يغلب الضياع على سلوك الدولة اللبنانيّة في مقاربة التساهل الأميركيّ مع مواصلة إسرائيل تأسيس وضعيّة تطيل احتلالها لجنوب لبنان. يشمل هذا الضياع التصوّر البديل لقوّات “اليونيفيل” بعد انسحابها وذلك مقابل إصرار “الحزب” على مواصلة القتال، وعلى الالتحاق بإيران، لتفادي مضاعفة النكبة الجنوبية جراء الاختلال الفاضح في ميزان القوى العسكري والتغول الإسرائيلي بلا حدود.
قال مصدر وزاريّ لـ”أساس” إنّه بعد أسابيع على قرار مجلس الأمن آخر آب 2025 التجديد لـ”اليونيفيل” مرّة أخيرة تنتهي في 31 كانون الأوّل 2026، بدأت الخارجيّة اللبنانيّة تطرح على رئيسَي الجمهوريّة جوزف عون والحكومة نوّاف سلام ضرورة تحضير لبنان للبديل عن القوّة الدولية التي بقيت في الجنوب قرابة 40 عاماً.
لكنّ كبار المسؤولين كانوا على الدوام يؤجّلون بتّ الأمر، إلى أن استحقّ في جلسة مجلس الأمن الجمعة الماضي في 28 آب الحاليّ بحث الوضع في الجنوب. وهي جلسة روتينيّة تناقش ما آل إليه تنفيذ القرار الدوليّ 1701 الذي انتُدبت “اليونيفيل” المعزّزة لمساعدة الدولة اللبنانيّة على ضمان تنفيذه من خلال انسحاب إسرائيل من الجنوب واستعادة لبنان السيادة وإنهاء وجود الجماعات المسلّحة غير الشرعيّة جنوب الليطاني.
اكتفت المراجع العليا، وتحديداً الرئاسة، بالطلب إلى الخارجيّة اللبنانيّة، بعد إلحاحها على تحديد موقف لبنان، أن تقترح على السلطة العليا في الأمم المتّحدة التجديد لـ”اليونيفيل”، خلافاً لآخر قرار أنهى مهمّتها بحجّة التطوّرات الميدانيّة بعد الاحتلال الإسرائيليّ المتجدّد للجنوب، وعدم إيجاد بديل لها تحت مظلّة المنظّمة الدوليّة. تقدّمت بعثة لبنان في نيويورك بالطلب، على الرغم من إدراكها المسبق أنّه لن يلقى تجاوباً نتيجة الرفضين الأميركيّ والإسرائيليّ المعروفين، اللذين كانا وراء إنهاء مهمّة القوّات الأمميّة آخر العام الحاليّ.
يغلب الضياع على سلوك الدولة اللبنانيّة في مقاربة التساهل الأميركيّ مع مواصلة إسرائيل تأسيس وضعيّة تطيل احتلالها لجنوب لبنان
تجاهل النّصيحة الدّوليّة باقتراح المطلوب
خسر لبنان في تلك الجلسة فرصة إجراء نقاش جدّيّ في شأن البديل. قفز كبار المسؤولين اللبنانيّين فوق نصائح تلقّوها من دول متعاطفة مع لبنان كانت أبدت استعدادها للمساهمة في بديل لـ”اليونيفيل”، تفيد بأنّ على سلطاته أن تقترح هي ماذا تريد من القوّات الدوليّة البديلة، سواء كانت تحت راية الأمم المتّحدة، أو باسم قوّات متعدّدة الجنسيّات. حتّى فرنسا وإيطاليا اللتين أبدتا حماسةً للمشاركة في أيّ قوّة بديلة، كانتا تصرّان خلال الأشهر الماضية على أن تتقدّم السلطات اللبنانيّة بتصوّر محدّد وألّا تتّكل على الدول المعنيّة في ابتداع تلك الصيغة.
اليونيفيل
الخارجيّة أعدّت ملفّاتها ولكن…
مع أنّ الخارجيّة اللبنانيّة أعدّت ملفّاتها في شأن الاقتراحات البديلة، فإنّ قراءة أكثر من وزير تحدّث إليهم “أساس” تُظهر أنّ الرئيس عون يفضّل انتظار نتائج الجهود الأميركيّة لإحداث تقدّم في المفاوضات التي ترعاها بين لبنان وإسرائيل، لعلّ الظروف تُحدث تغييراً في توجّهات واشنطن الرافضة للمشاركة الفرنسيّة في هذه القوّات.
في المقابل استندت قناعة مسؤولين ودبلوماسيّين آخرين، حسب قول مصدرين وزاريَّين معنيَّين، إلى المعطيات الآتية:
لا تغيير متوقّعاً في قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيّته ماركو روبيو بالامتناع عن المساهمة في تمويل قوّات حفظ السلام الأمميّة، في العالم كلّه لا في لبنان فحسب.
على الرغم من التباين بين واشنطن ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو في ما يتّصل بالحروب الإقليميّة وإيران وغزّة وسوريا ولبنان، تشاركها تل أبيب قناعتها بأنّ “اليونيفيل” لم تحُل دون تطوير “الحزب” ترسانته العسكريّة في الجنوب، بل كان الأمر يجري تحت نظر بعض قوّاتها، في ظلّ خضوعها للترهيب الذي تعتقد أنّ “الحزب” مارسه ضدّها عبر “الأهالي” حين كانت تحاول الدخول إلى أبنية في قرى محدّدة يشتبه بوجود بنى تحتيّة عسكريّة فيها… وبالتالي ليست بوارد الموافقة على قوّة بديلة، ولو أصغر حجماً تحت راية المنظّمة الدوليّة، تكون مهامّها شبيهة بمهامّ “اليونيفيل”.
قفز كبار المسؤولين اللبنانيّين فوق نصائح تلقّوها من دول متعاطفة مع لبنان كانت أبدت استعدادها للمساهمة في بديل لـ”اليونيفيل”
تتصدّر إيطاليا اقتراحات تشكيل قوّة بديلة، بناء على التفضيل الأميركيّ لروما من بين الدول الأوروبيّة الأخرى للمشاركة في مهمّة المراقبة والتحقّق من خلوّ مناطق الانسحاب الإسرائيليّ المفترضة من سلاح “الحزب”.
لكنّ هذا الاقتراح يواجه أسئلة كثيرة من روما وغيرها من العواصم المرشّحة للمشاركة: ما ضمان أن تنفّذ إسرائيل الانسحاب فيما تتصرّف على أنّها باقية؟ ما الضمانة أن يلتزم “الحزب” تسليم سلاحه، وأن لا يكرّر تجربة مضايقة وترهيب أيّ قوّة دوليّة تنتشر جنوباً، سواء بصيغة مراقبين، أو قوّات مختصرة لحماية المراقبين؟ وهي أسئلة كانت في خلفيّة أيّ مداولات، منها زيارة الرئيس عون لإيطاليا في 22 آب.
















