العقبة بعد باريس: بحث عن دعم “مشروط” للجيش… وبديل لليونيفيل

شكّل اجتماع باريس الثلاثي منصّة دولية للتأكيد على أهمية دور الجيش اللبناني وتمكينه في هذه المرحلة الحرجة، وللتحذير من مغبة الفراغ الذي قد تُحدثه مغادرة القوات الدولية من جنوب لبنان من دون الاتفاق على تشكيل قوة بديلة، فيما كان مجلس الوزراء اللبناني يستعد لدراسة عرض من وزارة الخارجية بشأن إنشاء بعثة أوروبية مدنية-عسكرية في لبنان لمدة ثلاث سنوات، تهدف إلى “المساهمة في التنفيذ الكامل للقرار 1701 الصادر عام 2006، ومساعدة الحكومة على تعزيز مؤسسات الدولة وسلطتها، وتوطيد احتكارها للسلاح“.

لا يهدف اجتماع باريس التحضيري إلى تقديم منح ومساعدات فقط، بل هو بمثابة عملية تقييم أولية مختلفة النهج، تتيح للجيش اللبناني الانتقال من مرحلة طلب الدعم إلى صياغة خطة قدرات فعلية، كمما تقول مصادر معنية. ويُربط حجم الدعم المقدَّم بمدى قدرة الجيش على التنفيذ العملي، وبمدى اقتراب السلطة اللبنانية من تطبيق الالتزامات التي تعهدت بها. وتسعى فرنسا إلى خلق سياق متناغم لدعم الجيش، لإعادة تثبيت الدولة اللبنانية عسكرياً، مع التركيز على تحويل القرارات إلى واقع تنفيذي فعلي، في محاولة منها للحفاظ على دورها في لبنان وامتصاص أي تصادم مع الدور الأميركي الطاغي.

مشاركة الأردن

بدت مشاركة الملك الأردني عبدالله الثاني لافتة، إلّا أنّ التدقيق يُظهر أنّ أعمال المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني تأتي ضمن إطار “اجتماعات العقبة”، وهي مبادرة أردنية أطلقها الملك عام 2015، تهدف في جوهرها إلى تعزيز التنسيق والتعاون الأمني والعسكري وتبادل الخبرات والمعلومات بين الدول والمنظمات الدولية والإقليمية، في إطار مقاربة شمولية لمواجهة الإرهاب والتطرف. ومع تطور الأزمات في المنطقة، وسّعت المبادرة نطاق اهتمامها لتشمل ملفات أخرى، أبرزها دعم استقرار لبنان ومؤسسته العسكرية، حيث تحوّلت “اجتماعات العقبة” إلى مسار سياسي-أمني متواصل يواكب الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.
وفق المطلعين لا تزال الأولوية بالنسبة للدولة اللبنانية هي لإنشاء قوة دولية ولو أنّها ستكون محكومة بمهمة جديدة

إذاً العلاقة بين المنتديَين ليست عابرة، بل تكاملية: فبينما مثّل مؤتمر باريس المحطة الرسمية التي تجمع الدول المانحة لتحديد حجم المساعدات المالية والعسكرية، ظلّت “اجتماعات العقبة” بمثابة الخط الخلفي الذي يواصل البناء على مخرجات المؤتمر ومتابعة تنفيذها سياسياً وعسكرياً، وهذا ما عكسه لقاء الرئيس عون بالملك عبدالله في باريس، حين شكره على دعم الأردن للبنان وجيشه وعلى مساهمته في الدفع نحو مؤتمر الدعم، فيما تناول اللقاء استكمال مسار “اجتماعات العقبة” والبناء عليها إلى جانب احتياجات الجيش وقوى الأمن.

باريس

قالت مصادر أردنية رفيعة المستوى لـ”أساس” إنّ مشاركة الملك عبد الله تستهدف “حشد دعم دولي إلى للبنان في إطار الجهود الأردنية المستمرة في الوقوف إلى جانبه”. وأوضحت أنّ جولة خاصة من مبادرة “اجتماعات العقبة” ستعقد بحضور قادة عسكريين من دول عربية وأجنبية. وتهدف هذه الجولة إلى “مناقشة آليات عملية وفاعلة لدعم الجيش اللبناني لتمكينه من من أداء دوره كمؤسسة سيادية قادرة على بسط سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية”.

يشير العاهل الأردني دائماً الى “أهمية مساندة لبنان والحفاظ على أمنه وسيادته”. ويؤكد في مختلف الخطابات التي يلقيها وفي المحافل الدولية “دعم الأردن الثابت للبنان، وضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحابها من كامل الأراضي اللبنانية”.

لا بديل لليونيفيل بعد

بالتوازي، تؤكد المعلومات أنّ لبنان لم يحقق أي تقدم في مسار البحث عن بديل لقوات اليونيفيل، فيما تمثّل الورقة التي عُرضت على مجلس الوزراء (تمّ تأجيل النقاش فيها) خطوة تحضيرية لا بدّ منها في حال قرر الاتحاد الأوروبي تشكيل هذه البعثة. لكن الوثيقة تقرّ في نصها أنّ “إنشاء البعثة يرتبط أيضاً باعتبارات إقليمية ودولية قد تؤثّر في مسار إقرارها؛ إذ يُلاحظ أنّ إسرائيل تتحفّظ بشكل عام إزاء أي أدوار أوروبية إضافية في لبنان، بصرف النظر عن طبيعتها أو نطاقها، كما أن الولايات المتحدة تبدو حريصة على أن يكون لها الدور الرئيسي في مقاربة الملفات الأمنية في المنطقة”.
يشير العاهل الأردني دائماً الى “أهمية مساندة لبنان والحفاظ على أمنه وسيادته”

كما أنّ إنشاء البعثة يتطلب توافر توافق سياسي بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، البالغ عددها 27 دولة. ويُشار في هذا السياق إلى الاجتماع الذي عقدته لجنة الأمن والسياسة (PSC) في الاتحاد الأوروبي في بروكسل بتاريخ 23 حزيران الماضي، والذي عكس أجواء إيجابية حيال المضي في إنشاء هذه البعثة. ومع ذلك، لا يزال الموضوع رهنًا بعرضه على مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي لاتخاذ القرار النهائي بشأنه خلال الخريف المقبل.

طبيعة البعثة الأوروبية

تشير الوثيقة إلى ضرورة التمييز بين البعثة الأوروبية وقوة اليونيفيل أو أي قوة متعددة الجنسيات:

1- يقتضي التشديد على أنّ إنشاء بعثة (CSDP) في لبنان لن يكون بديلاً بأي شكل من الأشكال عن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، فالجانب الأوروبي لا يضطلع بمهام حفظ السلام التي تبقى من اختصاص الأمم المتحدة.

2- يبقى أنّ إنشاء البعثة الأوروبية ينسجم مع الأهداف العامة لليونيفيل، خاصة لجهة تعزيز سلطة الدولة وتمكين مؤسساتها من بسط سيادتها على كامل أرضها بقواها الذاتية. غير أن هذا التقاطع في الأهداف لا يعني تطابقًا في الولاية أو المهام، إذ يحتفظ كلّ من الجسمين بإطار قانوني واختصاصات مختلفة.

3- كما أن بعثة (CSDP) لا تُعدّ بمثابة قوة متعددة الجنسيات، إذ تختلف عنها بطبيعتها وأهدافها، فالأخيرة تتمتع عادة بولاية تنفيذية. إلّا أن صدور مواقف عن زعماء دول أوروبية، مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا، حول دور عسكري لقوة أوروبية في لبنان، أدى إلى نشر انطباع خاطئ وإلى الخلط بين بعثة (CSDP) الأوروبية والقوة المتعددة الجنسيات.
لا يهدف اجتماع باريس التحضيري إلى تقديم منح ومساعدات فقط، بل هو بمثابة عملية تقييم أولية مختلفة النهج

مهمة البعثة

أما المهمة التي يدرس الاتحاد الأوروبي إطلاقها فهي “عسكرية-مدنية، ولا تتمتع بطابع تنفيذي، إذ تتركز بصورة أساسية على تقديم التدريب، وتبادل الخبرات، وتعزيز القدرات المؤسسية والعملياتية لكل من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، ودعم قدرات هذه الأخيرة في مجال إنفاذ القانون، بما يمكّنها من تولّي بعض المهام الأمنية الداخلية التي يضطلع بها الجيش حاليًا، الأمر الذي يتيح للمؤسسة العسكرية التفرّغ بصورة أكبر لمهام حماية الحدود والدفاع عنها. وستركّز البعثة، في حال اعتمادها، على تعزيز قدرات أفواج الحدود البرية، ووحدات القوات المتنقلة، والدرك الإقليمي، إضافةً إلى تطوير قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وتعزيز الأمن البحري، بما يشمل تحسين حوكمة إدارة الحدود والمرافئ”.

اترك تعليق