من الشقيف إلى الشويفات: إسرائيل ترسم حدود التفاوض

قبل أقلّ من 48 ساعة على انطلاق جولة المفاوضات العسكريّة في البنتاغون، تستعجل الآلة العسكريّة والأمنيّة الإسرائيليّة فرض وقائع ميدانيّة واستراتيجيّة جديدة على الطاولة. وإذ تستمرّ تل أبيب في عمليّات القضم الجغرافي جنوبًا، تواصل أيضًا “تصفية الرؤوس” وتفكيك “الشيفرات العمليّاتيّة” التي باتت تُربكها فعلًا. ولعلّ التصعيد العسكري العنيف الذي تنفّذه اليوم يشكّل استباقًا واسع النطاق، يهدف إلى تحصين موقفها التفاوضي قبل أيّ احتمال لفرض وقف سريع لإطلاق النّار من جانب الإدارة الأميركيّة. وجاء إعلان بنيامين نتنياهو بعد الظهر واضحًا: استهدفنا بيروت بعد صور، وعبرنا نهر اللّيطاني، فيما ألمح النّاطق باسم حكومته إلى أنّ الهدف هو التوصّل إلى سلام مع لبنان.

وهذا إقرار صريح بأنّ الجموح العسكري سيُستخدم في مفاوضات واشنطن كورقة ضغط لفرض السّلام وفق المفهوم الإسرائيلي.

وتمثّل العمليّة التي طاولت اليوم منطقة الشويفات، واستهدفت مسؤول الوحدة الصاروخيّة في لواء الحسين التابع لحزب الله، تحوّلًا نوعيًّا في قواعد الاشتباك. فبمعزل عن نجاح العمليّة أو فشلها، فإنّ الحدث في ذاته يمثّل نجاحًا إسرائيليًّا في كسر “الحرمة الأمنيّة” التي تمتّعت بها الضاحية الجنوبيّة ومحيطها طوال الأسابيع الثلاثة الماضية بفعل الفيتو الأميركي المباشر. ووفق تقارير الإعلام العبري، فإنّ العمليّة نُفّذت بعد اتّصالات مكثّفة جرت بين تل أبيب وواشنطن في الأيّام الأخيرة لتحديد “الهامش المتاح” للعمل داخل العاصمة، حيث استبدلت إسرائيل استراتيجيّة “هدم المباني السكنيّة” بـ”التصفيات الجراحيّة المحدّدة” للكوادر والقيادات، وهي الصيغة التي يبدو أنّ واشنطن مرّرتها تحت لافتة “تحييد التهديدات الوشيكة”.

ويأتي استهداف مسؤول “لواء الحسين” بالتزامن مع عاصفة من القلق تبديها الأوساط الأمنيّة الإسرائيليّة، إذ حذّرت صحيفة “معاريف” اليوم من أنّ “الكابوس الآتي إلى إسرائيل من لبنان في طريقه إلى التوسّع، وربّما تظهر المسيّرات في الضفّة وغزّة وفي كلّ مكان”. وتعكس هذه التقديرات حجم الإرباك الفعلي الذي تُحدثه سلاح المسيّرات الانتحاريّة للجيش الإسرائيلي وسكّان الشمال على حدّ سواء. وبناءً على ذلك، تركّز الخطّة الإسرائيليّة الحاليّة على استغلال الساعات المتبقّية قبل المفاوضات لضرب الكوادر التنفيذيّة والتقنيّة الشابّة التي تدير وتطوّر هذه التكنولوجيا، بالتوازي مع عمليّة اغتيال قيادي حركة حماس أمس، لقطع خيوط التنسيق والربط العمليّاتي بين الجبهات.

وأمّا على الأرض، فتتسارع خطّة القضم الجغرافي خارج حدود “الخط الأصفر” السابق، لتأكيد فرضيّة انتقال إسرائيل إلى “المرحلة الثالثة” من عمليّاتها البريّة. وتتعرض مناطق صيدا، الزهراني، النبطية، وإقليم التفاح لضربات عنيفة ومتواصلة تهدف إلى شلّ الحياة في هذه المناطق الحيويّة وعزلها كليًّا عن عمقها.

ويكتسب التشديد العسكري المكثّف على محور شقيف، أرنون أهميّة استراتيجيّة بالغة. فالسيطرة على هذا المرتفع التاريخي تمنح الجيش الإسرائيلي إشرافًا جغرافيًّا كاملًا على مجرى نهر الليطاني ومحيطه، وتؤمّن له نقطة ارتكاز حاكمة تقطع خطوط الإمداد بين البقاع الغربي والجنوب، ما يضع كامل الجغرافيا الجنوبيّة في شدق الآلة الإسرائيليّة.

وتتحرّك إسرائيل برغبة جامحة لإنهاء “المهام الصعبة” على عجل قبل جلسة البنتاغون. فهي تريد الذهاب إلى واشنطن وقد ثبّتت قدمًا بريّة خلف الخط الأصفر عبر محاور أرنون والنبطيّة، ويدًا أمنيّة قادرة على الوصول إلى الشويفات والضاحية.

كلّ ذلك والمأزق اللبناني يتعمّق. ففيما يذهب الوفد المفاوض بلا أوراق قوّة تُذكر، يستمرّ حزب الله برفضه فكرة حصر السلاح بيد الدولة وتفكيك بنيته عسكريًّا، وهذا ما يحرم الحكومة من أيّ مناورة سياسيّة حقيقيّة. والمشهد الراهن يؤكّد أنّ “الخط الأصفر” بات بلا حدود ثابتة.

ما قبل البنتاغون: تفاوض تحت النّار

ليست الغارة على الشويفات تفصيلًا عابرًا في يوميات الحرب، بل رسالة مركّبة التوقيت والمضمون. فهي تأتي قبيل اجتماع أمني في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، وتحديدًا في لحظة تريد فيها تل أبيب أن تقول إنّ الميدان لن ينتظر الطاولة، وإنّ أيّ تفاهم سياسي لن يُصاغ إلّا على قاعدة ميزان قوّة جديد. هنا لا تبدو الضربة مجرّد استهداف أمني محدود، بل جزءًا من هندسة تفاوضية تقوم على رفع الكلفة، وتوسيع الهامش العسكري، ثم الذهاب إلى البنتاغون بخريطة ضغط لا بورقة نقاش.

وقد أعلن المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي أنّ “الجيش هاجم بشكل دقيق في منطقة بيروت”، فيما قدّمت القنوات العبريّة العمليّة باعتبارها محاولة اغتيال لمسؤول في المنظومة الصاروخيّة المرتبطة بحزب الله. أمّا الأهمّ سياسيًا، فهو ما نقلته القناة 13 الإسرائيليّة عن أنّ الغارة جاءت بعد محادثات مكثّفة مع إدارة ترامب. هذا المعطى، إن صحّ، يعني أنّ المسألة لم تعد تتعلّق فقط بقرار إسرائيلي منفرد، بل بهامش أميركي مضبوط يسمح بضربات نوعيّة، ويمنع في الوقت نفسه الانزلاق إلى انهيار كامل لمسار التفاوض.

من هدم الأبنية إلى اصطياد الكوادر

التحوّل الإسرائيلي الأبرز لا يكمن في شدّة النيران وحدها، بل في طبيعة بنك الأهداف. فتل أبيب تنتقل من سياسة الضربات الواسعة التي تحمل أثمانًا سياسيّة عالية، إلى نموذج “الاستهداف الجراحي” للكوادر. وهذا التحوّل ليس إنسانيًّا ولا أخلاقيًّا، بل عمليّاتي بامتياز. إسرائيل تدرك أنّ هدم الأحياء يخلق ضغطًا دوليًا سريعًا، أمّا اغتيال العقول التقنيّة والمشغّلين الميدانيّين فيُنتج نتيجة أمنيّة مباشرة مع كلفة إعلاميّة أقلّ.

بهذا المعنى، فإنّ استهداف مسؤول في وحدة صاروخيّة، أو في منظومة مسيّرات، ليس مجرّد انتقام أو ضربة رمزيّة. إنّه محاولة لكسر سلسلة المعرفة داخل حزب الله، لا سلسلة القيادة فقط. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بعدد القذائف، بل بقدرة الأطراف على إدارة التكنولوجيا، وربط الجبهات، وإخفاء منصّات الإطلاق، وتعديل المسارات، وتشغيل المسيّرات ضمن بيئات معقّدة. لذلك ترى إسرائيل في الكوادر الشابّة والخبرات التقنيّة خطرًا يفوق أحيانًا خطر القادة التقليديّين.

المسيّرات: الكابوس الصغير الذي أربك الجيش الكبير

ما كشفته “معاريف” عن قلق المؤسسة العسكريّة الإسرائيليّة من المسيّرات ليس مجرّد اعتراف تقني بثغرة دفاعيّة، بل إقرار بتبدّل طبيعة التهديد. فإسرائيل التي بنت عقيدتها الدفاعيّة على مواجهة الصواريخ الثقيلة والأنفاق والوحدات النخبوية، وجدت نفسها أمام أجسام صغيرة، رخيصة نسبيًا، ومنخفضة البصمة، قادرة على تجاوز منظومات متقدّمة وإرباك الجبهة الداخليّة.

الخطة الإسرائيليّة ذات الطبقات الثلاث، الاكتشاف، الحماية، الاعتراض، تعكس حجم المشكلة لا سهولة حلّها. فالحديث عن إنذار لا يتجاوز عشرين ثانية يعني أنّ ساحة القتال انتقلت إلى زمن خاطف، وأنّ الجندي أو الطاقم المدرّع لا يملك رفاهيّة المناورة. كما أنّ الاستعانة بخبرات أوكرانيّة، ونشر الشباك الواقية، واستخدام الذخائر المتشظّية، كلّها مؤشرات إلى أنّ إسرائيل لا تتعامل مع حادث عابر، بل مع سلاح مرشّح للتحوّل إلى تهديد استراتيجي متنقّل، من لبنان إلى غزة والضفة وربما الداخل.

لذلك تصبح الضربات على وحدات الصواريخ والمسيّرات مفهومة ضمن سياق أوسع: إسرائيل لا تريد فقط إسكات منصّة إطلاق، بل تريد منع تكاثر نموذج قتالي جديد قد ينسف تفوّقها التقليدي.

الجنوب كخريطة ضغط لا كساحة اشتباك فقط

في الجنوب، تتقدّم العمليّات الإسرائيليّة بمنطق القضم لا الاجتياح الشامل. إخلاءات واسعة، ضربات متواصلة، توغّل شمال “الخط الأصفر”، وضغط على صور والنبطيّة والزهراني. هذه ليست حركة عسكريّة بريئة من السياسة، بل محاولة لإعادة تعريف المنطقة العازلة بالقوّة. فكلّ متر تتقدّم إليه إسرائيل قبل التفاوض يصبح لاحقًا موضع مساومة، وكلّ نقطة مرتفعة تسيطر عليها تتحوّل إلى ورقة أمنيّة في وجه الوفد اللبناني.

وتكتسب منطقة الشقيف أهميّة مضاعفة في هذا السياق. فالاقتراب منها للمرة الأولى منذ 26 عامًا، بحسب الإعلام العبري، ليس تفصيلًا جغرافيًّا. الشقيف عقدة إشراف وتحكّم، ومن يقترب منها يضع عينه على الليطاني، وعلى خطوط الربط بين الجنوب والبقاع الغربي، وعلى قدرة حزب الله على نقل الإمداد والتواصل بين الجبهات. ولهذا تحديدًا، تبدو معركة المرتفعات أخطر من معركة القرى، لأنّها ترسم حدود السيطرة المقبلة.

واشنطن بين كبح الحرب وإدارة نتائجها

المفارقة أنّ واشنطن تبدو في موقع الممسك بالعصا من الوسط. فهي لا تريد انفجارًا شاملًا يعرقل حساباتها الإقليميّة، ولا تريد في الوقت نفسه حرمان إسرائيل من أوراق ضغط قبل التفاوض. لذلك يظهر الدور الأميركي أقرب إلى إدارة الجرعة منه إلى منع التصعيد. يُسمح بضربات محدّدة، ويُكبح استهداف واسع لبيروت والضاحية، وتُفتح نافذة تفاوض عسكري في البنتاغون، بينما يبقى الميدان مشتعلًا بالقدر الذي يخدم الطاولة ولا يفجّرها.

أمّا لبنان، فيدخل هذه الجولة من موقع ضعيف. الوفد العسكري سيعرض، وفق التسريبات، ضرورة وقف إطلاق النار وخطة الجيش لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة. لكنّ المشكلة أنّ الدولة لا تفاوض من موقع احتكار القرار الأمني، بل من موقع الانقسام بين الشرعيّة والسلاح. هنا تكمن الثغرة البنيويّة: لا تستطيع الحكومة أن تقدّم ضمانات كاملة، ولا يستطيع حزب الله أن يمنح الدولة هامش مناورة حقيقيًّا، فيما تستثمر إسرائيل هذا التناقض إلى أقصى حدّ.

سلام إسرائيلي أم تسوية تحت الإكراه؟

حين يقول المتحدّث باسم الحكومة الإسرائيليّة إنّ تل أبيب تعمل مع الحكومة اللبنانيّة للتوصّل إلى اتفاق يحقّق السلام، فإنّ العبارة لا تحمل معناها الدبلوماسي التقليدي. السلام هنا ليس مشروع مصالحة، بل صيغة أمنيّة قسرية تريد إسرائيل فرضها بعد إنهاك الميدان. إنّه سلام مشروط بحرية العمل العسكري، وبإضعاف حزب الله، وبنزع قدرة الجنوب على تهديد الشمال الإسرائيلي.

ولهذا يبدو كلام نتنياهو عن ضرب بيروت بعد صور، وعبور الليطاني، جزءًا من خطاب موجّه إلى أكثر من جمهور. للداخل الإسرائيلي، يريد أن يثبت أنّه يستعيد الردع. لواشنطن، يريد أن يقول إنّ أيّ تفاوض يجب أن يعترف بما حقّقته القوّة. وللبنان، يريد أن يرسم معادلة واضحة: إمّا ضبط السلاح وفق الشروط الإسرائيليّة، وإمّا استمرار توسّع النار.

خطّ أصفر بلا نهاية واضحة

الخلاصة أنّ إسرائيل لا تذهب إلى البنتاغون لتتراجع، بل لتثبّت ما تقدّمت إليه. ولا تدخل المفاوضات بوصفها بديلًا عن الحرب، بل بوصفها امتدادًا لها بأدوات أخرى. أمّا لبنان، فيواجه أخطر اختبار منذ اتساع المواجهة: هل يستطيع تحويل وقف إطلاق النار إلى مدخل لاستعادة القرار، أم يتحوّل الوقف نفسه إلى اعتراف بحدود جديدة رسمتها النيران؟

ما يجري اليوم لا يشبه جولة تصعيد عابرة. إنّه صراع على قواعد اليوم التالي، وعلى معنى السيادة، وعلى مَن يملك حقّ تعريف الأمن في الجنوب. وبين غارة الشويفات، وضغط الشقيف، وقلق المسيّرات، وطاولة البنتاغون، يتّضح أنّ “الخط الأصفر” لم يعد خطًا على الخريطة، بل صار معركة مفتوحة على مستقبل لبنان وحدوده ودولته.

اترك تعليق