بين سويسرا وواشنطن، يتأرجح الملف اللبناني بين مسارين متوازيين: الأول تقوده المفاوضات الأميركية – الإيرانية، والثاني يتمثل بالمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية. وبين من يعمل على تثبيت وقف إطلاق النار ومن يسعى إلى ترجمة أي تفاهمات على أرض الواقع، يبقى لبنان في صلب التوازنات الإقليمية والدولية. تؤكد مصادر في حزب الله لـِ “المدن” أن إيران متمسكة بالحزب في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى، وأنها تعمل على تضمين أي تفاهم مع الولايات المتحدة بندين أساسيين: وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة. وفي هذا الإطار، وصلت إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري رسائل إيرانية تؤكد أن طهران لن تتخلى عن الملف اللبناني ولن تفصله عن مسار التفاوض القائم مع واشنطن. في المقابل، تشير المعطيات إلى أن بري يبدي ليونة أكبر حيال المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية مقارنةً بمراحل سابقة، خصوصًا بعد اجتماعه الأخير مع السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى. وعلى الرغم من تحفظه التقليدي على مبدأ التفاوض المباشر، فإنه لا يعارض أي مسار من شأنه أن يؤدي إلى وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني. كما يحرص على إبقاء تنسيقه قائماً مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، ناقلًا ملاحظاته ومقاربته لملف التفاوض عبر القنوات المعتمدة. وتفيد معلومات “المدن” بأن السفير ميشال عيسى، الموجود في واشنطن لمناسبة زفاف نجله، سيشارك في جلسات المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية قبل أن يعود إلى بيروت لمتابعة نتائجها وترجمتها سياسيًا.
المسار الإيراني – الأميركي أسرع
وفق مصادر متابعة، يبدو أن المفاوضات الأميركية – الإيرانية تسير بوتيرة أسرع من المسار اللبناني – الإسرائيلي، وتمارس ضغطًا أكبر على إسرائيل في ما يتعلق بالملف اللبناني. فطهران لا تطرح فقط تثبيت وقف إطلاق النار، بل تدفع أيضًا نحو انسحاب إسرائيلي من الجنوب، وهو المطلب الذي يراهن عليه بري كذلك.
ويحظى هذا المسار بدعم أطراف عدة، من بينها الولايات المتحدة وإيران وقطر وباكستان، فيما تلعب الدوحة دورًا داعمًا لأي تفاهم ينعكس إيجابًا على الاستقرار في لبنان. ورغم رهانه على المسار الإيراني – الأميركي، لا يغلق بري الباب أمام أي فرصة قد تحقق أهدافه الأساسية، أي وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق، يتعامل بمرونة مع التحرك الأميركي، انطلاقًا من حرصه على عدم فصل لبنان عن مسار الدولة ومؤسساتها.
وفد عسكري لبناني في واشنطن
بالتوازي مع ذلك، وصل الوفد العسكري اللبناني إلى واشنطن مزودًا بخرائط وخطط تتعلق بإعادة انتشار الجيش في المناطق الجنوبية، وهي خطط كان قد أعدها سابقًا قبل تجدد التصعيد لكنه عدّل عليها بما يتناسب مع المتغيرات الحاصلة.
وتؤكد مصادر عسكرية لـِ “المدن” أن الوفد سيشارك في الاجتماعات الثلاثة المرتقبة، مع احتمال عقد جلسات مشتركة تضم ممثلين عن الجانبين السياسي والعسكري. وتشدد المصادر على أن موقف الجيش لا يزال ثابتًا لجهة عدم القيام بأي خطوات ميدانية جديدة قبل التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي كامل من الجنوب.
الدور الأميركي وحدود الضغط على حزب الله
منذ تسلمه منصبه، بات السفير الأميركي ميشال عيسى يمسك بمعظم تفاصيل الملف اللبناني، سواء على مستوى المفاوضات أو التنسيق بين واشنطن وبيروت. وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن عيسى يحاول نقل صورة دقيقة عن الواقع اللبناني إلى الإدارة الأميركية، مع إدراكه أن أولوية واشنطن تبقى الحد من النفوذ الإيراني في لبنان. وتشير مصادر دبلوماسية أميركية مطلعة إلى أن فكرة فتح قنوات تواصل أميركية مع حزب الله في مراحل لاحقة ليست مستبعدة بالكامل، انطلاقًا من مقاربة تعتمدها بعض الإدارات الأميركية تقوم على استيعاب القوى المؤثرة عندما يتعذر تجاوزها أو إلغاؤها. إلا أن هذا الطرح لا يزال في إطار التقديرات السياسية وليس ضمن أي مسار رسمي معلن. وحول التواصل الذي حصل بين موفد من حزب الله والادارة الاميركية في واشنطن، تقول مصادر دبلوماسية إنَّ عيسى لم يكن في جو هذا الاتصال ولذا لا يعطي تفاصيل حول هذا الأمر.
عقدة “المناطق التجريبية”
يبرز بند “المناطق التجريبية” كأحد أبرز الملفات المطروحة على جدول أعمال مفاوضات واشنطن. وبحسب الطرح المتداول، تقوم الفكرة على تنفيذ خطوات متدرجة ومتبادلة في مناطق محددة من الجنوب:
* الاتفاق على منطقة تجريبية بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل.
* انسحاب إسرائيل من هذه المنطقة.
* انتشار الجيش اللبناني فيها.
* إزالة أي سلاح غير شرعي أو تهديدات أمنية تحت إشراف ومراقبة أميركية.
* الانتقال لاحقًا إلى مناطق أخرى وفق مبدأ “خطوة مقابل خطوة”.
وترى الولايات المتحدة وإسرائيل أن هذا النموذج يوفر ضمانات أكبر من الحلول الشاملة، استنادًا إلى تجربتهما السابقة مع القرار 1701.
وقد تكون المناطق التجريبية ضمن المنطقة الصفراء التي احتلتها اسرائيل وذلك للتأكد من خلوها من الاسلحة كما انها قد تكون في مناطق اخرى لم يصل اليها الجانب الإسرائيلي لكنه يعتبر انها تحتوي على بنى تحتية تابعة لحزب الله.
في المقابل، يرفض حزب الله هذه الصيغة بشكل قاطع، معتبرًا أنها تفرض شروطًا خارجية على لبنان وقد تعرقل عودة أهالي الجنوب إلى قراهم. كما تشير المعلومات إلى أن بري أبلغ السفير عيسى رفضه لفكرة المناطق التجريبية، مفضّلًا اعتماد مقاربة قائمة على الأقضية الإدارية بدل المناطق المحددة أمنيًا. وخلال سلسلة اجتماعات بين مستشاره علي حمدان والسفير عيسى، جرى البحث في صيغ بديلة قد تساهم في تحقيق تقدم في ملف الانسحاب الإسرائيلي. وتشير المعطيات إلى أن رئيس الجمهورية جوزاف عون أبدى تأييدًا لمقاربة بري في هذا الشأن خلال المشاورات الجارية بين الجانبين.
قنوات التواصل بين بعبدا وحارة حريك وعين التينة
على المستوى الداخلي، تستمر الاتصالات بين بعبدا وحارة حريك عبر أكثر من قناة. وتفيد معلومات “المدن” بأن المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير يتولى دورًا أساسيًا في تقريب وجهات النظر بين رئاسة الجمهورية وحزب الله، فيما لا تزال قنوات التواصل بين المستشارين قائمة وإن بوتيرة أقل من السابق.
كما تشير المعلومات إلى أن النائب إبراهيم كنعان حاول لعب دور وساطة بين الطرفين، بعد تعيين النائب حسن فضل الله للتواصل مع بعبدا، إلا أنه تلقى رسائل من أوساط أميركية تنصحه بعدم الانخراط في هذا المسار.
أما بين عين التينة وبعبدا، فتستمر اللقاءات والاتصالات بين المعاون السياسي للرئيس بري النائب علي حسن خليل ومستشار الرئيس العميد ديدي رحال بهدف الحفاظ على التنسيق السياسي وعدم انقطاع التواصل.
ومع ذلك، تستبعد المصادر عقد لقاءات قريبة بين الرئيس بري والرئيس عون، أو بين قيادة حزب الله ورئيس الجمهورية، في ظل استمرار التباينات حول ملفات أساسية، وفي مقدمتها مقاربة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية وآليات إدارتها.
















