لوقت طويل، بدا الشرق الأوسط وكأنّه مساحة سياسيّة واحدة، مهما تعدّدت أزماته وحروبه. كانت الحرب العربيّة – الإسرائيليّة إطارًا جامعًا، ثم باتت الحرب الباردة مرتكزًا لفهم اصطفافاته، قبل أن يصبح الصراع الأميركيّ – الإيرانيّ أحد أهم مفاتيح تفسير توازناته. وحتّى عندما اختلفت الدول في مصالحها، ظلّ الاعتقاد قائمًا بأنّ المنطقة تتحرّك في نهاية المطاف داخل منظومة واحدة، وأنّ ما يحدث في الخليج لا بدّ أن يصل صداه إلى المشرق، وما يجري في المشرق لا بدّ أن ينعكس على الخليج.
ما يتّضح مؤخرًا هو أنّ الشرق الأوسط الذي يتشكّل اليوم لا يسير على إيقاع واحد. هناك خريطة للأمن لا تتطابق بالضرورة مع خريطة الطاقة، وخريطة للممرّات التجاريّة لا تتوافق مع خريطة التحالفات السياسيّة. والدولة التي تكون شريكًا في ملف، قد تصبح منافسًا في ملف آخر. لذلك ربّما لا تكون المنطقة أمام خريطة جديدة واحدة، بل أمام خرائط متعدّدة تتقاطع فوق الجغرافيا نفسها.
يأتي أوضح الأمثلة من الخليج نفسه. فقد كشفت الحرب مع إيران تفاوتًا في الأولويّات الخليجيّة وفي طرق التعامل مع مخاطر الممرّات البحريّة والطاقة. والأهم أنّ هذا التمايز انتقل إلى الجغرافيا الاقتصاديّة نفسها. فأزمة مضيق هرمز كشفت أنّ اعتماد الخليج على ممرّ بحريّ واحد يمكن أن يتحوّل من ميزة جغرافيّة إلى نقطة ضعف استراتيجيّة. وفي المقابل، برزت قيمة المسارات البديلة من خطّ أنابيب أبوظبي الذي يصل حقول النفط بميناء الفجيرة على خليج عُمان، وخط الشرق – الغرب السعوديّ الذي ينقل النفط إلى ينبع على البحر الأحمر.
هنا تبدأ الجغرافيا في تغيير وظيفتها. فهرمز لم يعد مجرّد مضيق يفصل ضفتيْ الخليج؛ أصبح اختبارًا لمخاطر الاستناد إلى طريق واحد. وفي المقابل، يكتسب باب المندب أهميّة موازية بوصفه بوّابة البحر الأحمر إلى خليج عدن والمحيط الهنديّ. وكلّما ارتفعت كلفة الاعتماد على ممرّ بعينه، ازدادت قيمة الطرق الأخرى، من البحر الأحمر إلى الموانئ البرّية والسكك وخطوط الأنابيب. صحيح أنّ هرمز لا يزال الطريق الرئيسيّ لجزء ضخم من صادرات الطاقة الخليجيّة، لكنّ الأزمات المتلاحقة دفعت الدول إلى التفكير في الجغرافيا بوصفها شبكة خيارات لا طريقًا واحدًا، وحتّى إذا عاد هرمز إلى العمل بصورة طبيعيّة، فلن يعني ذلك بالضرورة عودة المنطقة إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
العراق مثلًا، الذي ارتبط جزء كبير من صادراته النفطيّة بموانئ الخليج، وجد نفسه أمام حاجة متزايدة إلى تنويع مخارجه. ولذلك اكتسبت خطوط تصدير النفط عبر كركوك – جيهان أهميّة متجدّدة، فيما دخل مشروع إحياء خط كركوك – بانياس عبر سوريا مرحلة أكثر جدّية، بالتوازي مع بحث إمكان إنشاء فرع يصل إلى طرابلس اللبنانيّة. ولم يعد “طريق التنمية” مجرّد مشروع بنية تحتيّة، بل سبيلًا لتحويل العراق من نهاية جغرافيّة مغلقة نسبيًّا إلى عقدة تصل الخليج بتركيا والبحر المتوسط.
وهنا تدخل سوريا إلى المعادلة من باب مختلف، محاولة استعادة موقعها في مسارات الطاقة القديمة كجسر بين العراق والبحر المتوسّط. أمّا الأردن، فقد ازدادت لديه أهميّة ميناء العقبة بوصفه منفذًا بديلًا لبعض حركة التجارة المتّجهة إلى العراق.
وهذا يقود إلى التحوّل الأعمق، في أنّ الجغرافيا السياسيّة لم تعد تُقرأ من خلال المحاور وحدها؛ إذ أصبحت الممرّات بدورها أداةً من أدوات النفوذ والأمن والتنويع الاستراتيجيّ. من يملك الميناء؟ من يسيطر على خطّ الأنابيب؟ من يوفّر الطريق البديل؟ من يستطيع أن يكون عقدة في شبكة السكك والطرق؟ ومن يملك البنية الرقميّة التي تربط الأسواق؟
وتعيد مشاريع مثل الممرّ الاقتصاديّ بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا طرح شرق المتوسط بوصفه جزءًا محتملًا من شبكة أوسع للربط بين الخليج وأوروبا.
فتركيا تريد تثبيت موقعها كصلة بين آسيا وأوروبا، ومصر تمتلك قناة السويس وموانئ على المتوسّط والبحر الأحمر، وسوريا تحاول استعادة وظيفة العبور، فيما يملك لبنان موقعًا جغرافيًّا يمكن أن يربطه بهذه الشبكة إذا توافرت له البنية التحتيّة والاستقرار والقدرة المؤسّسيّة.
في تموز الماضي، طرحت بيروت على بغداد إمكان استخدام الأراضي اللبنانيّة كمنفذ إضافيّ للنفط العراقيّ إلى البحر المتوسط. وفي آب، انتقلت الفكرة من مستوى الطرح السياسيّ إلى مرحلة التحضير اللوجستيّ، مع بحث دور لبنانيّ أوّليّ في تخزين النفط العراقيّ وإعادة تصديره. هذه الأفكار تكشف شيئًا مهمًا يستحقّ التوقّف عنده، أنّ لبنان بدأ يُنظر إليه، ولو نظريًّا، ضمن خريطة الممرّات الإقليميّة لا ضمن خريطة الصراعات فقط.
لا يعني ذلك أن الخريطة الأمنيّة القديمة انتهت. فالمنطقة لا تزال تعيش صراعات عسكريّة وأمنيّة عميقة، ولا تزال التحالفات التقليديّة مؤثّرة. لكن ما يتغيّر هو أنّ الشرق الأوسط بات فضاءً يمكن أن تتنافس فيه دولتان أمنيًّا وتتعاونان اقتصاديًّا، وتختلفان سياسيًّا وتتقاطعان في الطاقة، أو تكون إحداهما شريكًا في ممرّ تجاريّ ومنافسًا في ملف استراتيجيّ آخر.
وهكذا قد نكون أمام منطقة متعدّدة الخرائط. خريطة للأمن، وأخرى للطاقة، وثالثة للتجارة، ورابعة للتكنولوجيا، وخامسة للعلاقات السياسيّة.
هذه قد تكون إحدى أهم سمات المرحلة المقبلة. وفي هذا الشرق الأوسط المتعدّد الخرائط، لن يتحدّد النفوذ فقط بمن يملك فائض القوّة، بل أيضًا بمن يستطيع أن يوفّر الطريق، ويحميه، ويربطه بمسارات أخرى، ويجعل منه ممرًا قابلًا للحياة.
رأي حر حين تنافس الممرّات المحاور: الشرق الأوسط إلى خرائط متعدّدة ( الكاتب انطوان...








