تعمّق مفاوضات فلوريدا العسكرية، “الحلقات المفرغة” في التفاوض بين إسرائيل ولبنان، وذلك بعد أن طرحت واشنطن في اجتماعات تامبا على المستوى العسكري بين البلدين، مقترحاً لإنشاء غرفة عمليات مشتركة، بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي تحت إشراف أمريكي، للتنسيق في الملفات الأمنية وعلى رأس ذلك آلية التحقق من نزع سلاح حزب الله.
وتحفظ الوفد العسكري اللبناني المشارك على هذا المقترح الذي حركت به تل أبيب واشنطن، في ظل الرفض القائم من جانب بيروت، بوجود أي تعاون أمني مباشر مع إسرائيل، والاعتراض تماماً على مشاركة الأخيرة في التحقق على الأرض من عملية نزع السلاح، وتقبلها بهذا الدور للجنة دولية مع لجنة الميكانيزم الأمريكية.
ويمنح طرح “الغرفة المشتركة” إسرائيل، نافذة استخباراتية أكبر على تحركات الجيش اللبناني الميدانية، مما يقيّد حركته من جهة، ويعطي تل أبيب، شرعية لفرض تعديلات أمنية مستمرة في الجنوب.
وأوضح مراقبون لـ”إرم نيوز”، أن الجولات التفاوضية، خلال الأشهر الأخيرة، والتي ستنضم إليهم اجتماعات فلوريدا، نتائجها محصورة ضمن مسار مصمم في الأساس على عدم تقديم حلول ملموسة في وقت كان يفترض أن تكون “المناطق التجريبية” مختبراً لذهاب السلطات اللبنانية إلى نزع السلاح بعد انسحاب إسرائيل وانتشار الجيش اللبناني، ولكن الواقع يكشف عبثية الأزمة.
وجاءت اجتماعات فلوريدا العسكرية التقنية من مقر “السنتكوم”، في ظل تأجيل المفاوضات السياسية وحملت مناقشات حول نقاط الخلاف والتي أبرزها آلية التحقق من نزع سلاح حزب الله وتنشيط المناطق التجريبية الخاصة بالانسحاب الإسرائيلي، بالإضافة إلى المطالب اللبنانية الأساسية بوقف الغارات الإسرائيلية، ووقف هدم المنازل، وتجريف القرى في الجنوب، ومعالجة ملف الأسرى.
وتقول الباحثة المتخصصة في التواصل السياسي، الدكتورة نسرين علي ميتا، إن إسرائيل لا تتفاوض على جدول زمني ولكن على شرط مسبق يفرغ أي عمل من مضمونه وهو نزع سلاح حزب الله أولاً، وهو أمر غير قابل للتنفيذ على المدى المنظور لعدة أسباب، يتصدرها عدم تقديم المساعدات المالية للجيش اللبناني، لتحسين تسليحه وقدراته، للقيام بحصر السلاح.
ولكن في الوقت ذاته، فإن الموضوعية تقتضي وفق ميتا لـ”إرم نيوز”، عدم تجاهل عامل آخر وهو تأثر الجيش اللبناني بحزب الله والتنسيق بينهما في الجنوب، وهو ليس اتهاماً إسرائيلياً محضاً، حيث إن التركيبية العسكرية للجيش وتعيينات حساسة ووجود تشكيلات يقودها ضباط مقربون من التنظيم، هي عوامل تضغط حول مدى استقلالية الجيش تماماً.
وفسَّرت ميتا في هذا الصدد، أن هذا لا يعني أن المؤسسة العسكرية تعمل بإمرة حزب الله، ولكنها ضمن بيئة لا تسمح بمواجهته، وإسرائيل تستغل ذلك لترسيخ شرطها المسبق، بأنه إذا كان الجيش غير قادر أو راغب، فلا انسحاب.
وبينت ميتا أن الجوهر والخلاف بين بيروت وتل أبيب ليس تقنياً، بل هو سيادي، في ظل ضغط إسرائيل لتكوين غرفة عمليات مشتركة بين الجيشين، ورفض بيروت ليس تكتيكاً تفاوضياً بل هو خط دفاع أخير.
وتابعت بالقول إن أي تنسيق مباشر يحول الجيش من قوة ذات سيادية إلى شريك تتم تقييد حركته، ويمنح إسرائيل شرعية لفرض تعديلات أمنية مستمرة، ولذلك فإن الموقف اللبناني ثابت في الاجتماعات مثل ما قبلها، بأن يظل الوسيط الأمريكي في المنتصف وألا يكون هناك تنسيق مباشر مع إسرائيل، وهو رفض لصيغة تكرس وصاية أمنية بدلاً من انتهاء الاحتلال.
وأشارت إلى أن توقيت مفاوضات فلوريدا، أضاف أمراً حاسماً عند انعقادها قبل 7 أيام من انتخابات الكنيست مع وجود حكومة انتقالية إسرائيلية، وهو ما يحظر عليها تقديم تنازلات قبل التصويت، لأن أي التزام الآن، يحمل كلفة سياسية بلا مقابل.
وتحاول واشنطن الحفاظ على استمرار الحوار بين لبنان وإسرائيل كـ”إنجاز دبلوماسي” في الوقت الذي لا تعتبر فيه مفاوضات فلوريدا مقدمة لتسوية ولكنها إدارة أمريكية لصراع بغرض منع انهيار اتفاق الإطار الذي وقع بين بيروت وتل أبيب، في يونيو الماضي، وليس تنفيذه.
فيما يؤكد المحلل السياسي اللبناني وجدي العريضي، أن المفاوضات العسكرية في تامبا، عقدت من أجل جدولة الانسحاب، وبالتالي الدخول للمناطق التجريبية، ولكن الواقع قدّم معطيات أخرى آخرها زيارة وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث إلى تل أبيب.
وأوضح العريضي لـ”إرم نيوز”، أن زيارة هيغسيث إلى تل أبيب مع اجتماعات فلوريدا، وما خرج من وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، من تهديدات بتوغل جديد في العمق اللبناني وضرب الضاحية الجنوبية وإخلائها، واحتلال أراضٍ إضافية، يجهز لعملية ربط الجنوب اللبناني بالجنوب السوري، دون النظر إلى ما يجري في تامبا.
وذكر العريضي أن إسرائيل لن تنسحب من الجنوب إلا مع نزع سلاح حزب الله، ولن توافق على جدولة الانسحاب مقابل بدء الجيش اللبناني بالعمل في المنطقتين التجريبيتين، إلا بعد تسلّم الدولة اللبنانية سلاح التنظيم، وذلك في الوقت الذي أكد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أنه لا ثقة في الحكومة اللبنانية.
وخلُص العريضي إلى أنه على هذه الخلفية، فإن إسرائيل باقية في لبنان وقبل التوافق الأمريكي الإيراني، لن يكون هناك جديد في الجنوب، نظراً لارتباط حزب الله بطهران عقائدياً وعندما تحل الأزمة الكبرى، ستكون هناك صيغة لملف الجنوب.
















