حالة اللاحرب واللاسلم في المنطقة طويلة. هو ما لا يمكن لدول كثيرة تحمّله. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يكثف ضغوطه ويشدد حصاره على إيران، وهذا مؤشر إلى أنه يريد تجنّب اندلاع الحرب من جديد. لكن الحصار يحتاج إلى أشهر طويلة وربما سنوات كي يؤثر في النظام الإيراني. طهران تراهن على الصمود وعلى مجالات متعددة يمكنها أن تساعدها على التنفس وعلى الالتفاف على الحصار. ستستند بالتأكيد إلى الصين وروسيا، فهما تتعرضان بالأساس لعقوبات وإجراءات أميركية. رهان إيران على الصمود وكسب الوقت بانتظار الانتخابات النصفية وما ستفرزه لعلّ ترامب يتعرض لخسارة تكبله ولا تتيح له فعل ما يريد، أما الرهان الإيراني الأكبر فهو على انتظار ولاية ترامب. أمام هذا المشهد تنقسم دول المنطقة، بين من ينتظر وهو غير قادر على التحمل، ومن يعدّ العدة للصبر الطويل وتحمّل المزيد من الأعباء والتكاليف، ومن يذهب إلى البحث عن خيارات جديدة وبديلة، ويبادر باتجاهات متعددة.
ضعفت ولكن..
تبدو الصورة غريبة بعض الشيء، فإيران ضعفت كثيراً في المشرق العربي بفعل سقوط النظام السوري، والضربة التي تعرض لها حزب الله، والحرب المستمرة عليه وتطويقه سياسياً بقرار دولي وبقرار داخلي لبناني، إضافة إلى الإجراءات السياسية والمتغيرات التي يشهدها العراق. لكنها في المقابل، تسعى إلى فرض نفوذها في الخليج العربي، من خلال تصعيد مطالبها حول كيفية إدارة مضيق هرمز، إضافة إلى الإعلان عن رفض الانخراط في اتفاق مكة، إذ اعتبر أمين مجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي أنه لا يمكن لطهران أن تنضم إلى اتفاق أو تحالف بعدما تم إنشاؤه. وهو ما لا ينفصل عن تصعيد إيران لخطواتها مع حلفائها من مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر، من دون إغفال احتمال اللجوء إلى التصعيد في ميادين مختلفة أخرى بما فيها العراق ولبنان.
توقيت الزيارة
أمام هذا المشهد، تترسخ قناعة لدى دول كثيرة بضرورة التحضير لاحتمال انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، لتفرغها لملفات أخرى لا سيما في أميركا اللاتينية وفي مواجهة الصين، هنا تبحث دول المنطقة عن كل الخيارات البلدية وتعزيز التحالفات وتنويع العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية، بدءاً من اتفاق مكة الثلاثي بين السعودية، تركيا وباكستان، مروراً بطروحات عديدة تتعلق بضم دول جديدة إلى هذا التحالف، أو بتعزيز العلاقات مع دول أوروبية وحتى مع روسيا والصين في إطار تعزيز القدرات العسكرية والدفاعية. في هذا السياق، تأتي زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى فرنسا التي تكتسب أهمية كبيرة من حيث توقيتها خصوصاً في ظل التوتر الفرنسي الأميركي، ووسط ممارسات أميركية وإسرائيلية مشتركة هدفها تقويض الدور الفرنسي حول العالم خصوصاً في لبنان مثلاً، ومن حيث المضمون لما شملته من اتفاقات عديدة بما فيها توقيع اتفاقية دفاع مشترك وهو ما لم تلتزم به الولايات المتحدة مع السعودية، كما أنها تراجعت عن المضي في الاتفاق النووي السلمي إذ ربطته باتفاق التطبيع مع إسرائيل.
الخليج متضرر
فدول الخليج أكثر من تضرر من الحرب الأميركية على إيران، ومن استمرار حالة اللاحرب واللاسلم، مع استمرار التوتر في المضائق والبحار وهذا ما يؤثر سلباً على اقتصادات هذه الدول ومشاريعها وطموحاتها، كما أن الولايات المتحدة الأميركية لم توفر الدعم اللازم لهذه الدول في إطار الحماية من تداعيات الحرب، علماً أن هذه الدول أثبت قدرات عسكرية ومخزونات تسلحية متطورة تمكنت عبرها من الدفاع عن نفسها، لكن هذه الحرب ستدفع هذه الدول إلى البحث عن خيارات كثيرة وبديلة ومتنوعة، كما تذهب باتجاه بناء اتفاقات وتحالفات هدفها صد إيران عن أي هجوم مضاد أو أي ممارسة عدائية في حال انتهت الحرب، إضافة إلى الدخول باتفاقات وتحالفات بهدف منع إسرائيل من مواصلة اعتداءاتها وتحقيق مشروعها الذي تريد فيه أن تتفوق على كل دول المنطقة.
حملة على باراك
تعرف الدول الحليفة للولايات المتحدة الأميركية تماماً، أن واشنطن تمنح إسرائيل الأولوية في علاقاتها الخارجية في الشرق الأوسط، فحتى المبعوث الأميركي توم باراك اضطر الى التراجع عن مواقفه وتوضحيها، علماً أن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة بدأ بشن حملة مكثفة ضد باراك بهدف إقالته، لا سيما أن بنيامين نتنياهو يسعى إلى إزاحة باراك وإقناع ترامب بمنحه الضوء الأخضر لتنفيذ عمل عسكري كبير في كل من لبنان ضد حزب الله، وفي سوريا لإضعاف حكم الشرع وتقويض نفوذ تركيا. وفي السياق نفسه تستند إسرائيل على الدعم الأميركي لاستكمال عملياتها في سوريا أو في لبنان، بهدف تطويعهما واستدراجهما إلى اتفاقات تريد أن تفرضها هي بنفسها، على قاعدة الاستفادة من الطرح الأميركي على كل دول المنطقة وهو دفعها للدخول في الاتفاقات الابراهيمية.
قضم بطيء
حالة الانتظار القاتلة التي تعيشها المنطقة، ترفضها إسرائيل كما هو واضح. وفيما تبدو إسرائيل خاضعة للإرادة الأميركية في إيران ولن تتمكن من التصعيد، فهي تسعى لإقناع إدارة ترامب بالضغط على إيران في تصعيد الحرب ضد حزب الله، حتى الآن لم تحصل إسرائيل على الضوء الأخضر، لا سيما أن واشنطن تترك هامشاً للضغط السياسي المترافق مع الضغط العسكري، لذلكَ لم تمنح تل أبيب الموافقة على فتح معركة كبيرة في علي الطاهر، بل توافق على القضم البطيء والمتدرج. وهنا لا بد من انتظار ردة فعل حزب الله وإيران في حال تمكنت إسرائيل من السيطرة على المنشأة، لأن ذلك سيؤدي إلى متغيرات عسكرية وميدانية كبيرة، ولن تقف إسرائيل عند حدود النبطية بل ستطالب بالمزيد إما عبر الضغط على الدولة اللبنانية أو عبر ضغطها العسكري المباشر.
فوقية طهران
إيران التي لا تزال تتعاطى بمنطق القوة ضد أميركا، وبفوقية مع دول المنطقة من خلال تهديدها بتنفيذ عمليات، أو من خلال التعالي على اتفاقية مكة، قد تستعد لخطوات تصعيدية سواء في الخليج أو العراق أو لبنان، أما حزب الله فكان سابقاً قد ربط مصير علي الطاهر بمصير مضيق هرمز، وسط توقعات بأنه في حال فتحت إسرائيل معركة علي الطاهر لإسقاطها والسيطرة عليها، فمن الممكن أن تلجأ إيران إلى تصعيد عملياتها العسكرية في مضيق هرمز وباب المندب، وهذا ما يبقي المنطقة في حالة حرب دائمة.















