عندها.. ينتهي “الصمت الاستراتيجي” للحزب

تقف المنطقة على صفيح ساخن، وكما بات معلوماً، فإن إيران وباقي قوى المحور رفعت مستوى الجهوزية إلى الحد الأقصى، بحيث بات أي تطور في اليمن أو إيران أو العراق مرشحاً للارتداد مباشرة على لبنان، إن لم نقل إن لبنان سيكون في صلبه. وهنا يصبح الحديث عن احتمال دخول حزب الله في هذه الحرب أقرب إلى احتمال جدي لا يمكن تجاهله إذا انزلقت المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، علماً أن سياسياً لبنانياً من الصف الأول في «الثنائي الوطني» حاول التقليل من حجم هذه المعطيات، بالقول إنه من المبكر التعامل معها وكأنها قرار محسوم.

لكن، إذا أردنا مقاربتها بحذر، يمكن القول، والكلام للسياسي نفسه، إن هامش الانتظار قد لا يبقى مفتوحاً طويلاً أمام الحزب، الذي بات أمام لحظة حاسمة قد تنهي عملياً مرحلة «الصمت الاستراتيجي» وتدفعه إلى الدخول في المواجهة.

ويقول السياسي إن المسألة بالنسبة إلى حزب الله لم تعد مرتبطة فقط بالعدوان المستمر على الجنوب، بل بطبيعة التطورات التي يمكن أن تشهدها المنطقة. فإذا بقي التصعيد ضمن حدود الرسائل والضربات المحسوبة، قد يستمر الحزب في إدارة المرحلة كما يحصل الآن، أما إذا انتقلت المواجهة إلى استهداف مباشر لإيران أو توسعت لتشمل ساحات أساسية في محور المقاومة، وحتى داخل لبنان، فإن قواعد اللعبة ستتغير، وسيصبح بقاء الحزب خارج المواجهة أكثر صعوبة، ليغدو احتمال دخوله الحرب أمراً واقعاً.

وفي هذه الحالة، يعتبر السياسي أنه لن يكون ضرورياً أن تبدأ المواجهة بحرب شاملة، بل قد تنطلق برد محسوب أو سلسلة عمليات دقيقة، قبل أن تحدد طبيعة الرد الإسرائيلي ومداه ما إذا كانت الأمور ستبقى تحت السيطرة أو تنزلق إلى مواجهة أوسع.

المشكلة، كما يقول السياسي، أن التصعيد المحدود في منطقة مترابطة كساحات المنطقة لا ضمان لبقائه محدوداً. فضربة كبيرة في إيران أو اليمن أو العراق قد تفتح جبهة في مكان آخر. ومن هنا، فإن «الصمت الاستراتيجي» الذي أتاح لحزب الله خلال المرحلة الماضية مساحة للمراقبة والمناورة، قد يصل إلى لحظة يصبح فيها غير كافٍ لإدارة المرحلة.

ويؤكد السياسي أن الحزب لا يحتاج بالضرورة إلى اتخاذ قرار مسبق بالحرب كي يجد نفسه داخلها، بل قد تفرض عليه التطورات الإقليمية الانتقال من الانتظار إلى الفعل، خصوصاً إذا اعتبر أن بقاءه خارج المواجهة لم يعد يحمي قواعد الردع التي قام عليها توازن المرحلة السابقة، رغم حجم الخروقات والعدوان الذي لم يتوقف منذ توقيع اتفاق إطلاق النار في تشرين الثاني 2024.

وفي هذه الحالة، سيكون لبنان في قلب التداعيات. فأي مواجهة مباشرة على الجبهة الجنوبية ستضع الدولة والحكومة أمام اختبار سياسي واقتصادي وأمني بالغ الصعوبة، لكن الأخطر قد لا يكون في اتساع المواجهة العسكرية وحدها، بل في انعكاسها على التوازنات السياسية التي تحكم المشهد اللبناني. فالحكومة لا تتحرك بمعزل عن الغطاء العربي والدولي، وفي مقدمته الغطاء السعودي، الذي يشكل عاملاً أساسياً في تثبيت موقعها السياسي.

وفي حال فرضت التطورات الإقليمية إعادة ترتيب للأولويات، أو تراجع هذا الغطاء نتيجة دخول المنطقة في مواجهة أوسع، فقد تجد الحكومة نفسها أمام هامش سياسي أضيق بكثير، خصوصاً إذا ترافقت الضغوط الخارجية مع تصعيد داخلي وشعبي. وعندها، يصبح إسقاطها أو دفعها إلى الاستقالة أكثر سهولة من الناحية السياسية، كأحد السيناريوهات التي قد تفرضها إعادة خلط الأوراق في المنطقة.

ولا يعني ذلك أن إسقاط الحكومة يصبح أمراً محسوماً، لكنه قد يتحول إلى ورقة ضغط إذا اجتمعت الحرب مع احتقان داخلي وتراجع في الغطاء الخارجي. وعندها، لن تكون الحكومة وحدها أمام الاختبار، بل سيكون لبنان بأكمله جزءاً من تداعيات المواجهة.

اترك تعليق