تتحرك “حركة أمل” باتجاه تسليم أسلحتها المتوسطة وإخراجها من معادلة المواجهة المقبلة، في خطوة تبدو مرتبطة بمعركة علي الطاهر المرتقبة، بما يتيح لها تجنب الانخراط وتحاشي تحولها إلى جزء من بنك الأهداف، بالتزامن مع تعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني.
ويرى خبراء أن هذا التسليم يعكس محاولة لتحديد موقع حركة أمل من أي تصعيد مقبل، مشيرين إلى أنه قد يحمل أيضاً رسالة إلى حزب الله بشأن خياراتها بعيداً عن توريط الحركة.
يأتي ذلك في وقت يتمسك فيه حزب الله بتلة علي الطاهر، ويرفض التخلي عنها، ما يؤكد أن هذا التشدد يتجه نحو معركة كبرى تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية، لا دور فيها للبنان.
وفي ضوء هذه المؤشرات، فإن خطوة حركة أمل تعكس تبايناً في تقدير كلفة الانخراط العسكري مع الحزب، فيما تبدو مرتفعات علي الطاهر نقطة اختبار رئيسية لمسار التصعيد المقبل، مع بقاء لبنان الطرف الأكثر عرضة للخسائر.
وفي هذا السياق، قال الخبير العسكري والإستراتيجي، مارسيل بالوكجي، إن خطوة حركة أمل في تسليم أسلحة متوسطة وآليات مزودة بمدافع عيار 106 ملم ومضادات، جاءت في توقيت يتصاعد فيه الضغط العسكري حول الجنوب، وتحديداً في محيط مرتفعات علي الطاهر.
وأضاف بالوكجي، لـ”إرم نيوز”، أن الحركة تنفي امتلاك مقار عسكرية، لكن المعلومات تؤكد أن السلاح سُلّم من مقار أو أماكن كانت خاضعة لسيطرتها؛ ما يعني أن جوهر الخطوة ليس التخلي عن بنية عسكرية قائمة، بقدر ما هو إخراج جزء من السلاح المتوسط من معادلة المواجهة المقبلة.
وأكد بالوكجي أن التسليم يعد قراراً استباقياً لتحديد موقع أمل في أي تطور عسكري مقبل، فالحركة لا تريد أن تتحول إلى جزء من بنك الأهداف أو إلى ذريعة لتوسيع نطاق المواجهة، خصوصاً أن ترتيبات جنوب الليطاني تقوم أساساً على تعزيز انتشار الجيش اللبناني ومنع وجود السلاح خارج سلطته.
وأوضح أنه من الصعب فصل هذه الخطوة عن الرسالة التي يمكن أن تصل إلى حزب الله، من دون الجزم بأنها جاءت بتنسيق معه أو أنها محاولة مباشرة لدفعه إلى القيام بالمثل، فأمل تسلم أسلحة متوسطة للدولة في وقت يتمسك فيه الحزب بموقع علي الطاهر ويرفض التخلي عنه، مع تحضيرات إسرائيلية لمعركة محتملة.
وأشار بالوكجي إلى أن خطوة الحركة تأتي في سياق فصل نفسها عملياً عن معركة محتملة لا تملك فيها وحدها قرار البداية أو النهاية، وترك المواجهة، إذا وقعت، ضمن حدود القوة التي قررت خوضها، وهذا لا يعني بالضرورة وجود خلاف بين الحليفين، لكنه يكشف تبايناً في تقدير كلفة الانخراط العسكري وفي كيفية التعامل مع مرحلة قد تتجاوز قدرات القوى المحلية على التحكم بمسارها.
واختتم بالوكجي حديثه بالتأكيد أن أمل اتخذت احتياطاً مبكراً لإغلاق الباب أمام إدراج قواتها في معركة لا تريد أن تتحمل نتائجها العسكرية والبشرية، أو أن تجد نفسها فيها طرفاً تلقائياً.
من جانبه، قال المحلل السياسي، الدكتور هادي مراد، إن ما قامت به حركة أمل من إعلان تسليمها للأسلحة المتوسطة والآليات العسكرية التي تمتلكها، يعني استكمال فكرة خروج الحركة من السفينة التي يقودها أمين عام حزب الله، نعيم قاسم، قبل غرقها، مشيراً إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يريد أن يجنب قسماً من الشيعة “الموت المحتّم”.
وأضاف مراد، لـ”إرم نيوز”، أنه رغم الاختلاف مع بري، فهو يريد تحقيق مكاسب لنفسه ولحركة أمل التي يمثلها، مشيراً إلى أن هذه الخطوة عبارة عن إرهاص دولي تلقفه بري للخروج من معركة خاسرة حتماً على لبنان وعلى الطائفة الشيعية.
وأوضح مراد أن هذه الخطوة يمكن قراءتها على أنها محاولة لتشجيع حزب الله ليقوم بالمثل، ولكن لن يحدث ذلك، خاصة أن الرئيس بري أخذ وعداً في 2 مارس/آذار من نعيم قاسم بعدم دخول الحرب، إلا أن الأخير نقض وعده ودخل الحرب.
وأشار إلى أن بري تأكد أن ما من حزب الله في لبنان، وإنما هناك حزب تابع لإيران لا يملك قراره.
وقال مراد إن خطوة حركة أمل إثبات للدول مجتمعةً أن الحركة وحزب الله في مصيرين ومسارين مختلفين، ولم تعد هناك وحدة مصير ووحدة مسار كما كان يقول أمين عام حزب الله الراحل حسن نصرالله في السابق.
وأكد مراد أن علي الطاهر على موعد مع معركة كبرى، مشيراً إلى أن خروج أمل من مسألة وجود سلاح خارج سلطة الدولة، يؤكد أن عناصر الحركة لن تدخل تلك المعركة، وبالتالي تعرّت التلة من لبنانيتها، فمن يقاتل فيها هم الحرس الثوري الإيراني، وعلي الطاهر تنتقل بين احتلالين من احتلال إيراني إلى احتلال إسرائيلي.
واختتم مراد حديثه بالتأكيد أن الطرفين الإيراني والإسرائيلي يستفيدان من هذه المعركة، في وقت يكون فيه لبنان هو الخاسر الأكبر، لذلك لا أحد يريد أن يسلم هذا الموقع للدولة اللبنانية.
















