سلطت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، الضوء على الحصار الأمريكي المشدد المفروض على إيران، مؤكدة أنه اخترق جميع الطبقات السياسية والاجتماعية في البلاد، وتسبب في أكبر أزمة يعيشها النظام منذ تأسيسه.
وأشارت إلى جملة من الظروف الصعبة في إيران منها انهيار قيمة العملة المحلية إلى مستوى غير مسبوق، بلغ 200 مليون ريال للدولار، واستمرار غياب المرشد مجتبى خامنئي، والشعور العميق بالعار الوطني لعدم الثأر لمقتل والده، وفقدان الثقة في القيادة، والهوس بالحجاب في مواجهة مقاومة النساء، والضغط الاقتصادي الناتج عن تكاليف الحرب والتهديدات الأمريكية.
ورأت الصحيفة العبرية، في تقرير لها، أنه “تحت ستار استمرار الحصار وتبادل التهديدات مع أمريكا، تعيش إيران واحدة من أعقد الأزمات في تاريخها، أزمة خرجت عن السيطرة وأصبح محورها إدارة النظام نفسه”.
وقالت الصحيفة إنه “عندما تفقد عملة بلد ما قيمتها بالكامل تقريباً، حتى يصل الدولار الواحد إلى 200 مليون ريال، تتجاوز هذه الأرقام كونها مجرد بيانات اقتصادية جافة، لتتحول إلى صرخة غضب شعبي”.
وأضافت أنه “بالنسبة للمواطن الإيراني العادي، أصبح السوق ساحةً للصراع اليومي، واتسعت الهوة بين النخبة المقربة من النظام وعامة الشعب بشكلٍ غير مسبوق، كما يقوض التضخم الجامح آخر عقد ثقة يربط شرائح من الشعب بالحكومة، ألا وهو وعد الاستقرار والأمن الاقتصادي مقابل الطاعة السياسية”.
ومضت قائلة: “عندما تُفرغ المحفظة تماماً، يبدأ الخوف من الأجهزة الأمنية بالتلاشي، فماذا يتبقى للإنسان ليخسره؟ الوقت يمر سريعاً حتى الجولة القادمة من الاحتجاجات، ويدرك من يمسكون بزمام النظام هذا الأمر جيداً”.
فشل رمزي
وأكدت الصحيفة أن “ثمة جرح عميق آخر في النظام يتعلق بالفشل الرمزي؛ فقد صدم اغتيال علي خامنئي قيادة النظام العليا، ومنذ ذلك الحين، ساد فراغ قيادي حول شخصية الزعيم المختفي، بينما يحاول النظام تصوير الأمور وكأنها تسير كالمعتاد”.
ووفقاً للصحيفة، “لم يكن التهديد الأخطر للأنظمة الشمولية يوماً هو المعارضة الخارجية فحسب، بل تفكك القاعدة الداخلية، ففي أوساط واسعة من المؤيدين في إيران، وعناصر كانت في يوم من الأيام موالية للنظام بشدة وقومية متشددة، يتزايد شعور عميق بالصدمة إزاء ما يُوصف بأنه لين كامل تجاه الغرب”.
وأشارت “يديعوت أحرونوت” إلى أن التوقع برد فعل قوي على اغتيال خامنئي تم استبداله بإحباط مرير من محاولات القيادة تعزيز المفاوضات وإنقاذ نفسها.
ولفتت إلى أنه “في نظر العديد من الإيرانيين الذين اعتبروا أنفسهم من أنصار الجمهورية الإسلامية، لا تكمن المأساة الكبرى في ازدياد قوة الأعداء فحسب، بل في أن النظام الذي كان يهدد بتدمير الدول قد أصبح هو نفسه منهكاً وضعيفاً وعاجزاً”.
ونوهت إلى أنه “في الوقت الذي بلغت فيه شرعية النظام أدنى مستوياتها على الإطلاق، بينما ينهار الاقتصاد وقاعدته الشعبية، اختارت القيادة خطوة تظهر انفصالها التام عن الواقع أكثر من أي شيء آخر، وهي تعميق قبضتها على المجتمع من خلال تشديد تطبيق قوانين الحجاب بشكل متطرف”.
وأوضحت أن “هذه المحاولة لفرض السلطة بالقوة تأتي بنتائج عكسية وخيمة، بالنسبة لجمهور واسع، بمن فيهم مواطنون كانوا غير مبالين سابقاً، أصبح هذا التطبيق الصارم رمزاً للعمى الحكومي التام، فهو يحوّل كل شارع إلى ساحة صراع يومية، مما يزيد من تآكل شرعية النظام. ينظر المواطنون إلى الحكومة كهيئة لا توفر الخبز ولا الأمن، ولا تتفوق إلا في قمع الحريات الشخصية”.
وقالت الصحيفة: “الصورة على أرض الواقع أكثر تعقيداً بكثير من مجرد صراع ثنائي بسيط، فالصدوع الآن تخترق تقريباً جميع الطبقات الاجتماعية، بدءاً من خيبة الأمل الشديدة لدى الأعضاء المخلصين والمتدينين من القاعدة الذين بدأوا يشككون في الرؤية الاستراتيجية للقيادة، واستمراراً مع غضب جيل الشباب الذي لم يعد يسعى إلى الإصلاحات، بل إلى سقوط النظام برمته”.
واختتمت الصحيفة بالقول إن “هذا تفكك للشرعية لا رجعة فيه، لقد فقد الشعب منذ زمن طويل ثقته في قدرة رجال الدين على إدارة دولة حديثة، وأن ساعة إيران الرملية تنفد، والسؤال ليس ما إذا كان النظام سيتغير، بل إلى أي مدى سينفجر هذا البركان من الداخل بعنف”.
















