سلّم نائب رئيس الحكومة طارق متري الرئيس نبيه برّي يوم الثلاثاء الماضي تقريراً مفصّلاً وموثّقاً عن الجرائم والارتكابات الإسرائيليّة في جنوب لبنان. من جانبه، أكّد برّي أنّ “حقّ لبنان بملاحقة إسرائيل على جرائمها حقّ سياديّ لا يجوز التنازل عنه بأيّ شكل من الأشكال”. هذا وجهٌ من أوجه الأزمة المستعصية مع إسرائيل. أمّا الوجه الآخر الأكثر صعوبة فهو إقرار مرجعيّة رسميّة لـ”أساس” بأنّ “إسرائيل لا تفاوضنا، هي فقط ترفض أيّ اقتراح صادر عن لبنان“.
يمكن الجزم أنّ إحدى أكثر نقاط التباعد السياسيّ بين الرئيسين جوزف عون ونبيه برّي هي أخذ الأخير على رئيس الجمهوريّة القبول بالسير باتّفاق كرّس الغلبة الإسرائيليّة المطلقة على لبنان، في كلّ بند من بنوده، إلى حدّ وصفه باتّفاق “الفتنة”.
لا يزال برّي يؤكّد في مجالسه أنّ الممرّ “الأنسب” لوقف الحرب، إضافة إلى رصد مسار الحوار الأميركيّ – الإيرانيّ ونتائجه، هو اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة الموقّع في تشرين الثاني 2024، والذي يُجسّد مسار “الخطوة بخطوة”.
الرّئيس يعلن: إسرائيل لا تتجاوب
يتلاقى هذا الواقع على المستوى الوطنيّ مع أوضح اعتراف علنيّ، حتّى الآن، لرئيس الجمهوريّة كشفه أمام عضوَي الكونغرس الأميركيّ دارين لحّود وجوش غوتهايمر، بأنّ “التعاون الذي أبداه الجانب اللبنانيّ لتنفيذ الاتّفاق لم يلقَ أيّ تجاوب من الجانب الإسرائيليّ الذي يواصل عمليّاته العسكريّة وتهديداته رغم الدعوات المتتالية التي وُجّهت إليه لتطبيق الاتّفاق، وخصوصاً وقف تدمير المنازل وجرفها وتغيير معالم القرى الجنوبيّة المحتلّة، واستهداف المدنيّين والجيش اللبنانيّ مباشرة”.
لا يزال برّي يؤكّد في مجالسه أنّ الممرّ “الأنسب” لوقف الحرب، إضافة إلى رصد مسار الحوار الأميركيّ – الإيرانيّ ونتائجه
في هذا السياق، تقول معلومات “أساس” إنّ الفريق العسكريّ ضمن الوفد المفاوض اللبنانيّ تبلّغ الدعوة لحضور اجتماع مع الوفد المفاوض الإسرائيليّ في مدينة تامبا في فلوريدا في 22 تشرين الأوّل، وقد ينضمّ إليه رئيس الوفد سيمون كرم وسفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض.
لكنّ جهات رسميّة تؤكّد أنّ هذا الموعد الذي يسبق بأيّام قليلة انتخابات الكنيست في 27 منه، لا يُتوقّع أن يخرج بنتائج إيجابيّة، وخصوصاً على صعيد تفعيل “المناطق التجريبيّة” وبتّ آليّة التحقّق، لكنّه يأتي ضمن إطار “الصيانة” التي تريد واشنطن الإبقاء عليها في علاقة لبنان المباشرة مع إسرائيل.
لبنان
يحدث هذا الأمر في الوقت الذي تتخوّف فيه أوساط رسميّة من أن تستتبع إسرائيل مسار عدوانها بتفجير كلّ مراكز “اليونيفيل” جنوب الليطاني، بعد مغادرة قوّات الطوارئ الدوليّة، بغية إخفاء أيّ آثار لها في نطاق المنطقة الأمنيّة المحتلّة، وفي النطاق غير المحتلّ كي لا يتمكّن الجيش اللبنانيّ من تسلّم هذه المراكز.
3 أشهر على اتّفاق الإطار
بعد أكثر من ثلاثة أشهر على توقيع اتّفاق الإطار في 26 حزيران، يبدو الداخل اللبنانيّ أمام واقع مأساويّ وخطير يتجلّى بشكل أساس من خلال معادلة قاتلة: عدم وجود دولة اليوم أو قوّة دوليّة قادرة على منع إسرائيل من استكمال جرائمها في إزالة قرى جنوبيّة عن الخارطة ومحو ذاكرة وطنيّة بأكملها، ووقف تقدّمها في احتلال مزيد من البلدات الجنوبيّة، وفي المقابل عدم قدرة لبنان على مقاضاة إسرائيل على تفجير منزل واحد أو قسطل ماء في جنوب لبنان، ووقف مسار الحرب من طرف واحد.
يجد لبنان نفسه اليوم أمام معادلة بالغة الحساسيّة: مقابل مطلبه بضغط واشنطن على إسرائيل لوقف الحرب
عاد الوفد اللبنانيّ برئاسة رئيس الحكومة نوّاف سلام من نيويورك وواشنطن بخلاصة تشكّل عنوان المرحلة: “المطلوب من الحكومة اللبنانيّة أوّلاً نزع سلاح “الحزب”، وبعدها الانسحاب الإسرائيليّ ثمّ انتشار الجيش”.
فعليّاً، يجد لبنان نفسه اليوم أمام معادلة بالغة الحساسيّة: مقابل مطلبه بضغط واشنطن على إسرائيل لوقف الحرب، هناك ضغط أميركيّ مقابل بضرورة تسليم “الحزب” سلاحه.
















