نوعي في جدارها. من هنا حرص الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الإشراف شخصياً على الاجتماع التمهيدي الثاني بعد نقل مكانه من الخارجية الأميركية إلى البيت الأبيض.

خطوة مقابل خطوة

في الأثناء حسم رئيس الجمهوريّة جوزف عون هويّة الوفد المفاوض في المحادثات المباشرة، وحصره بالسفير سيمون كرم، فيما ينتظر أن ينضمّ إليه تقنيّون واختصاصيّون حين يتعمّق البحث بالأمور التفصيليّة، كالترتيبات الأمنيّة وتثبيت الحدود. أمّا الجانب الإسرائيليّ فلم يُبلغ حتّى الساعة عن طبيعة وفده وما إذا كان رون ديرمير هو الذي سيرأسه أم لا، فيما عُلم أنّ السفير الأميركيّ في إسرائيل مايك هاكابي سيشارك في الجلسات إلى جانب السفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى.

في الواقع، يحمي الرئيس عون مسألة التفاوض المباشر بصدره، من دون أن يواجَه باعتراض علنيّ أو قاسٍ من جانب رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، وتقول المعلومات إنّ الطرح اللبنانيّ يقضي بالعودة إلى ورقة توم بارّاك التي تقوم على أساس “خطوة مقابل خطوة” لفرض الانسحاب الإٍسرائيليّ مقابل اندفاع لبنان للتحكّم الميدانيّ والتحقّق الكامل عبر “الميكانيزم”، بالتوازي مع السماح للجنوبيّين بالعودة إلى قراهم وإطلاق ورشة إعادة الإعمار.

يقول معنيّون إنّ التطوّرات أثبتت أنّ الإدارة الأميركيّة بدأت تتفهّم موقف السلطة اللبنانيّة وضوابطها وتتجاوب معها وتتبنّاها، الأمر الذي يساعد على تعزيز المسار التفاوضيّ اللبنانيّ – الإسرائيليّ.

اترك تعليق