شهر على المركب المفقود: عائلات لبنانية وسورية مختفية

مرّ شهرٌ كامل على اختفاء أي أثرٍ لقارب هجرةٍ غير شرعيّة، انطلق من السّاحل اللّبنانيّ في طرابلس نحو قبرص، حاملًا معه عشرات المهاجرين من الجنسيتين السّوريّة واللّبنانيّة. شهرٌ كامل وحالة انتفاء اليقين هي ذاتها لدى أهالي هؤلاء، الذين رموا بأنفسهم في عرض البحر طمعًا بحياةٍ أفضل ومعيشةٍ كريمة في الجزيرة – الدولة أو، إن حالفهم الحظّ، ففي أوروبا التّي ضاقت ذرعًا بالمهاجرين واللاجئين والطامعين بها.

والاختفاء هذا، وبكل ما يُحيط به من ملابسات، وبالرغم من كل المؤشرات الدالة جليًّا على أن ركاب القارب لا يزالون على قيد الحياة، إما تائهين أو مخفيين تعسفيًّا، لا يبدو أن السّلطات القبرصيّة تعير اهتمامًا صريحًا به، وكذلك السلطات اللّبنانيّة التّي انطلق المركب من شاطئها وتحت أعينها، بل وإن أعمال البحث والتقصيّ والمتابعة، تقودها الجمعيات الحقوقيّة والمنظمات الإنسانيّة حصرًا، وسط تخبط ذوي هؤلاء بين فرضيّة أن أبنائهم قد قضوا في البحر (من غير وجود أي جثّة طافيّة على سطح الماء حتّى حينه)، أو ضلّوا الطريق فتلقفهم خفر السّواحل القبرصيّ واقتادهم إلى مراكز الاعتقال. ومع مرور الأيام، ترجّح هذه الفرضية بين كل السّيناريوهات الأخرى.

مركبٌ مفقود
وعطفًا على التّقرير، الذي أشارت “المدن” فيه إلى اختفاء المركب (راجع “المدن”)، فقد تبين أن الركاب الخمسة والثمانون (35 منهم أطفالًا)، يتحدرون بغالبيتهم من سوريا (دمشق وريف دمشق، درعا، إدلب، حماه، حمص)، وبحسب ما أشارت عملية التوثيق التّي قام بها مركز “سيدار” للدراسات القانونيّة، فقد تبين أن الغالبية كانوا في لبنان وفي مختلف المناطق اللّبنانيّة (الجنوب تحديدًا) وقلّةٌ منهم هم الذين جاءوا من سوريا عبر الحدود أخيرًا.. ما يُضعف حجّة السّلطات اللّبنانيّة للتنصل من مسؤوليتهم على اعتبار أنهم جاءوا تهريبًا وغادروا تهريبًا، بل كانوا مقيمين في لبنان وتقع على الدولة مسؤوليتهم.

وبحسب المحامي محمد صبلوح، فإنّه وحتّى اللحظة لم تُصرح أي من القاعدتين البريطانيّتين الموجودتين على جزيرة قبرص، أكروتيري ودكليا، عن وصول أي من المهاجرين، وكذلك السّلطات القبرصيّة التّي ساءلتها المفوضيّة السّاميّة لشؤون اللاجئين عن هذا الموضوع تحديدًا ومرارًا. إلا أن ما يجعل مركز سيدار والأهالي يتمكسون بنظريّة بقاء الركاب أحياءً هو تناقل معلومات تُفيد بأن أحد الركاب قد أرسل رسالة، بعد عدّة أيام من الاختفاء، أفاد فيها بوصولهم سالمين قائلًا:”نحن الحمدلله وصلنا”. وهذا ما يعطي أهميّة بالغة للشكوى التّي تقدم بها صبلوح أمام النيابة العامة التّمييزيّة في طلبٍ لاستخراج “داتا الاتصالات” ومعرفة آخر ظهور إلكترونيّ للمفقودين، وبالتّالي تحديد مكانهم.

ويُذكر أن هذه الشكوى التّي تقدم بها المحامي منذ بداية الشهر، لم يتمّ التّصرف بها قضائيًّا حتّى اليوم، بينما استلمت شعبة المعلومات في الأمن الداخليّ مهمة التحقيق. وباشرت بالتصرف بالبيانات والمعلومات وإفادة المحامي التّي قُدمت لها. وقد أكدّت المصادر أن الشعبة “عازمة على معرفة مصير هؤلاء بغض النظر عن الإجراءات القانونيّة التّي ستتخذ بحقهم لدى رجوعهم إلى لبنان في حال بقائهم أحياء”. فيما امتنعت وزارة الخارجيّة عن التّدخل في هذا الشأن، بحسب صبلوح.

وهذه المعلومات، قد دعّمتها إفادات أخرى تُفيد برؤيّة أحد القوارب التّي انتقلت مع المركب المذكور، بعد 4 ساعات من انقطاع الاتصال بهم، وكان المركب متوجهًا في مساره الصحيح نحو قبرص، أي أن المركب من المحتمل أنّه وصل قبرص بالتّوازي مع باقي المراكب، واعتقلت ركابه السّلطات القبرصيّة (التّي سبق وقامت بنفس الموضوع)، بغية تخويف اللاجئين من الهجرة غير الشرعيّة نحو قبرص تماشيًّا مع السّياسة الأوروبيّة تجاه اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين.

ذوو المفقودين
“مؤشراتٌ شتّى، إلا أنها وللأسف ليست بقطعيّة، هي التّي تجعلنا نتمسك بخيط أملٍ رفيع بأن ذوينا لم يهلكوا في عرض البحر، بل وصلوا إلى وجهتهم؛ نحن حائرون ولا خيار أمامنا سوى انتظار التّصريحات القبرصيّة أو اتصالٍ منهم “، بهذا يستهل الشاب السّوريّ أدهم القاسم حديثه إلى “المدن”، متطرقًا لحالة اليأس التّي ألمت بهم، بعد أن اختفى أثر أخيه البالغ من العمر 33 عامًا، وزوج عمته الخمسينيّ، فلسطينيّ الجنسيّة، على هذا المركب.

مُضيفًا:” وردتنا معلومات من مخيم بورنارا (مركز بورنارا لاستقبال وتسجيل طالبي اللجوء في قبرص هو وحيد من نوعه على الجزيرة المتوسطيّة، أنشئ عام 2019)، أنّه وبعد ثلاثة أيام من الاختفاء، طلبت المفوضيّة من الأهالي للاجتماع في المخيم، لإعطاء بيانات المفقودين، ليفاجأ هؤلاء بوجود مُحقق من جهاز ال CID القبرصيّ (إدارة التّحقيقات الجنائيّة)، وكانت الأسئلة عن تفاصيل المفقودين الشخصيّة وكذلك عن أي معلومات تختص بالمهربين”. إلا أن المؤشر الثاني وفق القاسم:” فهو إحجام أي من اللاجئين المتواجدين في قبرص، الحديث عن أي تفصيل يتعلق بموضوع المركب، مع تخوفنا بأن يكون السّبب هو ترهيب الجانب القبرصيّ لهؤلاء”.

التهريب والهجرة غير الشرعيّة
تبين أن المهربين من الجنسيتين اللّبنانيّة والسّوريّة، وينشطون كما سائر المهربين في المنطقة الممتدة من شواطئ طرابلس إلى العبدة على الحدود مع سوريا، وتكلفة الرحلة الحاليّة كان 3500 دولار أميركيّ، تُدفع على أقساط، الأولى هي دفعة مقدمة والأخيرة تعطى للمهرب في لبنان من خلال الأقارب أو الأشخاص الذين يثق بهم المهاجرون والمهرب بعد وصول المسافرين إلى قبرص.

وحتّى اللّحظة وبالرغم من تواتر المؤشرات وتجليها في صورةٍ تدحض أي نظريّة لغرق المركب أو ضياعه، يبقى التصريح القبرصيّ، هو العنصر الحاسم لمعرفة مصير هؤلاء، ناهيك بالتّحرك اللّبنانيّ الأمنيّ والقضائيّ. فيما لا تزال العائلات اللّبنانيّة على اعتصامها بالصمت، بينما يتمّ التّرويج لبعض المعطيات تُفيد بأن القبطان الذي كان يقود المركب، قد تواصل مع ذويه بعد أيام من الاختفاء مفوضًا أحد الأشخاص المتواجدين معه في مشفى في قبرص.

قبرص: معبر إلزاميّ نحو أوروبا
ووفقًا للأرقام الرسميّة، شهدت الجزيرة المتوسطيّة قبرص زيادة بنسبة 60٪ في عدد الوافدين خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2023 مقارنة بالعام السّابق. وقد أصبحت قبرص تدريجيًّا، وجهة مفضلة للهاربين من الأوضاع السّياسية والاقتصادية الصعبة في لبنان وسوريا، بوصفها بوابة للوصول إلى أوروبا في ظل نقص خيارات الهجرة الآمنة، خاصةً أنها تبعد أقل من 200 كيلومتر عن سواحل طرابلس اللّبنانيّة وطرطوس السّوريّة.

ورغم هذه الزيادة، اتخذت الحكومة موقفًا أكثر صرامة، حيث تسعى إلى اتخاذ إجراءات لتقييد وصول المهاجرين إلى قبرص من جهة، وتقليل عدد طالبي اللجوء على أراضيها من جهة أخرى. تماشيًّا مع التّوجه الأوروبيّ الجديد المندرج تحت مظلّة “ميثاق الهجرة” والسّاعي إلى معالجة الشوائب التّي تتخل سياسة اللّجوء الأوروبيّة الحاليّة، أكان بضبط الحدود والحؤول دون عمليات الدخول غير النظامي، فضلًا عن تنظيم إدارة اللجوء وخصوصًا أثناء الأزمات.

اترك تعليق