انتهاء مهلة الستين يوماً: 3 سيناريوهات بين إيران وأميركا

تنتهي اليوم الاثنين 17 أغسطس/آب مهلة الستين يوما التي حددتها مذكرة تفاهم إسلام آباد للتوصل إلى اتفاق نهائي بين إيران والولايات المتحدة، لكن هذه المدة لم تشهد هدوءا مستقرا.

فبعد توقيع المذكرة وتوقف العمليات مؤقتا، عادت الاشتباكات والقصف المتبادل، قبل أن تتراجع حدة المواجهة مجددا، بينما انتقلت التحركات الدبلوماسية إلى مفاوضات جديدة بين إيران وسلطنة عُمان بشأن ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز.

وخلال الأسابيع الماضية، تبادلت طهران وواشنطن الاتهامات بخرق المذكرة، ولم ترفع واشنطن حصارها البحري وفق الجدول المنصوص عليه فيها، في حين تمسكت إيران بإغلاق مضيق هرمز وربطت إعادة فتحه برفع الحصار والإفراج عن أموالها المجمدة.

وفي المقابل، تتهم واشنطن طهران بعدم تنفيذ التزامها بإعادة حركة الملاحة عبر المضيق. كما استمرت الاتصالات غير المباشرة عبر الوسطاء، من دون استئناف المفاوضات الإيرانية الأمريكية أو الاتفاق على تمديد المهلة.

في غضون ذلك، رأى تحليل لشبكة “سي إن إن ” الأمريكية، تزايدا في المؤشرات على أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعيد رسم الطريق نحو إنهاء المواجهة مع إيران، عبر تقليص قائمة مطالبها والتركيز على هدفين أساسيين، أحدهما لا يتعلق مباشرة بالقدرات العسكرية لطهران، بل بأسعار الطاقة وتدفق النفط والغاز.

ووفق تحليل الشبكة فإن مقارنة الخطاب الأمريكي الحالي بما طرحته إدارة ترامب في الأشهر الأولى للحرب تكشف تحولًا لافتًا؛ فمن الحديث عن الاستسلام الإيراني الكامل واحتمالات تغيير النظام، إلى البرنامج النووي والصواريخ ودعم الجماعات الحليفة لطهران، بات النقاش يدور بصورة متزايدة حول منع إيران من امتلاك سلاح نووي وضمان استقرار تدفقات الطاقة بفتح غير مشروط لمضيق هرمز.

ومع دخول الحرب شهرها السادس، يطرح هذا التحول سؤالًا يتجاوز اختلاف التصريحات بين أركان الإدارة؛ هل تخفض واشنطن سقف شروطها تدريجيًا تمهيدًا لصياغة نهاية سياسية للحرب يمكن لترامب تسويقها داخليًا؟

هدفان بدلًا من قائمة طويلة

أحدث المؤشرات جاء من نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، الذي حدد خلال مقابلة مع قناة “فوكس نيوز” هدفين لنهاية المواجهة.

ووضع فانس في مقدمة الأولويات ضمان استمرار ضخ النفط والغاز إلى الاقتصاد العالمي عبر فتح مضيق هرمز، بما يساعد في إبقاء أسعار الطاقة منخفضة بالنسبة إلى الأمريكيين، فيما حدد الهدف الثاني بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

ولا يرى تقرير “سي إن إن” أن اللافت يقتصر على اختزال أهداف الحرب في نقطتين، بل يمتد إلى ترتيب الأولويات نفسها؛ إذ ظهر استقرار أسعار الطاقة في المقدمة، بينما كان منع إيران من امتلاك السلاح النووي يتصدر الخطاب الأمريكي خلال مراحل سابقة.

وحاولت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت تقليص دلالة هذا الترتيب، مؤكدة أن الهدفين يتمتعان بالأهمية نفسها لدى ترامب.

لكن إدخال النفط والغاز إلى قائمة أهداف الحرب يظل تحولًا ملحوظًا، خصوصًا أن ترامب كان قد أكد في مايو/أيار أن الأعباء المالية التي يتحملها الأمريكيون لا تؤثر في حساباته عندما يتعلق الأمر بنزع السلاح النووي الإيراني.

أين ذهبت الأهداف السابقة؟

منذ مارس/آذار، تعددت الصيغ التي استخدمها مسؤولو الإدارة الأمريكية لتحديد شروط إنهاء الحرب.

ففي مراحل مختلفة، تحدثت واشنطن عن وقف تمويل إيران للميليشيات الحليفة لها في المنطقة، وتدمير بنيتها التحتية الصاروخية، وتقليص قدراتها الجوية والبحرية، إلى جانب منعها من امتلاك سلاح نووي.

لكن هذه الأهداف لم تظهر مجتمعة بصورة ثابتة، بل كان بعضها يختفي ويعود تبعًا للمسؤول الذي يتحدث ومسار العمليات العسكرية، وفق تحليل الشبكة الأمريكية.

أما العامل الذي لم يكن حاضرًا ضمن القوائم السابقة فهو ضمان انخفاض أسعار النفط والغاز.

وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية بالنظر إلى مضيق هرمز، فالمضيق كان مفتوحًا أمام الملاحة قبل الحرب، ما يعني أن إعادة تدفق الطاقة بصورة طبيعية لن تمثل مكسبًا جديدًا حققته المواجهة بقدر ما تعني العودة إلى الوضع الذي سبق اندلاعها.

وبهذه المعادلة، قد يصبح منع إيران من امتلاك سلاح نووي الإنجاز الأبرز الذي يمكن للإدارة الأمريكية تقديمه لتبرير إنهاء الحرب إذا استقرت شروطها النهائية عند الهدفين اللذين حددهما فانس.

النووي.. سقف الشروط ينخفض

التحول لا يقتصر على الطاقة، إذ رصدت “سي إن إن” تغيرًا تدريجيًا في خطاب ترامب نفسه بشأن الملف النووي الإيراني.

فبعدما شددت واشنطن سابقًا على ضرورة تسليم إيران مخزونها من اليورانيوم المخصب، بدأ ترامب يطرح تصورًا مختلفًا يقوم على أن الأضرار التي لحقت بالبرنامج النووي ربما تكون كافية لتحقيق الهدف الأمريكي.

وتحدث الرئيس الأمريكي عن وجود مواد نووية مدفونة في أعماق كبيرة تجعل الوصول إليها بالغ الصعوبة، كما طرح إمكانية مراقبة المواقع من الفضاء للتحقق من عدم محاولة إيران استعادتها، بل ذهب إلى اعتبار الجمهورية الإسلامية “منزوعة السلاح النووي” بالفعل.

الموقف الإيراتي

قبل ساعات من انتهاء الهدنة، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي -أمس الأحد- إن مذكرة إسلام آباد نصت على “إنهاء الحرب” وليس على هدنة مؤقتة مدتها 60 يوما. وأضاف أن الولايات المتحدة خرقت المذكرة فعادت الاشتباكات، ولذلك “لا توجد هدنة 60 يوما تحتاج إلى تمديد”، مؤكدا أن طهران لم تتخذ -حتى الآن- قرارا بشأن استئناف المفاوضات مع واشنطن.

وتكشف تصريحات عراقجي أن طهران لا تتعامل مع 17 أغسطس/آب بوصفه موعدا تلقائيا للانتقال من الهدنة إلى الحرب، بل نهاية مهلة كانت مخصصة لإنجاز اتفاق نهائي لم تبدأ مفاوضاته فعليا.

وبينما لا تغلق إيران باب الدبلوماسية، تقوم مقاربتها للمرحلة المقبلة على الاحتفاظ بأوراق الضغط، وفي مقدمتها مضيق هرمز، بالتوازي مع رفع الجاهزية العسكرية والاستعداد لصراع قد يطول.

وكانت إيران والولايات المتحدة وقّعتا مذكرة إسلام آباد المكونة من 14 بندا في 18 يونيو/حزيران الماضي. ونصت على إنجاز اتفاق نهائي خلال مدة لا تتجاوز 60 يوما، قابلة للتمديد بموافقة الطرفين، وعلى إنهاء الحرب في مختلف الجبهات، ورفع الحصار البحري الأمريكي تدريجيا، وتأمين إيران عبور السفن التجارية عبر مضيق هرمز، ومنح إعفاءات لصادرات النفط الإيرانية والإفراج عن الأموال المجمدة.

لا هدنة تحتاج إلى تمديد
تنطلق المقاربة الإيرانية من رفض توصيف الفترة الماضية بأنها هدنة متصلة استمرت 60 يوما؛ فطهران ترى أن عدم رفع الحصار البحري، وعدم الإفراج عن الأموال المجمدة، وعودة العمليات العسكرية واستمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان، أمور أفرغت المذكرة من مضمونها وأوقفت الانتقال إلى مفاوضات الاتفاق النهائي.

وبحسب نص المذكرة، كان يفترض أن تبدأ الولايات المتحدة فور توقيعها رفع حصارها البحري عن إيران، وأن تنهيه بالكامل خلال 30 يوما، في مقابل اتخاذ طهران ترتيبات العبور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز. كما ربط البند الـ13 بدء مفاوضات الاتفاق النهائي بتنفيذ البنود المتعلقة بوقف الحرب والحصار والملاحة والإعفاءات النفطية والأموال المجمدة.

ويرى الباحث في الشؤون الدولية علي أكبر داريني أن واشنطن لم تُظهر -منذ توقيع المذكرة- توجها إيجابيا نحو تنفيذ التزاماتها، مشيرا إلى استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان، وإلى ما وصفه بمحاولة أمريكية لانتزاع ورقة هرمز من إيران قبل تنفيذ الالتزامات المقابلة.

ويقول داريني للجزيرة نت إن القراءة السائدة في طهران هي أنه “لا توجد هدنة في الوقت الراهن، فالحرب مستمرة وإن تغيرت شدتها وأدواتها”، ولذلك لا يمثل انقضاء مهلة الستين يوما تحولا مفاجئا من السلم إلى الحرب.

وبحسب هذه المقاربة، لا تبحث إيران تمديد هدنة قائمة، بل تطالب بإعادة تفعيل مذكرة ترى أن الولايات المتحدة عطلت تنفيذها. ومن هنا تنفي طهران الأنباء التي تحدثت عن اتفاق على التمديد، وتتمسك بأن تكون عودة واشنطن إلى التزاماتها السابقة مقدمة لأي جولة تفاوضية جديدة.

مسار عُمان وورقة هرمز
بعد تعثر تنفيذ مذكرة إسلام آباد وعودة التصعيد، انتقل الثقل الدبلوماسي إلى المباحثات الإيرانية العُمانية بشأن إيجاد ترتيبات مؤقتة للملاحة في مضيق هرمز، وتحديد مسارات آمنة لدخول السفن وخروجها، إلى جانب بحث شكل الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية.

وتقول الخارجية الإيرانية إن هذه المفاوضات تهدف إلى إيجاد مسارات آمنة للملاحة تراعي الحقوق السيادية والاعتبارات الأمنية لكل من إيران وعمان. وكان بيان مشترك للبلدين قد شدد على ضرورة احترام سيادتيهما وحقوقهما بوصفهما الدولتين الساحليتين للمضيق.

لكن طهران تفْصل بين التوصل إلى تفاهم تقني وقانوني مع مسقط وبين إعادة فتح المضيق بصورة كاملة، إذ تربط فتحه برفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن الأموال المجمدة، ووقف ما تصفه بالاعتداءات والتهديدات العسكرية.

ويرى الخبير في الشؤون الإقليمية هادي أفقهي أن إيران ستحتفظ بورقة المضيق حتى لو توصلت إلى تفاهم مع عمان بشأن مسارات العبور والرسوم والخدمات البحرية، لأن الاتفاق على إدارة الملاحة لا يعني -من وجهة نظرها- إعادة فتح المضيق قبل معالجة الحصار البحري والأموال المجمدة.

ويصف أفقهي -في حديث للجزيرة نت- الوضع بأنه اختبار لقدرة كل طرف على تحمل الضغط؛ فالولايات المتحدة تستخدم الحصار والضغط الاقتصادي، في حين تستخدم إيران إغلاق المضيق وما يترتب عليه من ارتفاع في أسعار الطاقة وزيادة التكاليف على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.

ويعتقد أن فاعلية الورقة الإيرانية قد تزداد مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، بسبب انعكاس أسعار الطاقة والتضخم على الداخل الأمريكي. ويرجح أن يدفع ذلك واشنطن إلى البحث عن تسوية تحفظ ماء الوجه، وقد تتضمن تخفيف الحصار والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية مقابل ترتيبات تدريجية للملاحة.

لكن العقدة الأساسية تظل قائمة، إذ تربط واشنطن تخفيف الحصار بعودة إيران إلى التفاوض وقبول شروطها، بينما ترفض طهران التخلي عن ورقة هرمز قبل تنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها. ويجعل ذلك استمرار الوضع الراهن -من دون تمديد رسمي أو عودة فورية إلى حرب واسعة- أحد السيناريوهات المرجحة.

استعداد عسكري
إلى جانب الضغط السياسي والاقتصادي، تستعد إيران لاحتمال عودة المواجهة العسكرية. ويستدل خبراء إيرانيون على ذلك بالتغييرات التي شهدتها مؤخرا هياكل القيادة العسكرية والأمنية، وبالتوجيهات المتعلقة برفع الجاهزية وتطوير القدرة على تنفيذ عمليات هجومية، لا الاكتفاء بالدفاع والرد.

ويرى الخبير في الشؤون الدولية مصطفى خوش جشم أن طهران تتعامل مع السلوك الأمريكي باعتباره محاولة لكسب الوقت والاستعداد لجولة أخرى من الحرب، ولذلك أعادت ترتيب بنيتها العسكرية على أساس أن المرحلة المقبلة قد لا تبقى ضمن حدود الضغوط الاقتصادية والمناورات العسكرية.

ويقول خوش جشم -في حديث للجزيرة نت- إن إيران أعلنت أن ردها على أي هجوم جديد سيكون أشد من ردودها السابقة. ويضيف أن طهران تعتقد أن الوقت يعمل لمصلحتها ما دام مضيق هرمز مغلقا، لأن استمرار هذا الوضع يرفع أسعار الطاقة ويزيد الضغوط على الإدارة الأمريكية مع اقتراب انتخابات الكونغرس.

وبحسب تقديره، فإن إضافة إيران مطلب وقف الحرب في غزة تعكس اعتقادها بأنها تتفاوض من موقع قوة. ويرجح خوش جشم أن توسع طهران لاحقا قائمة مطالبها لتشمل نزع السلاح النووي الإسرائيلي أو رفع الحصار والعقوبات عن اليمن إذا استمر تعثر الاتفاق، لكنه يحذر من أن تصاعد لهجة الطرفين قد يقود -خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة- إلى مواجهة شاملة.

أما داريني، فيرى أن واشنطن قد تتجنب في المرحلة المباشرة هجوما واسعا، وتتجه بدلا من ذلك إلى إستراتيجية مركّبة تجمع بين تشديد العقوبات والحصار البحري، وتأجيج الخلافات السياسية داخل إيران، والتحضير لمواجهة كبرى إذا نجحت الضغوط في إضعاف الاقتصاد الإيراني.

ويشير إلى أن إيران استخلصت دروسا من جولتيْ الحرب السابقتين، وأجرت تغييرات في بنيتها العسكرية والأمنية استعدادا لصراع طويل لا يقتصر على تبادل الضربات، بل يشمل الاقتصاد والملاحة والداخل السياسي والحرب النفسية.

ثلاثة سيناريوهات
تضع القراءة الإيرانية 3 سيناريوهات رئيسية لما بعد 17 أغسطس/آب. يتمثل الأول في هجوم أمريكي إسرائيلي مفاجئ، استنادا إلى تجربة طهران مع المُهَل السابقة التي أعقب انتهاءها اندلاع القتال. لكن أفقهي يرى أن هذا الاحتمال أقل ترجيحا بسبب كلفة الحرب السابقة وعدم تحقيق واشنطن أهدافها كاملة.

أما السيناريو الثاني -ويعدّ الأقرب على المدى القصير- فهو استمرار المواجهة تحت سقف الحرب الشاملة، عبر تشديد الحصار والعقوبات والمناورات والتهديدات العسكرية، في مقابل إبقاء إيران مضيق هرمز ورقة ضغط ورفع جاهزيتها للرد.

ويتمثل السيناريو الثالث في العودة إلى تفاوض غير مباشر، بوساطة باكستانية أو عمانية، من دون إعلان تمديد رسمي للمهلة. وقد يقود هذا المسار إلى اتفاق مرحلي يعالج الحصار والملاحة والإفراج عن جزء من الأموال المجمدة، قبل الانتقال إلى القضايا الأوسع.

ورغم اختلاف الخبراء بشأن مآلات المرحلة، فإنهم يتفقون على أن إيران لن تغلق باب التفاوض، لكنها لن تعود إليه بالشروط السابقة أو اعتمادا على تعهدات سياسية مجردة. ويقول أفقهي إن المسؤولين الإيرانيين يؤكدون باستمرار أنهم لا يغلقون باب المفاوضات، لكنهم ينظرون إليها باعتبارها شكلا آخر من أشكال الصراع.

وعليه، لا يبدو انتهاء مهلة الستين يوما في الحسابات الإيرانية موعدا لاتخاذ قرار منفرد بين الحرب والسلام، بل محطة في مواجهة ممتدة تستخدم فيها طهران الدبلوماسية والجاهزية العسكرية والسيطرة على الملاحة أوراقا متوازية. ويبقى الانتقال إلى اتفاق جديد مرهونا بما إن كانت واشنطن ستقدم -من وجهة نظر إيران- خطوات قابلة للقياس بشأن الحصار والأموال المجمدة، لا مجرد تمديد مهلة تقول طهران إن شروطها لم تنفذ أصلا.

اترك تعليق