لن تستسلم فرنسا، ومعها مجموعة دول أوروبيّة، في محاولة لتفادي الفراغ الأمنيّ الخطير الذي سيُحدِثه الانسحاب النهائيّ لقوّات “اليونيفيل” من جنوب لبنان نهاية العام، والتصدّي للمحاولات الأميركيّة والإسرائيليّة المستمرّة لإزاحتها عن الساحة اللبنانيّة.
وفق معلومات أساس” يصل خلال عشرة أيّام وفد أوروبيّ موسّع إلى بيروت، في سياق مهمّة دعم الجيش اللبنانيّ، والاطّلاع على حاجاته ومتطلّباته للمرحلة المقبلة، بما في ذلك رصد أوضاع أفواج الحدود البرّيّة. ستشكّل “حصيلة” هذه الزيارة جزءاً من التصوّر الدوليّ والأوروبيّ لمرحلة ما بعد “اليونيفيل”، لا سيّما مع التركيز الأوروبيّ الواضح على عدم السماح باستفراد إسرائيل بجنوب الليطاني وشماله.
كان رئيس الجمهوريّة جوزف عون قد استقبل في 24 تمّوز الماضي سفيرة الاتّحاد الأوروبيّ Sandra De Waele، مع وفد من السفراء الأوروبيّين والقائمين بالأعمال، حين وَصَف بقاء “اليونيفيل” بالخيار “الأمثل”، وإذا تعذّر ذلك “فإنشاء قوّة بديلة للحلول مكانها من أجل مساعدة الجيش اللبنانيّ على تطهير المناطق الجنوبيّة وإزالة الذخائر غير المنفجرة، ومواكبة مرحلة تطبيق اتّفاق الإطار”، كما قال.
فيما لم يتبلّغ الجانب الرسميّ اللبنانيّ بموعد الزيارة حتّى الآن، وإذا ستتمّ قبل المؤتمر التحضيريّ لدعم الجيش، أو بعده، المقرّر عقده في فرنسا في 17 أيلول، يؤكّد مصدر دبلوماسيّ مطّلع لـ”أساس” أنّ “التمديد لـ”اليونيفيل” طُوي نهائيّاً، وقد كان الموقف الأميركيّ شديد الوضوح في جلسة مجلس الأمن الدوليّ نهاية آب الماضي، مع العلم أنّ التمديد لـ”اليونيفيل”، أو العمل لإعداد قوّة أوروبيّة مشابهة في مهامّها لقوّات الطوارئ الدوليّة يصطدم بفيتو مزدوج أميركيّ وبريطانيّ، إضافة طبعاً إلى إسرائيل”.
مع ذلك، يجري الإعداد بدفع فرنسيّ كبير لمشروع قرار في مجلس الأمن لتفادي فراغ ما بعد “اليونيفيل”، لجهة إنشاء إطار أمميّ أو دوليّ-أوروبيّ بصلاحيّات محدّدة ينتشر عناصره في جنوب لبنان لمساعدة الجيش في تأدية مهامّه وعودة الجنوبيّين، وقد يكون من مهامّه أيضاً التحقّق من نزع السلاح.
لن تستسلم فرنسا، ومعها مجموعة دول أوروبيّة، في محاولة لتفادي الفراغ الأمنيّ الخطير الذي سيُحدِثه الانسحاب النهائيّ لقوّات “اليونيفيل”
زيارة MED9
وفق المعلومات، تأتي زيارة الوفد الأوروبيّ قريباً ضمن هذا السياق، لكن بمهمّة واضحة أوّلاً هي دعم الجيش، ويتألّف الوفد من أعضاء مجموعة الدول الأوروبيّة المتوسّطيّة التسع الأعضاء في الاتّحاد الأوروبيّ(Med9) ، وهي: فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، اليونان، مالطا، قبرص، كرواتيا، البرتغال، وسلوفينيا. المجموعة تأسّست عام 2013، وهي تشمل الدول المطلّة على البحر الأبيض المتوسّط، وتُعنى بالتعاون الأوروبيّ المتوسّطيّ والهجرة والأمن.
كان أنطونيو تاياني نائب رئيس الوزراء وزير خارجيّة إيطاليا، إحدى الدول الرئيسيّة في مجموعة MED9، أعلن في 26 آب الماضي أنّ جولة جديدة من المحادثات في لبنان وإسرائيل ستعقد في أيلول المقبل، لكن حتّى الآن لم يتمّ تحديد هذا الموعد. كما عقدت المجموعة الأوروبيّة نفسها مؤتمراً بدعوة من كرواتيا في نيسان الماضي، تمّ خلالها التطرّق إلى الملفّ اللبنانيّ حيث خرج المجتمعون بما يشبه الإجماع على معادلة: “لا يمكن أن يُصبِح لبنان غزّة أخرى”.
اليونيفيل
في المؤتمر نفسه، الذي عقد قبل أيّام من التوصّل إلى اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة في 16 نيسان، أعلن وزير الخارجيّة الإيطاليّ تاياني أنّ الهجمات على بيروت (الهجمات الإسرائيليّة بغارات متزامنة على العاصمة بيروت وضواحيها في 8 أيلول 2025) “تُعرّض وقف إطلاق النار للخطر بشكل خطير”، مؤكّداً على “ضرورة حماية السكّان المدنيّين”.
يومها ربط وزير الخارجيّة الإيطاليّ تاياني بين أيّ زيارة محتملة لبيروت و”الدور الذي تعتزم روما مواصلة القيام به في لبنان، حيث يوجد جنود إيطاليّون ضمن قوّات “اليونيفيل”، وفي بعثات ثنائيّة لدعم القوّات المسلّحة اللبنانيّة”.
يؤكّد مصدر دبلوماسيّ مطّلع لـ”أساس” أنّ “التمديد لـ”اليونيفيل” طُوي نهائيّاً
تقصير رسميّ
التنافس الفرنسيّ – الإيطاليّ للإبقاء على النفوذ في الساحة اللبنانيّة، مع أفضليّة أميركيّة – إسرائيليّة لإيطاليا، لم تُترجم بعد إلى معطيات ملموسة لمصلحة لبنان. لكنّ المؤكّد أنّ مسار تحديد الإطار الأمميّ لمرحلة ما بعد “اليونيفيل”، وبغضّ النظر عن نتائجه، يتلاقى مع جهد الاتّحاد الأوروبيّ لإيجاد قوّة أوروبيّة تتولّى مهامّ مساعدة الجيش اللبنانيّ، وهو الأمر الذي تعكسه بوضوح زيارة وفد الـMED9، وقد يحصل ذلك عبر اتّفاقات ثنائيّة بين هذه الدول ولبنان.
اللافت في الأمر لبنانيّاً أنّه رغم كلّ المناشدات الرسميّة للتمديد لـ”اليونيفيل”، أو إيجاد إطار دوليّ شبيه لها، لم يُقدِم لبنان على طلب هذا الأمر رسميّاً من مجلس الأمن. أمّا الوثيقة التي وقّع عليها نوّاب البرلمان الـ86، باستثناء “الحزب” و”القوّات اللبنانيّة”، فلا قيمة قانونيّة دوليّة لها، ولا “تقريش” لها على أرض الواقع. تماماً كما الجلسة التي عقدتها لجنة الشؤون الخارجيّة والمغتربين في مجلس النوّاب في 3 أيلول، والتي خصّصت لملفّ “اليونيفيل”، وشارك فيها ممثّلون عن قوّات الطوارئ الدوليّة الممثّلة دولهم في “اليونيفيل”.
















