من “الخط الأزرق” إلى الرمادي”… إسرائيل تعيد رسم الجنوب

قد يبدو الحديث الإسرائيلي عن تقليص القوات في جنوب لبنان وكأنه خطوة باتجاه الانسحاب، إلا أن التفاصيل المتداولة عن “الخط الرمادي” تشير إلى إعادة تنظيم الاحتلال أكثر مما تشير إلى إنهائه.

وتبحث المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بحسب تقارير إسرائيلية، نقل قواتها من المواقع المتقدمة إلى حزام جديد يقع على مسافة تتراوح بين 3 و4 كيلومترات من الحدود، بدلاً من الانتشار الحالي الذي يمتد إلى مواقع أعمق، بينها مناطق شمال الليطاني.

ولم تكتمل الخطة بعد، كما لم تحصل على موافقة المستوى السياسي، ولا تزال هوية المواقع التي ستنسحب منها القوات أو تتمركز فيها موضع نقاش. لكن الثابت أن الطرح لا يتضمن عودة إسرائيلية كاملة إلى الخط الأزرق.

وبذلك، فإن كلمة “تقليص” لا تعني إنهاء الاحتلال، بل خفض عدد القوات وتركيزها داخل شريط أضيق، مع إبقاء قدرة الجيش الإسرائيلي على تنفيذ عمليات جوية وبرية خارجه عند الحاجة.

وقدمت الغارات الأخيرة مثالاً عملياً على هذه المعادلة. ففي الوقت الذي تسربت فيه المعلومات عن الانسحاب إلى “الخط الرمادي”، وسعت إسرائيل ضرباتها باتجاه النبطية وكفررمان وعربصاليم ودير الزهراني، وهي مناطق تتجاوز نطاق الحزام المقترح.

وهذا يعني أن إسرائيل قد تتراجع برياً بضعة كيلومترات، لكنها لا تقبل حصر مجال تدخلها العسكري ضمن الخط الجديد. فالانتشار البري يصبح أصغر، فيما يبقى مجال النار والمراقبة الجوية أوسع بكثير.

ويرتبط توقيت الطرح بإعلان السيطرة على مرتفع علي الطاهر، بعدما اعتبرت إسرائيل أن إنجاز العملية يسمح لها بإعادة توزيع قواتها والانتقال من مرحلة التوسع الميداني إلى مرحلة تثبيت مواقع أكثر قرباً من الحدود.

غير أن نجاح الخطة، من وجهة النظر الإسرائيلية، يتطلب التحكم بالمنطقة الواقعة شمال الحزام ومنع حزب الله من إعادة بناء مواقعه فيها. وقد يفسر ذلك استمرار الغارات والتفجيرات وأعمال التجريف بالتوازي مع الحديث عن تقليص القوات.

كما يطرح “الخط الرمادي” تحدياً أمام المفاوضات، لأن أي قبول عملي به قد يحوله من ترتيب عسكري مؤقت إلى حد أمني تفرضه إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية، من دون أن تكون له أي شرعية قانونية أو اعتراف دولي.

المشكلة إذاً ليست في لون الخط أو اسمه، بل في الوظيفة التي يراد له أن يؤديها. فإسرائيل لا تعرض انسحاباً إلى الحدود الدولية، وإنما صيغة تسمح لها بالاحتفاظ بأرض لبنانية وتوسيع مجال تدخلها وراءها.

وبهذه المعادلة، قد يقل عدد الجنود الإسرائيليين داخل الجنوب، لكن الاحتلال نفسه يصبح أكثر ثباتاً وأقل كلفة، بينما تبقى القرى اللبنانية واقعة تحت مراقبة المسيّرات وتهديد الغارات والإنذارات بالإخلاء.

اترك تعليق