عوكر: روايتان لاجتماع واحد.. وقانون المقاطعة في الصدارة

أثار اللقاء الذي جمع السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى بعدد من النواب في عوكر، الخميس، نقاشاً سياسياً تجاوز الإطار الأساسي للاجتماع، بعدما تقدمت مسألة إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل على سائر الموضوعات التي تناولها المجتمعون. وبين روايات تحدثت عن مطالبة أميركية بتعديل التشريعات اللبنانية، ومعلومات أخرى تؤكد أن المسألة لم تكن بنداً أساسياً في اللقاء، يظهر اختلاف في تقدير طبيعة الرسالة الأميركية وتوقيت طرحها، في ظل تعثر “اتفاق الإطار” واستمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان.

اجتماع عوكر: ما الذي جرى فعلًا؟

وتقول مصادر قريبة من الاجتماع لـ”المدن” إن اللقاء كان الأول من نوعه بين عيسى ومجموعة من النواب منذ توليه مهماته، وإن الغاية الأساسية منه كانت الاستماع إلى مواقف بعض ممثلي الكتل النيابية وعرض الطريقة التي تنظر بها واشنطن إلى التطورات اللبنانية. وتشير إلى أن الحضور ضم نواباً من اتجاهات سياسية مختلفة، الأمر الذي يجعل من غير الدقيق تصوير الاجتماع بوصفه مناسبة لتوجيه طلب موحد إلى جميع المشاركين، أو افتراض وجود موقف نيابي مشترك من القضايا المطروحة.

وبحسب المصادر، تناول النقاش المسار التفاوضي و”اتفاق الإطار” والتطورات الأمنية، قبل أن تُثار مسألة القوانين التي تنظّم التعامل مع إسرائيل. وتؤكد أن السفير لم يفتتح الاجتماع بطلب إلغاء قانون المقاطعة، وأن الموضوع برز خلال مداخلة النائب نديم الجميل ثم استحوذ على حيز واسع من النقاش نتيجة اختلاف المواقف بشأنه. وتضيف أن ما نُقل عن ضغط مباشر مارسه عيسى على المجتمعين لا يعكس، في تقديرها، طبيعة اللقاء، وإن كان موقف واشنطن من القانون معروفاً ولم يجر إخفاؤه.

يعقوبيان: “لا نبيع أوراقنا قبل التفاوض”

لكن النائبة بولا يعقوبيان، التي شاركت في الاجتماع، تقدم رواية تركز على مضمون النقاش أكثر من الجهة التي بدأته. وتقول لـ”المدن” إنها اعترضت على الدفع باتجاه إلغاء القوانين التي تحظر التعامل مع إسرائيل في المرحلة الحالية، باعتبار أن أي تعديل من هذا النوع يجب أن يأتي ضمن نتائج المسار التفاوضي، لا أن يتحول إلى خطوة تسبق حصول لبنان على مقابل.

وفي هذا السياق، تطرق النقاش إلى القضية التي أثيرت أخيراً بشأن سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض، على خلفية الإخبار القضائي المقدّم بحقها بعد اتهامها بالتواصل مع السفير الإسرائيلي للاطمئنان على نجله، رغم نفي حصول هذا الاتصال. واعتبرت النائبة بولا يعقوبيان، خلال مداخلتها رداً على إثارة السفير عيسى للموضوع، أن ما حصل كان خطأ، فمعوض تؤدي مهمة دبلوماسية رسمية بتفويض من الدولة اللبنانية، وأنه لا يجوز مقاربة هذه القضية بهذه الطريقة أو تحويلها إلى مدخل لإعادة النظر في القوانين اللبنانية التي تمنع التعامل مع إسرائيل.

وربطت يعقوبيان بين إثارة قضية السفيرة معوض وتصاعد المطالب في واشنطن بتعليق العمل بهذه القوانين، معتبرة أن ما جرى سرّع تحرك ما وصفته بـ”اللوبي اللبناني القريب من إسرائيل” في العاصمة الأميركية، للضغط باتجاه اتخاذ خطوات تشريعية تسمح بالتواصل مع إسرائيل. وشددت على أن معالجة قضية السفيرة أمر مختلف عن اتخاذ قرار سياسي بإلغاء قانون المقاطعة أو تعليق العمل به، لأن مثل هذه الخطوة يجب أن تكون نتيجة مسار تفاوضي يحقق مطالب لبنان، لا تنازلاً يقدم قبل التوصل إلى اتفاق.

وقالت يعقوبيان في الاجتماع إن الدول لا تتخلى عن أوراقها التفاوضية قبل الجلوس إلى الطاولة أو قبل التوصل إلى اتفاق، متسائلة عن جدوى إسقاط إحدى هذه الأوراق بينما لا تزال المطالب اللبنانية المتعلقة بالانسحاب ووقف الاعتداءات وعودة السكان إلى أراضيهم من دون تنفيذ. وبالنسبة إليها، فإن الانتقال إلى علاقات طبيعية مع إسرائيل، وما يستتبعه من تعديلات تشريعية، يُبحث عند التوصل إلى تسوية سلمية، وليس شرطاً مسبقاً لها.

وتضع يعقوبيان المسألة في إطار ورقتين تعتبرهما أساسيتين في أي تفاوض لبناني. الأولى سلاح حزب الله، الذي تقول إن قرار التصرف به ليس في يد الدولة اللبنانية، بل ربطه حزب الله بالمفاوض الإيراني، ما يحرم المفاوض اللبناني من القدرة على استخدامه ضمن مقايضة سياسية أو أمنية. أما الثانية فهي ورقة العلاقات مع إسرائيل والقوانين التي تحكمها، وترى أن تقديمها مسبقاً سيضعف موقع لبنان، من دون أن يضمن انسحاباً إسرائيلياً أو تغييراً في الوقائع الميدانية.

ولا تنفصل هذه الملاحظات عن تقييمها لـ”اتفاق الإطار”، الذي تصفه بأنه غير قابل للتطبيق بصيغته الحالية. وتعتبر أن الوقت أظهر تعثر الطرفين في تنفيذ الالتزامات المطلوبة، فلا إسرائيل أوقفت عملياتها وانسحبت وفق ما يُفترض، ولا تمكنت الدولة اللبنانية من إنجاز ما يترتب عليها. وتفتح هذه القراءة سؤالاً يتعلق بجدوى استمرار النقاش في خطوات سياسية وتشريعية إضافية، فيما الآلية المفترض أن تنظّم الإجراءات الأمنية الأساسية لا تزال تواجه صعوبات التنفيذ.

وفي المقابل، تنقل المصادر القريبة من الاجتماع أن السفير عرض موقفاً أميركياً يعتبر أن على اللبنانيين بذل جهد أكبر، ولا سيما في ملف حصر السلاح بيد الدولة. ووفق هذه الرواية، شدد عيسى على أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وأن الدور الأميركي يتمثل في المساعدة ودعم الجهود اللبنانية، لكن لا يمكن لواشنطن أن تحل محل اللبنانيين في اتخاذ القرارات وتنفيذ الخطوات المطلوبة. وتوضح المصادر أن عيسى عرض مقاربة بلاده للملفات المطروحة، مؤكداً ضرورة أن يبادر اللبنانيون إلى اتخاذ الإجراءات التي تخدم مصلحة بلدهم، من دون أن يقدّم جدولاً إلزامياً للنواب أو يطلب منهم التزاماً جماعياً بشأن قانون المقاطعة.

ووفق معلومات “المدن”، حضر الاجتماع 13 نائباً، وهم (فؤاد مخزومي، إبراهيم منيمنة، راجي السعد، فريد البستاني، فراس حمدان، نديم الجميل، فيصل كرامي، ميشال معوض، بولا يعقوبيان، رازي الحاج، فادي علامة، ندى البستاني، والياس حنكش).

روبيو يتصل بعون: رسائل متبادلة

وجاء الاجتماع، الذي عُقد بين الثامنة والحادية عشرة والنصف صباحاً، في اليوم نفسه الذي تلقى فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون اتصالاً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وكان السفير عيسى قد أبلغ النواب الحاضرين خلال اللقاء بأن اتصالاً سيجري بين روبيو وعون في وقت لاحق من اليوم، وهو ما حصل مساءً. وبحسب الموقف الذي نقله مسؤول في الخارجية الأميركية، أثار روبيو قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، معتبراً أنه يُستخدم في ملاحقات قضائية ذات دوافع سياسية تعيق مساعي السلام، ودعا إلى إقامة قنوات اتصال مباشرة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي لتفادي الاحتكاك. كما شدد على ضرورة محاسبة جميع الجهات التي أمرت بشحنة المتفجرات التي ضبطتها السلطات اللبنانية وموّلتها ووجّهتها، مؤكداً وجوب استبعاد إعادتها إلى حزب الله.

أما البيان اللبناني بشأن الاتصال، فركز على مطالبة عون واشنطن بالضغط على إسرائيل لوقف الاعتداءات وأعمال التجريف والالتزام باتفاق الإطار، وعلى تأكيده أن الجيش والأجهزة الأمنية يطبّقان القرارات المتعلقة بمصادرة السلاح ومكافحة التهريب، وأن الملفات المحالة إلى القضاء ستُتابع وفق القانون. ويعكس اختلاف الأولويات بين البيانين استمرار التباين حول ما ينبغي أن يسبق الآخر: خطوات لبنانية إضافية، أم التزام إسرائيلي يتيح للمسار السياسي والأمني أن يتقدم.

بهذا المعنى، لا يمكن اختزال اجتماع عوكر في سجال حول إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، ولا فصله عن المسار الذي تدفع إليه واشنطن. فقد كشف النقاش حدود التوافق بين النواب على توقيت الخطوات المطلوبة، كما أظهر أن المقاربة الأميركية تضع مسؤولية أكبر على الدولة اللبنانية، في وقت تتمسك فيه مواقف نيابية بضرورة عدم الفصل بين أي التزامات لبنانية وبين الانسحاب الإسرائيلي. ويبقى السؤال عما إذا كانت الاتصالات المقبلة ستبحث في كيفية تجاوز تعثر “اتفاق الإطار”، أم ستضيف ملفات خلافية جديدة إلى مسار لم يبدأ تنفيذ بنوده الأساسية بصورة مكتملة.

اترك تعليق