من الجبهة الجنوبيّة… أرقامٌ أوليّة صادمة

انكشف المشهد في البلدات والقرى الحدودية الجنوبية على دمار هائل في منازل وبنى تحتية ومقومات العيش، ما يجعل العودة الوشيكة للنازحين من سكان هذه البلدات غير متيسرة، في حال الوصول إلى هدنة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، تتلازم مع الجهود الدولية التي تبذل لمنع توسع دائرة الحرب بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي.

أرقام أولية شبه رسمية، تجعل من يطالعها مذهولا لجهة عودة الحياة إلى البلدات والقرى المتاخمة للجبهة مع إسرائيل.

نزوح كامل من 30 قرية من 37 من قضاء بنت جبيل، ومثله لـ 28 قرية من 32 في قضاء مرجعيون. وحديث عن 8 آلاف تلميذ يتابعون العام الدراسي عن بُعد «أونلاين». وإشارة إلى نقل قسم لا بأس به من تلامذة هذه البلدات إلى مدارس في صور والنبطية ومدارس جمعية «المبرات» في بيروت.

نزوح من الخيام وكفركلا والعديسة وحولا وطير حرفا والطيبة وعيتا الشعب ويارون واللبونة وشيحين والجبين وبرعشيت وغيرها… نزحت الغالبية من السكان إلى تلال مقابلة، كما حصل في حاصبيا، منطقة العرقوب القريبة من مزارع شبعا (تقع تحتها جغرافيا)، حيث البيئة هناك تشعر بأنها غير مستهدفة من العدو الإسرائيلي كما يحصل في بلدات وقرى المواجهة.

إجماع على مقاربة رقم النازحين الإجمالي 100 ألف نسمة، بينهم 45 ألفا استقروا في مدينة صور ومحيطها، وتوزع البقية في المناطق اللبنانية، وإن كان القسم الأكبر لم يبتعد خارج الضفة الجنوبية لنهر الأولي في صيدا.

إعلانات بالجملة عن نقل مصالح ومصانع وعيادات طبية من بنت جبيل وغيرها إلى النبطية وصور وبلدات أخرى. وتقديرات تشير إلى بقاء 500 مواطن في الخيام من أصل عشرة آلاف اعتادوا تمضية الشتاء هناك. وتخطى عدد البيوت المهدمة بالكامل في بلدة كفركلا المقابلة لمستوطنة المطلة الـ 560، وقد دمرت في شكل كامل وسويت بالأرض، ولم يبق منها معالم تشير اليها، ويتكرر المشهد في بلدات أخرى. والمحصلة ان حجم الدمار فاق ما حصل في حرب يوليو 2006، ما يعكس شعورا بالقلق حول عودة السكان بعد السكوت المتوقع لأصوات المدافع وهدير المقاتلات والمسيرات الإسرائيلية التي تقصف المناطق، ويقلق صوتها السكان الصامدين طوال الساعات الـ 24، اذ لا يغيب أزيز أصوات المسيرات.

في بلدة دبين المتاخمة لجديدة مرجعيون، أعادت «أم حسين» وزوجها فتح البقالة التي تحمل اسم السيدة، بعد إغلاق استمر شهرين، لبقالة اشتغلت بقوة منذ خمسة أعوام، غابت بسطة الخضار التي كانت تعرضها السيدة التي ناهزت منتصف الخمسين من عمرها في الخارج، خشية تلف البضاعة لقلة الحركة التجارية، بسبب ضآلة عدد السكان المقيمين.
الموردون لا يقصدون هذه البلدات، ما يجعل أصحاب المتاجر الكبرى يتجهون إلى مدينة صيدا للتبضع، وتأمين النقص الذي بدا واضحا في رفوف المحال على أنواعها، كما الحال في سوبرماركت حنا ادمون في بلدة القليعة الحدودية.

وأفاد مقيم في البويضة بمرجعيون عن انقطاع المياه المعدنية لأكثر من شهرين، والتي كانت تؤمن إلى المنازل والمتاجر. وطال الحديث شكوى من أساتذة وتلامذة مدرسة في مرجعيون، الذين أطلقوا «صرخة وجع» توجهوا فيها «إلى كل من لم يكن يعرف ان جزءا من الوطن ينزف ويسير درب الجلجلة منتظرا الخلاص». فيما رفض القيمون على بعض المدارس إخضاع تلاميذهم للامتحانات الرسمية الخاصة بالثانوية العامة، بسبب تعليق الدروس حضوريا.

مناطق تفتقد في الأساس مقومات الحياة من مستشفيات قريبة مجهزة لحالات طارئة. وضائقة اقتصادية ترخي بظلالها على مقيمين يحتاجون إلى المحروقات للتدفئة، والى حرية التنقل من دون خشية الاستهداف من المسيرات والطائرات الحربية. وتنعدم الحركة بعد غياب الشمس، وخصوصا قرب جسر الخردلي حيث نقطة مراقبة ثابتة للجيش اللبناني، تفصل بين المنطقة المشمولة بالقرار 1701 الذي أمن وقفا للنار بعد حرب يوليو 2006، والبلدات والقرى المؤدية إليها.

«طرقات عدة لا تشهد حركة سير، مثل طريق كفركلا الخيام، ويلجأ السكان إلى الالتفاف عبر بلدات أخرى تشهد وتيرة أقل من الاستهداف الإسرائيلي، لقلة حركة المقاومين فيها».

الكلام لشاب أربعيني من العديسة، الذي عرض لقصة سيدة شابة من الخيام «أعطت مفتاح منزلها للشباب (من المقاومة)، وكانت النتيجة تسوية المبنى المؤلف من أربعة طوابق بالأرض».

«اليوم التالي» لوقف الحرب في جنوب لبنان يختلف كثيرا عن ذلك الذي شهده الجنوب بعد حرب تموز 2006. لا مقومات للحياة في بلدات تواجه تحديات جمة في ظروف طبيعية، ويعتمد أهلها على تحويلات مالية من أبنائهم والأقرباء من المغتربين. هناك وضع اللبنانيون المقيمون في أفريقيا والولايات المتحدة جنى العمر في منازل تخطت القيمة الإجمالية للواحد منها الـ 300 ألف دولار أميركي. لم يخش اللبنانيون إسرائيل، وشيدوا منازلهم قرب الجهة المقابلة للشريط الحدودي المنصوب في الجهة الشمالية من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وقد بنيت استراحات خارج المنازل لجعلها مضافة، وكان أهلها ينفخون نار الشيشة فوق السياج الفاصل. قد تبدو العودة صعبة إلى «بلدات وقرى المواجهة»، اذ دون ذلك إعادة إعمار كاملة تحتاج الى مبالغ طائلة. ولا داعي للحديث عن الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي تضرب البلاد منذ أواخر 2019، وحجز الودائع في المصارف لا بل تبخرها، وانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي.

لكن أبومحمد يأخذ مجة عميقة من سيجارته التي أعدها يدويا، من محصول التبغ الذي زرعه الموسم الماضي وباع القسم الأكبر منه إلى الريجي. وقال الرجل الثمانيني لـ«الأنباء» قائلا: «اعتدنا على مواجهة الصعاب والشدائد، وسيعود الناس مهما طال الغياب».

اترك تعليق