“الحزب” بين خسارة الميدان ومخاطر المواجهة الداخلية

تعيش الساحة اللبنانية واحدة من أكثر مراحلها دقّة وخطورة على الإطلاق؛ إذ تتداخل فيها تداعيات الحرب المدمّرة مع تحوّلات إقليمية وجيو-سياسية متسارعة أزاحت كثيراً من الثوابت التي استقرّت لسنوات طويلة. وفي خضم هذه المتغيّرات، يتردد سؤال مصيري في الأروقة السياسية والأمنية: هل بات حزب الله يتجه نحو تفريغ فائض قوته في الشارع اللبناني لتعويض تراجعه العسكري والسياسي وإعادة تثبيت هيبته بعد انكسار السردية التي شيّدها على مدى عقود؟

• انهيار السردية التاريخية وتآكل معادلات الردع

ارتكز حضور حزب الله لسنوات طويلة على مقولة أداء دور «الدرع الحامي» للبنان وحفظ التوازن مع إسرائيل ضمن ما كان يسمّى «معادلة الردع». غير أن المجريات الأخيرة وجهت ضربة مباشرة لقواعد اللعبة:

– تراجع نفوذ الميدان في الجنوب: فرضت المواجهات العسكرية واقعاً ميدانياً جديداً أدّى إلى تحييد سيطرة الحزب المطلقة جنوبي نهر الليطاني.

– اهتزاز القواعد الرمزية: تخطّت التداعيات الجانب العسكري المباشر لتنال من الرصيد الرمزي والمعنوي لمفهوم «إسناد الساحات»؛ إذ يرى قطاع واسع من اللبنانيين أن هذا الخيار حمّل البلد أعباءً فوق طاقته دون أن ينجح في حماية القرى والبلدات من الدمار.

• انكسار الهيكل العسكري وانقطاع شريان الإمداد

عانت البنية التنفيذية والعسكرية للحزب من ضربات غير مسبوقة غيّرت طبيعة كينونته الميدانية:

– تغيب القيادات التاريخية: أفضت الضربات الخاطفة إلى غياب رموز الشريحة القيادية الأولى والثانية، مما أحدث إرباكاً إدارياً وفراغاً تنظيماً داخل أجهزة القرار العسكري والأمني، تصعب معه إعادة الهيكلة في وقت قصير.

– تدمير الترسانة والقدرات النوعية: طال الاستهداف المستودعات الاستراتيجية ومراكز إطلاق الصواريخ ومخازن العتاد الرئيسي في مختلف المحافظات، الأمر الذي أفقد الحزب جزءاً جوهرياً من ترسانته التي راكمها على مدار العقود الماضية.

– تداعيات التحوّل في سوريا: مثّل الانهيار السياسي في دمشق وسقوط النظام السوري ضربة قاسية؛ إذ انقطع الجسر الجغرافي واللوجستي الذي كان يمثل شريان التغذية الحياتي القادم من إيران.

• خسائر بشرية واقتصادية وشلل في البنية التحتية

تجاوز تأثير الحرب المستويات العسكرية ليمسّ العصب البنيوي والاقتصادي للبنان وللحزب بشكل مباشر:

– نزيف الطاقات البشرية: أدّى غياب آلاف الكوادر الميدانية والخبراء العسكريين بين قتيل وجريح إلى استنزاف طاقة الحزب البشرية الشابة وإضعاف قدرته على المبادرة.

– المسح العمراني والدمار: خلّفت العمليات العسكرية دماراً هائلاً في القرى والبلدات وفي الضاحية الجنوبية والبقاع، ما أدى إلى مسح أحياء كاملة ومراكز أمنية ولوجستية كان الحزب يستند إليها.

– العبء الاقتصادي والشلل المالي: تكبدت القطاعات التجارية والزراعية والخدمية خسائر طائلة. ومع غياب التمويل الإقليمي وعدم توافر الآليات السريعة لإعادة الإعمار كما كان يحدث سابقاً، أصبحت الأعباء المالية المباشرة ملفاً ضاغطاً على بيئة الحزب.

• الحصار المالي وتجفيف القنوات البديلة

تزامن الاستنزاف العسكري مع تضييق مالي شديد حاصر أدوات الحزب الاقتصادية:

– إغلاق المنافذ والمسارات التقليدية: فرضت التحوّلات على الحدود والموانئ والمطارات إجراءات رقابية مشدّدة أدّت إلى تقليص إمكانية نقل الأموال عبر الطرق البديلة.

– تقويض المؤسسات المالية الموازية: اشتدّت إجراءات الملاحقة والرقابة المحلية والدولية على القنوات البديلة، مما أضعف قدرة الحزب على مواصلة تقديم خدماته الاجتماعية والمالية والتكفّل بأسر الضحايا والمتضررين.

• أزمة الثقة الداعمة والانكفاء الشعبي

أفضت نتائج الحرب والنزيف المستمر إلى بروز تحوّلات غير مسبوقة داخل البيئة الحاضنة نفسها:

– مراجعات داخل الشارع الاجتماعي: حل محل لغة الحماس التقليدية تساؤل متزايد حول جدوى الانخراط في صراعات إقليمية وتكاليف خطط الإسناد التي انتهت بتهجير مئات الآلاف وتدمير بيوتهم ومصادر رزقهم.

– تداعيات ملف الإيواء والتعويض: أدّى التأخير في ملفات التعويض وضبابية مشهد الإعمار إلى حالة من القلق الوجودي والاحتقان الصامت لدى الجمهور المتضرر، مما أثر في مستويات الالتفاف الشعبي والتأييد غير المشروط لخيارات الحزب السياسية.

• سيناريو الاختناق المركّب: هل يُستدعَى السلاح لحماية الوجود السياسي؟

تظل الفرضية الأكثر خطورة التي يشير إليها مراقبون استراتيجيون مرتبطة بلحظة «الانسداد الكامل»؛ أي عندما يجد الحزب نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التسليم الشامل لترسانته وتجريده الممنهج من مفاصل تأثيره السياسي، أو استخدام فائض القوة كأداة ضغط ردعية في الداخل اللبناني.

فعندما تتلاقى الضغوط السياسية المكثفة لفرض نزع السلاح بالقوة التنظيمية أو القضائية مع العزلة الميدانية وخسارة خطوط الإمداد الإقليمية، يتزايد خطر اللجوء إلى «الخيارات الاضطرارية». وفي هذا السيناريو، لا يُتوقع أن تكون الغاية شن حرب أهلية واسعة بسبب تكلفتها الباهظة بقدر ما تكون تحركات أمنية خاطفة، أو استعراضات قوة ميدانية موجّهة (على غرار الضغوط الشعبية والأمنية المحدودة) لتعطيل قرارات السلطة الشرعية، وفرض معادلة جديدة تجبر أطراف الحكم والشركاء الفرقاء على تقديم ضمانات سياسية وتوفير «شبكة أمان» تُبقي للحزب مكاناً رئيساً في المعادلة الوطنية وتمنع استفراده أو تهميشه.

• كوابح الانفجار: لماذا يستبعد الصدام الداخلي الشامل؟

برغم مظاهر الاحتقان والتوتر، تشير المعطيات التحليلية إلى أن اندفاع الحزب نحو مواجهة شاملة مع الداخل اللبناني يظل خياراً مستبعداً لعدة أسباب:

– الإنهاك التنظيمي والعسكري: جعل استنزاف الكوادر وتدني المخزون العسكري وانقطاع خطوط التمويل الخارجي خوض جبهة داخلية مفتوحة بمثابة مغامرة غير محسوبة قد تقضي على ما تبقّى من نفوذ الحزب.

– الخوف من الانكشاف الاجتماعي: يدرك الحزب أن إشهار السلاح في وجه القوى المحلية سينهي الغطاء الشعبي والأخلاقي المتبقي، وسيدخله في مواجهة مع مجتمعه الذي ينشد الاستقرار وإعادة بناء ما تدمّر.

– غياب المظلة الإقليمية الحامية: إن أي فتنة أو صدام داخلي سيجرُّ البلاد إلى فوضى لن يستطيع الحزب احتوائها، خصوصاً بعد زوال السند الجغرافي والسياسي في سوريا، مما يجعل التمسّك بالعمل السياسي وبقائه داخل أجهزة الدولة الخيار الأكثر منطقية مقارنة بالانتحار العسكري.

• ما بين الانكفاء والصدمة: مأزق الحزب في إدارة صراعه مع الداخل

تؤكد المعطيات أن «حزب الله» لم يتخذ قراراً بالحسم العسكري في الداخل أو خوض حرب أهلية؛ إذ يدرك تماماً فداحة هذه الخطوة وتكلفتها الوجودية. إلّا أن الخطر القائم لا يتمثل في حرب داخلية معلنة، بل في «سياسة فرض الأمر الواقع والمناورة الحذرة»، حيث يحاول الحزب التمسّك بخطوط الحركة وتأمين البنية المتبقية لسلاحه عبر قنوات غير رسمية، ما يجعله في حالة احتكاك دائم مع قرارات الحكومة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية التي تسعى لبسط سلطتها الكاملة. وبذلك، يجد الحزب نفسه محاصراً بين خيار الانكفاء والقبول بقواعد الدولة، أو الاستمرار في إدارة الأزمة وسط ضغوط متزايدة قد تجعل من أي احتكاك ميداني شعلة لتطورات غير محسوبة.

اترك تعليق