تتقلّص تدريجاً دائرة الاعتراض على ما “أفتى” به قرار المجلس الدستوريّ في شأن الطعن المقدّم أمامه حول قانون العفو العامّ، خصوصاً لجهة اللغط الذي أثير حول “التفسيرات المُلزمة” التي حدّدها المجلس في قراره وستمنَع تطبيقها استفادة المحكومين بالإعدام من التخفيض إلى الأشغال الشاقّة المؤبّدة المحدّدة بقانون العفو بـ 17 سنة سجنيّة، وعلى رأسهم أحمد الأسير.
قامت القيامة ولم تقعد بعد صدور قرار المجلس الدستوريّ، بعدما شعر النوّاب السنّة أنّ ثمّة من أعطاهم في قانون العفو مطلباً أساسيّاً مرتبطاً بالموقوفين الإسلاميّين، ليأخذه منهم بعد صدور قرار “الدستوريّ”، وكأنّ الأمور عادت إلى نقطة الصفر. بعض النوّاب السُنّة تحدّثوا علناً عن تواطؤ سياسيّ – قضائيّ كبير حصل خلف الكواليس.
ساهم الغموض، الذي رافق تفسير المجلس الدستوريّ لعقوبة الإعدام بـ28 سنة سجنيّة، في توسيع دائرة التخبّط، بعدما أقرّ قانون العفو التخفيض لـ 17 سنة سجنيّة. رفض النوّاب السنّة الانصياع للأمر الواقع، وللقرار “المبرم” الصادر عن المجلس الدستوريّ، لكنّ الحلّ لم يكن ميسّراً.
في الأيّام التي تلت صدور قرار “الدستوريّ” “طبّ” إعلاميّون وسياسيّون، في مكتب مدّعي عامّ التمييز أحمد رامي الحاج، طالبين الاستفسار و”النجدة”، لكنّ “الريّس رامي” بدا أكثر المستسلمين لقرار “الدستوريّ” باعتماد الـ 28 سنة سجنيّة، و”عدم إمكانيّة الهرب من قرار الدستوريّ المبرم”، كما قال.
قامت القيامة ولم تقعد بعد صدور قرار المجلس الدستوريّ، بعدما شعر النوّاب السنّة أنّ ثمّة من أعطاهم في قانون العفو مطلباً أساسيّاً مرتبطاً بالموقوفين الإسلاميّين، ليأخذه منهم بعد صدور قرار “الدستوريّ”
إحباط سنّيّ
فعليّاً، عمّ الاعتراض في صفوف النوّاب السنّة طوال الأيّام التي تلت صدور قرار المجلس الدستوريّ، وبقيت الضبابيّة مسيطرة حتّى يوم السبت الماضي. في هذا السياق، تفيد المعلومات بأنّه إثر قيام مؤيّدي أحمد الأسير بتظاهرة السبت تنديداً بقرار “الدستوريّ” أمام السراي الحكوميّ، استدعى رئيس الحكومة نوّاف سلام محامي الدفاع عن الموقوفين الإسلاميّين محمّد صبلوح واجتمع معه.
خلال اللقاء جرى التداول بالدراسة التي أعدّها المحامي العامّ التمييزيّ القاضي محمّد صعب حول قرار “الدستوريّ”، فطلب سلام أوّلاً الاطّلاع عليها قبل أن يعود ويطلب لقاء القاضي صعب في اليوم نفسه في السراي، متبنّياً كامل سياق دراسته في ما يتّصل بعقوبة الإعدام.
سريعاً عُمّمت الدراسة على كلّ النوّاب السنّة، وتمّ تبنّيها، حيث باتت المخرج القانونيّ لـ “تفسير المُفسّر” من قبل المجلس الدستوريّ. يوم الأحد تبنّت المفكّرة القانونيّة الرأي القانونيّ للقاضي صعب، معتبرة أنّه “يتلاءم مع نصّ قرار المجلس الدستوريّ وروحيّته ولا يُخالفه”، مستغربة “المعلومات المغلوطة والبلبلة المثارة حوله.”
اعتبر الرأي، وفق المفكّرة، أنّ تخفيض عقوبة الإعدام إلى 28 سنة سجنيّة لا ينطبق إلّا في حالة المحكوم عليه بعقوبة الإعدام بموجب حكم مُبرم قبل صدور قانون إلغاء هذه العقوبة في آب 2026.
في المقابل، يسري التخفيض إلى مدّة أقصاها 17 سنة سجنيّة في حالتين:
ـ الأولى، في حال من حُكم عليه بالإعدام، ثمّ قامت محكمة التمييز بنقض هذا الحكم من دون أن تنتهي المحاكمة بعد، إذ ليس لمحكمة التمييز أن تصدر في هذه الحالة حكماً بالإعدام تبعاً لإلغاء هذه العقوبة، وهو ما ينطبق على حالة أحمد الأسير.
ـ الثانية في حالة المحكوم عليه بالإعدام الذي منحته المحكمة الأسباب التخفيفيّة وقضت في النهاية بالحكم عليه بالأشغال الشاقّة المؤبّدة أو المؤقّتة، إذ يُعامل أسوة بالمحكوم عليه بالأشغال الشاقّة طالما أنّ ما يؤخذ به هو العقوبة المحكوم بها فعليّاً.
ثمّة “مومنتم” فاصل نقل المشهد من ضفّة إلى أخرى. فبعد تبنّي سلام والنوّاب السنّة والمفكّرة القانونيّة رأي القاضي صعب، باتت دراسته محطّ نقاش أساسيّ للنوّاب السنّة خلال اجتماعهم يوم الإثنين الماضي في مجلس النوّاب، ثمّ مع مدّعي عامّ التمييز، وصولاً إلى لقائهم في اليوم نفسه رئيس الحكومة في السراي.
إعدام ومخدّرات
عمليّاً، كان المحامي التمييزي العام صعب قد أعدّ دراسة متكاملة عن قرار الدستوريّ بشقّين أساسيَّين استوقفاه بشكل لافت: كيفيّة تطبيق قانون العفو على المحكومين بالإعدام وفق قرار “الدستوريّ”، ومسألة التكرار في جنايات المخدّرات.
في الأولى فسّر صعب بلغة قانونيّة “مبكّلة” مقصد “الدستوريّ” في ما يتعلّق بعقوبة الإعدام، فأخذ “المزاج السنّيّ المتوتّر” إلى مكان آخر تماماً، وفي الثانية خالف صراحة قرار “الدستوريّ”.
بالنتيجة، قاد هذا الواقع النيابة العامّة التمييزيّة إلى التزام فحوى الدراسة أيضاً، التي قد تترجم على شكل تعاميم للنيابات العامّة.
عمّ الإحباط في صفوف النوّاب السنّة طوال الأيّام التي تلت صدور قرار المجلس الدستوريّ، وبقيت الضبابيّة مسيطرة حتّى يوم السبت الماضي
مواقف مؤيّدة
في الساعات الماضية، توالت مواقف النوّاب السنّة التي تعبّر عن الارتياح للتفسير القانونيّ الذي أعاد تقريباً قانون العفو إلى ما كان عليه، لجهة احتساب حكم الإعدام بالأشغال الشاقّة المؤبّدة المُحدّدة في القانون بـ 17 سنة سجنيّة، ما يعني الإفراج عن أحمد الأسير بعد عام ونصف، بعد أن افترض كثيرون، بسبب النصّ المبهم والمختصر في قرار “الدستوريّ”، أنّ المحكومين بالإعدام يظلّون خاضعين لأحكام قانون العفو المتعلّقة بالمحكومين بالإعدام، أي لمدّة 28 سنة سجنيّة، ما كان سيرجئ الإفراج عن الأسير لنحو تسع سنوات.
سريعاً أيضاً انتقل مدّعي عامّ التمييز من ضفّة التسليم بـ “قدر” الدستوريّ إلى التأكيد أمام النوّاب السنّة، حين التقاهم أوّل من أمس، أنّ النيابات العامّة ستلتزم بقانون العفو، لجهة عقوبة الإعدام، كما أقرّه مجلس النوّاب.
كتلة برّي: “الدّستوريّ” تعدّى على المجلس
أمس، وفيما حاول عدد من النوّاب إثارة مسألة قانون العفو في جلسة مجلس النوّاب التي دعا إليها الرئيس نبيه برّي، أبقى الأخير مسار الجلسة ضمن نطاقها “الانتخابيّ”، فيما كان عضو “كتلة التنمية والتحرير” قاسم هاشم قد تكفّل قبل الجلسة بإبراز الموقف السياسيّ للكتلة، وقال: “قرار المجلس الدستوريّ حول قانون العفو يعتبر في بعض جوانبه اعتداءً على قرار مجلس النوّاب”.
















