تعلن إيران أنّ مذكّرة التفاهم المزمع إبرامها مع الولايات المتّحدة تشمل بنداً يربط وقف الحرب على إيران بوقفها في لبنان. لا بدّ من تصديق الكشف الإيرانيّ، فهو ليس سبقاً، بل إعلان متكرّر لما سبق ترداده على منابر طهران ولسان مسؤوليها. يُستبعد أن تكون للبند أهمّيّة بنيويّة مهدِّدة بسقوط المذكّرة. لا يضير واشنطن تمرير ذلك البند، ولا يضير إسرائيل التزامه، ويتمّ لاحقاً التحلّل منه “لاعتبارات أمنيّة إسرائيليّة”. طبعاً لن تستأنف طهران حرباً تستأنفها إسرائيل ضدّ ذراعها في لبنان.
وجب على لبنان التعويل على تلك المذكّرة من أجل كسب قرار بوقف إطلاق النار، حتّى لو كان مؤقّتاً ركيكاً، لم تستطع المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة المباشرة، السياسيّة ثمّ العسكريّة، الحصول عليه، ولا أحد تخيّل إمكان ذلك. إذا ما كان من المحتمل أن تتّفق طهران وواشنطن على تمرير البند، وبالتالي إلزام “الحزب” وإسرائيل باحترام مفاعيله، فعلى لبنان أن يزعم تصديق الأمر والإيمان بنهائيّته والتموضع وفق واقعه.
يعني ذلك أن تتقدّم الدولة بصفتها دولة لتكون دولة. لم تُظهر دولتنا كفاءة أو حتّى إيماناً بأنّها الجهة السياسيّة القانونيّة الوحيدة الممثّلة للبلد، ومن مهامّها احتكار العنف وفق الأبجديّات البديهيّة لتعريف الدولة. بدا التفاوض، الذي قرّرته مبادرة الرئيس جوزف عون في آذار الماضي، ودعمته حكومة الرئيس نوّاف سلام وطيف واسع غالب من الطبقة السياسيّة اللبنانيّة، مجرّداً من أيّ خطاب سياسيّ مواكب يحرّض البلد على دعم دولته ومسعاها، وفاقداً لأدوات ردّ التهويل والتهديد والتخوين التي بدت أكثر كفاءة في تسجيل اختراقات مضادّة.
خارج العواصم الأربع؟
ظهر خجلٌ وشعور بالحرج في تنفيذ قرار لدولتنا تتحمّل مسؤولية نجاحه وفشله، وظهرت ركاكة وارتجال وغياب عناوين بارزة واضحة مقدامة تؤسّس لهذا التمرين، علاوة على أنّ تلك الأعراض أفقدت العامّة شعوراً بأنّ الدولة تعرف ماذا تفعل، وأنّ لديها من المعطيات على المستوى اللبنانيّ والإقليميّ والعربيّ والدوليّ ما يجعل خطاها محسوبة وفق خريطة طريق واثقة.
إذا ما قرّرت واشنطن بالتفاهم مع إيران وقف الحرب في لبنان، فإنّ الأمر يوفّر فرصة لإعلاء أمر الدولة في تثبيت السلم (وقف إطلاق النار) والدفاع عنه واستخدام الأدوات، حتّى الغليظة، لمنع تقويضه. إذا ما اعتبرت الإدارة الأميركيّة، بشخص الرئيس دونالد ترامب، الذي تقصّد استضافة ورعاية الجلسة الثانية من المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة في “بيته” (الأبيض)، أنّ الملفّ بات لبنانيّاً-إسرائيليّاً مستقلّاً عن ملفّ إيران، يُفترض بدولتنا تعظيم مهمّاتها وانتهاز فرصة التعويل على جدّيّة نادرة لواشنطن، وبضغط من قبل كلّ أصدقاء لبنان في الدوائر القريبة والبعيدة، لضبط إسرائيل وإلزامها وإلزام رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بتجميد الجبهات على الأقلّ لمصلحة المباحثات داخل قاعات التفاوض.
حين خرج قادة إيران قبل أشهر يفاخرون بربط وقف إطلاق النار في إيران بوقف الحرب في لبنان من ضمن ورشة تفاوض بين واشنطن وطهران، غضب “الحزب” من موقف للرئيس سلام يعلن فيه، في نيسان الماضي، أن “لا أحد يفاوض عن لبنان سوى الدولة اللبنانيّة”. نجح لبنان بمبادرة الرئيس عون وبدعم من الإدارة الأميركيّة في حسم يشبه الحزم في فصل ملفّ لبنان عن ملفّ إيران.
استطاعت بيروت-الدولة أن تثبت للّبنانيّين أوّلاً، ثمّ العالم (لا سيّما العربيّ)، أنّها لم تعد من ضمن العواصم الأربع التي كانت إيران قد تفاخرت بالسيطرة عليها. صحيح أنّ قرار التفاوض المباشر يمكّن الدولة، وفق موقف الرئيسين عون وسلام، من فصل جبهة لبنان عن جبهة إيران، لكنّ الأمر يبقى “موقف مبدئي” ، بعلم واشنطن وبيروت والعواصم الصديقة المعنيّة، ما دام قرار الحرب والسلم في لبنان تملكه طهران، وستملكه أكثر إذا ما مرّرت مذكّرة التفاهم “إرادة” إيرانيّة لوقف الحرب في لبنان.
الدّولة مطالَبة بلعب دورها
لكنّ ذلك الواقع ليس عذراً للدولة للخضوع لمفاعيله. هو مناسبة تقوم فيها الدولة بانتزاع واقع مضادّ يقوّض نظريّة “ربط الساحات”، ويدفع عن استقلال دولة لبنان أيّة رياح مضادّة قد تنفخ بها صفقة قد تكون خبيثة بين واشنطن وطهران. إذا ما كان “لا شيء يعلو فوق صوت المعركة”، فإنّ وقف إطلاق النار، مهما كان شكليّاً أو ظرفيّاً أو مؤقّتاً، هو مفترق يستدرج أن تمارس الدولة تمارين جريئة جديدة تثبت فيها ما يمكن أن يكون طموح أن “لا يعلو صوت فوق صوت الدولة والقانون والدستور”.
يتحوّل هذا العالم باتّجاه نفخ الرياح التي تدفع أشرعة الدولة في لبنان. تواكب العواصم القريبة والبعيدة عن كثب الورشة اللبنانيّة المُتّفق على دعمها شرط أن تُظهر الدولة، ليس بالضرورة كامل قوّتها وإرادتها، بل سعيها الجدّيّ الآيل إلى أن تكون قادرة في كلّ الواجهات التي تمارس فيها الدولة دورها. إذا ما كان حِمْل ذلك ثقيلاً وتمرين ممارسة الدولة جديداً، فإنّ على بصيرة بيروت إدراك قواعد الاستعانة برموز المشهدين الإقليميّ والدوليّ، وتفكيكها وفهم الممكن والصعب والمستحيل منها.
















