ليس كلُّ امتناعٍ عن التصعيد تنازلًا، وليس كلُّ تحرّكٍ أمام الأمم المتحدة خصومةً قضائيّة. بين هاتين القاعدتين يقع الجدل الذي أثاره البند الثالث عشر من الاتفاق الإطاريّ بين لبنان وإسرائيل، ولا سيّما بعدما اختتم نائب رئيس الحكومة طارق متري زيارةً لجنيف، حمل خلالها ملفّ الاعتداءات الإسرائيليّة إلى مؤسّسات حقوق الإنسان والمنظّمات الإنسانيّة الدوليّة.
فالبند، وفق النصّ الوارد في الاتفاق، يربط التزام الطرفين بوقف الأعمال العدائيّة أو المناوئة في المحافل السّياسيّة والقانونيّة الدوليّة بهدفٍ معلن، هو “إقامة علاقات مستقرّة وسلميّة”، ويضع هذا الالتزام في إطار تدابير قائمة على حسن النيّة، تشمل أيضًا البحث عن الرفات وإعادتها، والإفراج عن المحتجزين.
لكنّ السؤال الذي يتقدّم اليوم على ما عداه هو: هل تحوّل هذا النصّ إلى قيدٍ يمنع لبنان من عرض الانتهاكات الإسرائيليّة أمام المؤسّسات الدوليّة؟ وهل أصبحت الدبلوماسيّة الحقوقيّة، بموجب الاتفاق، فعلًا عدائيًّا؟ أم أنّ البند يعلّق بعض صور المواجهة القانونيّة والسياسيّة ما دام المسار السلميّ قائمًا، من دون أن يُسقط حقّ لبنان في التوثيق والمحاسبة؟
جنيف ليست محكمة
في زيارته لجنيف، التقى متري المفوّض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، ورئيسة اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر ميرجانا سبولياريتش إيغر، ورئيسة المنظّمة الدوليّة للهجرة إيمي بوب، والمفوّض السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح، الذي تسلّم مهمّاته في مطلع عام 2026. كما شارك في جلسة لمجلس حقوق الإنسان، وعرض تداعيات الاعتداءات الإسرائيليّة على المدنيّين والبنى التحتيّة، وتحدّث عن التوثيق، وحماية المدنيّين، واحترام القانون الدوليّ الإنسانيّ، ومتابعة ملفّ الأسرى اللبنانيّين، إلى جانب ملفّ النازحين السوريّين وعودتهم الآمنة والكريمة.
هذه الوقائع، في ذاتها، لا تشكّل دعوى قضائيّة، ولا إحالةً إلى محكمة دوليّة، ولا طلبًا لإصدار مذكّرات توقيف، ولا شكوى خصوميّة بالمعنى الإجرائيّ الدقيق. فاللقاء مع مفوّض حقوق الإنسان، أو التعاون مع الصليب الأحمر، أو عرض تقرير أمام مجلس حقوق الإنسان، يدخل في نطاق العمل الدبلوماسيّ والحقوقيّ والإنسانيّ الاعتياديّ للدولة.
وعليه، فإنّ اعتبار زيارة متري خرقًا تلقائيًّا للبند الثالث عشر يحتاج إلى توسّعٍ شديد في تفسير عبارة “الأعمال العدائيّة أو المناوئة”، بحيث تصبح مجرّد الإشارة إلى الانتهاكات عملًا عدائيًّا. وهذا تفسير لا ينسجم بسهولة مع طبيعة قواعد القانون الدوليّ الإنسانيّ، التي تفترض أصلًا إمكان رصد الانتهاكات وتوثيقها، ولا مع واجب الدولة في حماية مواطنيها وجمع الأدلّة المتعلّقة بالاعتداءات الواقعة على أراضيها.
البند المشروط لا يصنع حصانة
تقول المحامية السابقة في المحكمة الجنائيّة الدوليّة والخبيرة في القانون الدوليّ ديالا شحادة إنّ “زيارة متري لا تتعارض إطلاقًا مع البند الثالث عشر، إذ لا تتضمّن أيّ إجراء يندرج في إطار متابعة الملاحقات المتعلّقة بالجرائم الإسرائيليّة المرتكبة في لبنان، ولا أيّ شكوى ذات طابع سياسيّ أو قانونيّ”.
وتضيف أنّ “هذه الزيارة، وكذلك أيّ تصريح يصدر عن أيّ مسؤول لبنانيّ، لا يدخلان ضمن نطاق البند الثالث عشر، الذي يقصد تحديدًا الشكاوى أو الملاحقات القضائيّة والسياسيّة”.
التمييز هنا أساسيّ. فثمّة فارق بين توثيق انتهاك، أو المطالبة بحماية المدنيّين، أو طلب زيارة أسرى، وبين إطلاق مسار قضائيّ خصوميّ يرمي إلى تحميل الطرف الآخر مسؤوليّة دوليّة أو جنائيّة. الأوّل يحفظ الوقائع والحقوق، أمّا الثاني فيباشر المواجهة القانونيّة.
وتشرح شحادة أنّ الاتفاقات التي تُبرم خلال النزاعات أو في المراحل الانتقاليّة قد تتضمّن تعليقًا لبعض أدوات المواجهة السياسيّة أو القضائيّة، من دون أن يعني ذلك التنازل النهائيّ عنها. وقد ظهرت، وفق قولها، ترتيبات مماثلة في نزاعات دوليّة متعدّدة، كما في بعض مراحل التوتّر بين إيران والولايات المتحدة، وفي اتفاقات الانتقال من الاستعمار الفرنسيّ إلى التسويات السياسيّة، ومنها الحالة الجزائريّة.
وتقول: “في هذه الحالات، يكون تعليق بعض الإجراءات مرتبطًا بمرحلة محدّدة وبهدف واضح، ولا يتحوّل تلقائيًّا إلى تنازل دائم أو مطلق. ويُفهم من ذلك أنّ مثل هذا البند يُعتمد عادةً لتنظيم المرحلة الانتقاليّة وتهيئة الظروف للحوار، لا لإغلاق الباب نهائيًّا أمام القضاء أو المحاسبة”.
وبهذا المعنى، لا ينبغي قراءة البند الثالث عشر منفصلًا عن مقدّمته. فالتزام الامتناع ورد “تماشيًا مع الأهداف المشتركة الرامية إلى إقامة علاقات مستقرّة وسلميّة”. أي إنّ الالتزام ليس قائمًا في الفراغ، بل محمول على غاية، ومشروط بوجود مسار فعليّ نحو الاستقرار، وباتخاذ الطرفين، لا طرفٍ واحد، تدابير قائمة على حسن النيّة.
كما أنّ البند الثالث عشر يستند إلى مبدأ قانونيّ مركزيّ هو حسن النيّة. وهذا المبدأ لا يعمل في اتجاه واحد، بل يفترض تنفيذ الالتزامات بصورة متبادلة، Reciprocal Performance، ومن دون إساءة استعمال النصّ أو تحوير غايته. ويحضر هنا مبدأ Pacta Sunt Servanda، أي “العقود يجب أن تُحترم”، لكنّ هذا المبدأ لا يعني تنفيذ الاتفاق بصورة عمياء أو منفصلة عن شروطه وغايته. فالاتفاق يُلزم طرفيه ما دام قائمًا على التنفيذ المتبادل، لا على مطالبة طرف واحد بالامتناع، فيما يواصل الطرف الآخر الأفعال التي أُبرم الاتفاق أصلًا لوقفها. كما يحضر مبدأ Exceptio Non Adimpleti Contractus، أي الدفع بعدم تنفيذ الالتزام بسبب امتناع الطرف المقابل عن تنفيذ التزامه. وبالقياس السياسيّ والقانونيّ، لا يمكن مطالبة لبنان بالتقيّد الدائم بالامتناع عن المواجهة القانونيّة، إذا ثبت أنّ إسرائيل أخلّت بالتزاماتها واستمرّت في الاعتداءات التي تناقض الهدف الأساسيّ للاتفاق.
ماذا لو استمرّت الاعتداءات؟
هنا تظهر المعضلة الحقيقيّة. فإذا كان لبنان مطالبًا بوقف المواجهة السياسيّة والقانونيّة الدوليّة، فيما تستمرّ إسرائيل في اعتداءاتها أو احتلالها أو احتجازها لبنانيّين، فهل يبقى الالتزام اللبنانيّ قائمًا بصرف النظر عن سلوك الطرف الآخر؟
ترفض شحادة هذا التفسير، وتقول: “لا يُشترط أن يكون الطرفان متساويين في القوّة حتّى يكون الاتفاق صحيحًا أو قابلًا للتنفيذ. فقد أُبرمت بعد الحربين العالميّتين اتفاقات بين دول متفاوتة القوّة بصورة كبيرة. غير أنّ نجاح أيّ اتفاق يظلّ مشروطًا بتنفيذه بحسن نيّة من الطرفين، لأنّ الاتفاق الذي لا يُطبّق بصورة سليمة ومتبادلة يفقد أساسه العمليّ والقانونيّ”.
وتتابع: “يجب فهم البند الثالث عشر في سياقه الكامل، وفي ضوء مقدّمته التي تنصّ على التزام الطرفين بالأهداف المشتركة الرامية إلى إقامة علاقات مستقرّة وسلميّة. وانطلاقًا من ذلك، يندرج هذا البند ضمن مسار البحث عن حلول للنزاع اللبنانيّ، الإسرائيليّ، ووضع حدّ للجرائم والانتهاكات الإسرائيليّة في لبنان من خلال الوسائل السلميّة والدبلوماسيّة”.
وبطبيعة الحال، يفترض هذا المسار، ما دام قائمًا بجدّية، الامتناع عن التصعيد العسكريّ والسياسيّ والقضائيّ. لكنّ شحادة تشدّد على أنّ ذلك “لا يعني حرمان لبنان بصورة مطلقة من حقّه في تقديم شكاوى أو اتخاذ إجراءات سياسيّة وقانونيّة، ولا سيّما عندما يتبيّن أنّ الأهداف المشتركة التي يقوم عليها هذا البند قد جرى تقويضها”.
وتضيف: “إذا أخلّت إسرائيل بالاتفاق، ولم تُظهر من خلال أفعالها التزامًا حقيقيًّا بإقامة علاقات مستقرّة وسلميّة، يصبح لبنان متحرّرًا من التزامه بالامتناع عن محاسبتها سياسيًّا وقانونيًّا”.
هكذا، لا يعود السؤال: هل يمنع البند لبنان من الشكوى؟ بل: متى، وتحت أيّ شروط، يكون الامتناع عن الشكوى واجبًا؟ ومتى يسقط هذا الامتناع بسبب الإخلال المقابل؟
لا تنازل نهائيًّا عن الحقوق
في القانون، تكتسب الألفاظ قيمتها من سياقها وغرضها. والبند الثالث عشر لا يقول، بحسب صيغته المتداولة، إنّ لبنان “يتنازل” عن حقوقه أو “يُسقط” مطالباته، بل يتحدّث عن التزام باتخاذ تدابير قائمة على حسن النيّة، وعن وقف الأعمال العدائيّة أو المناوئة، تحقيقًا لهدف الاستقرار.
تقول شحادة: “لا يجوز تفسير هذا البند على أنّه تنازل مطلق ونهائيّ من الدولة اللبنانيّة عن حقوقها القانونيّة، بل هو التزام مشروط باستمرار الإرادة المشتركة، وترجمتها إلى أفعال ملموسة، لا إلى مجرّد تصريحات، بهدف الحفاظ على الاستقرار ومنع الأعمال العدائيّة والاعتداءات العسكريّة بين الطرفين”.
وتضيف أنّ “هذا البند يتعلّق بالتزامات الحكومتين، ولا يمتدّ إلى حقوق الأفراد أو إلى حقّهم في المطالبة بالتعويض أو اللجوء إلى القضاء. وهو لا يشكّل تنازلًا نهائيًّا لا يمكن الرجوع عنه، بل يرتبط بشرط استمرار الالتزام المتبادل بمقتضياته”.
وهذه نقطة بالغة الحساسيّة. فحتى لو التزمت الحكومة، سياسيًّا، بتعليق بعض خطواتها، لا يعني ذلك بالضرورة إسقاط حقوق الضحايا والأسر وذوي القتلى والصحافيّين المصابين، أو منعهم من مراجعة القضاء اللبنانيّ أو أيّ جهة دوليّة تمنحهم صفةً قانونيّة للتقاضي.
وتقول شحادة: “تبقى للأفراد، في جميع الأحوال، حقوقهم في اللجوء إلى القضاء والمطالبة بالتعويض. ويشمل ذلك التقاضي أمام القضاء اللبنانيّ، لأنّ حقوق الأفراد لا تسقط تلقائيًّا بموجب اتفاق سياسيّ تعقده الحكومة، كما يمكنهم اللجوء إلى جهات القضاء الدوليّ متى كانت القواعد الناظمة لها تمنحهم الصفة والمصلحة اللازمتين”.
التوثيق ليس عملًا عدائيًّا
حتى في أشدّ القراءات تقييدًا للبند، يبقى التوثيق منفصلًا عن الملاحقة. فجمع صور الأقمار الاصطناعيّة، وتقارير المستشفيات، وشهادات الناجين، وسجلّات الاتصالات، وإحداثيّات المواقع، وتقارير الطبّ الشرعيّ، وبقايا الذخائر، وأسماء الوحدات العسكريّة أو المسؤولين المحتملين، لا يساوي تقديم دعوى.
بل إنّ الامتناع عن التوثيق قد يؤدّي إلى ضياع الحقّ، لأنّ الأدلّة تتلف، والمواقع تتغيّر، والشهود يتفرّقون، والذاكرة تضعف. ويمكن للبنان، من دون الدخول فورًا في مواجهة قضائيّة، إنشاء قاعدة بيانات وطنيّة موحّدة، وتكليف جهة مستقلّة بحفظ الأدلّة وفق معايير السلسلة الجنائيّة، وتوثيق هوية جامعي الدليل، ومكانه، وتاريخه، وطريقة حفظه، بما يضمن إمكان استخدامه لاحقًا.
ويمكن كذلك الاستمرار في التعاون مع مفوّضيّة حقوق الإنسان، واللجنة الدوليّة للصليب الأحمر، والآليّات الخاصّة التابعة للأمم المتحدة، والمنظّمات المهنيّة والحقوقيّة، شرط الفصل الواضح بين الرصد والتوثيق من جهة، واتخاذ قرار الملاحقة من جهة أخرى.
فالاتفاق قد يعلّق الضغط، لكنّه لا يُلزم الدولة بمحو الذاكرة. وقد يؤجّل الدعوى، لكنّه لا يفرض إتلاف ملفّها.
المحكمة الجنائيّة: الفرصة التي تراجعت عنها الحكومة
يتّصل الجدل الحاليّ بمسار سابق يعود إلى عام 2024، حين وافقت الحكومة اللبنانيّة على خطوة تتعلّق بقبول اختصاص المحكمة الجنائيّة الدوليّة بشأن جرائم ارتُكبت على الأراضي اللبنانيّة بعد السابع من تشرين الأوّل، قبل أن تعدّل قرارها وتحذف الفقرة المتّصلة بقبول الاختصاص. وقد تناول تقرير “المدن” يومها هذا التراجع، ولا سيّما في ما يتعلّق بقتل الصحافيّين عصام عبدالله وربيع المعماري وفرح عمر.
لبنان ليس دولةً طرفًا في نظام روما الأساسيّ، لكنّ المادة 12، الفقرة الثالثة، تتيح لدولة غير طرف أن تقبل اختصاص المحكمة بإعلان خاصّ يتعلّق بجرائم أو فترة زمنيّة محدّدة. وقد قبلت المحكمة إعلانات مماثلة من دول غير أطراف، ويؤكّد موقعها الرسميّ استمرار العمل بهذه الآليّة، كما حصل في الحالة الليبيّة في عام 2025.
والمستند المرفق يشرح أنّ اختصاص المحكمة يتطلّب توافر الاختصاص النوعيّ والزمنيّ والإقليميّ، وأنّ الدولة غير الطرف تستطيع إيداع إعلان قبول بموجب المادة 12، الفقرة الثالثة.
كما يعتبر المستند أنّ إعلان القبول لا يرقى، من حيث طبيعته، إلى معاهدة دوليّة تستوجب آليّة التصديق نفسها، ويعرض إمكان صدوره، وفق الرأي القانونيّ الوارد فيه، بقرار حكوميّ وإيداعه لدى مسجّل المحكمة.
وتقول شحادة في هذا السياق: “في عام 2024، اتخذت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي قرارًا بالموافقة على قبول اختصاص المحكمة الجنائيّة الدوليّة للنظر في الجرائم الإسرائيليّة المرتكبة في لبنان بعد السابع من تشرين الأوّل، ولا سيّما في قضيّة استشهاد الصحافيّ عصام عبدالله وسقوط ضحايا آخرين نتيجة الاعتداءات الإسرائيليّة”.
وتضيف: “إلّا أنّ الحكومة عادت، بعد نحو شهر، وتحت ضغوط سياسيّة، فتراجعت عمليًّا عن هذا القرار. ولم يُعلن التراجع بصورة صريحة، بل جرى تعديل القرار السابق وحذف الفقرة المتعلّقة بقبول اختصاص المحكمة الجنائيّة الدوليّة”.
وتشدّد على ضرورة التمييز بين قرارين: “القرار الأوّل الذي تضمّن الإشارة إلى تقرير المنظّمة الهولنديّة والقبول باختصاص المحكمة الجنائيّة الدوليّة، ثمّ القرار اللاحق الذي ورد فيه تعديل للقرار السابق. وقد أدّى هذا التعديل إلى حذف الفقرة الخاصّة بقبول الاختصاص، ما شكّل تراجعًا فعليًّا عن القرار، وإن لم يُسمَّ رسميًّا أو صراحةً تراجعًا”.













