على وقع انشداد المنطقة والعالم مجدداً إلى جولةٍ فاصلةٍ من مفاوضاتِ حافةِ الحربِ «الأخيرة» بين الولايات المتحدة وإيران، يملأ لبنان الرسمي الأيام العشرة من وَقْفِ النار بين إسرائيل و«حزب الله» بتكثيف حركته الدبلوماسية الرامية إلى «تصفيح» الهدنة ورَفْدِ الرئيس دونالد ترامب، بمزيدٍ من العناصر التي تعزّز هوامشَ الضغطِ على بنيامين نتنياهو، لعدم استئناف القتال على جبهة «بلاد الأرز».
وفي وقت كانت جبهةُ إيران تُسابِقُ مهلةَ انتهاء هدنة الأسبوعين، بدا لبنان وكأنه يسعى لتمرير الساعات الفاصلة عن انقشاع اتجاهات الريح في «المَسرح الأم» بتثبيتِ أقدامه في الملعب الجديد الذي رسّم من خلاله حدوداً غير مسبوقةٍ لتدخُّل طهران في الشأن اللبناني وتحويلها الوطن الصغير كرة نار تضرمها متى شاءت لتقوية جبهتها المشتعلة ثم تفاوض وتقايض عليها في زمن إطفاء «برميل البارود»، وفي الوقت نفسه تَفادي انزلاق البلاد إلى صِدامٍ داخلي يقرع طبوله «حزب الله» بمواقف بلغة التهديد والوعيد لرئيسيْ الجمهورية العماد جوزف عون، والحكومة نواف سلام، تذكيها «الجمهورية الإسلامية» من بُعد.
ورغم أن غداً لناظره قريب على جبهة إيران التي رُبطت بلاد الأرز بها بالنار أولاً، ثم فُكّت عنها بالهدنةِ التي جاءت في سياق المَسار الإيراني ولكن منفصلةً عنه بعدما وفّرت طاولةُ واشنطن (بين بيروت وتل أبيب) مَدرجاً لإقلاع المسار التفاوضي اللبناني المستقلّ وإخراج طهران عملياً من «قمرة قيادة» ورقة لبنان، فإن بيروت لم تنتظر اتضاح الخيط الأبيض من الأسود في محادثات إسلام أباد الفاصلة، بل مَضَتْ في العمل باتجاهين:
– الأول تعزيز المسارٍ الدبلوماسي الذي انخرطت فيه مع تل أبيب عبر مفاوضاتٍ مباشرة في واشنطن لبلوغ حل دائم، يمرّ حُكْماً بسحْب سلاح «حزب الله» وهو الملف الذي تتشابك واقعياً أي آليةِ تنفيذٍ له «على البارد» مع مآلات الجبهة الإيرانية.
وفي الإطار، أشارت تقارير إلى أن لبنان يستكمل التحضيرات للمرحلة الأولى من المفاوضات مع إسرائيل في كنف وقف النار الذي يُراد أن يشهد حتى 27 أبريل تعبيداً واضحاً لطريق بلوغ اتفاقٍ مستدام وشاملٍ، وهو ما يعوقه حتى الساعة الرفض المستحكم من الحزب لتفكيك ترسانته خارج إطار دفتر شروطِ ما قبل «حرب لبنان الرابعة»، كما للتفاوض المباشر بوصفه «خيانة» و«خروجاً عن الميثاق».
وفي وقت أشارت التقارير إلى أن لبنان أعدّ ورقته إلى المفاوضات «ما بعد تمهيدية» مرتكزة على الثوابت التي كرّرها عون، في كلمة «القرار للدولة» في السلم و«لم نعد ورقة في جيب الآخرين يفاوضون عنا»، ولاسيما تثبيت وقف النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من كل شبر من أراضي لبنان المحتلة، وعودة الأسرى، وبت النقاط الخلافية على الحدود البرية، لم يكن عابراً أن يدخل علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني السابق، على خط ملاقاة الحزب في تهديداته للحكومة اللبنانية على خلفية ملف التفاوض مع إسرائيل، قائلاً «إنها تنتهج أسلوب (الرئيس الشهيد) رفيق الحريري، لكن داعميه أنفسهم قد فشلوا؛ وهذا النهج لا يصب في مصلحة لبنان. وإذا واصلت الحكومة اللبنانية المواجهة مع الحزب، فإن الشعب سيتخلّى عنها».
سلام إلى باريس
– أما الاتجاه الثاني الذي تعمل عليه الدولة اللبنانية فهو محاكاة الخارج لحشد مزيد من الدعم للمسار الجديد تفاوضاً وهدنةً.
وفي الإطار، يزور سلام، الثلاثاء، باريس للقاء الرئيس إيمانويل ماكرون، على وهج مقتل جندي من الكتيبة الفرنسية العاملة في «اليونيفيل» في جنوب لبنان، واتهام الاليزيه الحزب بالوقوف وراء سقوطه وجرح 3 آخَرين.
ومن المتوقع أن يركّز اللقاء على دعم الجيش، وضمان تنفيذ اتفاق وقف النار، وحضّ الحكومة اللبنانية على تسريع الإصلاحات الاقتصادية تمهيداً لمؤتمر دولي لإعادة الإعمار.
وكان المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء أفاد بأنه «وبدعوة من الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، يتوجّه سلام، إلى لوكسمبورغ للقاء وزراء خارجية الاتحاد الثلاثاء»، قبل توجّهه إلى باريس.
وفي السياق نفسه، جاء الاتصال الذي أجراه عون، مساء السبت بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي أكد «دعمه للخطوات التي اتخذها عون لوقف التصعيد العسكري وفي مقدمها المفاوضات الثنائية المباشرة التي تهدف إلى وقف الأعمال العسكرية وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تحتلها في الجنوب وانتشار الجيش حتى الحدود الجنوبية وغيرها من النقاط التي تحقق بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها».
الجنوب… تدمير وتهويد
في موازاة ذلك، استمرت إسرائيل في محاولة تثبيت أمرٍ واقعٍ على الأرض وتحديداً داخل «الخط الأصفر» الوهمي الذي أعلنت أنه بات قائماً في بقعةٍ من جنوب الليطاني ويحدّد ما تعتبر أنه منطقة خط دفاع أمامي عازلة يُخشى أنها ستكون ورقة الضغط الأقوى في المفاوضاتِ مع لبنان خصوصاً في حال تم بلوغ تسويةٍ على جبهة إيران تصعّب استئناف القتال مع الحزب، وما لم تكن اكتملتْ أو نجحت المساعي العربية لتوفير «شبكة أمان» سياسية تتيح لحزب الله «هبوطاً آمناً» يلاقي خروج طهران من نفق الحرب وفق شروط تشكّل أذرعها جزءاً منها.
وفي حين أفادت وسائل إعلام عبرية بأن الجيش بات يسيطر على ثلث المنطقة الممتدة بين الحدود ونهر الليطاني (نحو 300 كيلومتر مربع)، أوردت صحيفة «هآرتس» أنه يواصل تدمير قرى بشكل منهجي خلال فترة وقف النار، بينها منازل ومبانٍ عامة ومدارس يتم هدمها ضمن «سياسة أوسع تهدف إلى إخلاء المنطقة نهائياً»، في منطقة سيطرته الجديدة «المنطقة الصفراء».
ولم يكن عابراً في موازاة بث فيديوات لتدمير كبير في قلب مدينة بنت جبيل وظهور دبابات تجول فيها، نشر الجيش الإسرائيلي نطاق «خط الدفاع الأمامي» الذي تعمل فيه قواته في جنوب لبنان «لمنع تهديد مباشر على بلدات الشمال»، بينما كانت تتظاهر ضد وقف النار وتشهد إضراباً للضغط على نتنياهو وحكومته على خلفية الرضوخ لضغوط ترامب، على جبهة لبنان.
وإذ أكد الناطق باسم الجيش افيخاي ادرعي، أنه «في هذه الأيام تعمل خمس فرق عسكرية إلى جانب قوات سلاح البحرية بشكل متزامن جنوب خط الدفاع الأمامي في جنوب لبنان»، برز في الخريطة التي نشرها شمولُها منطقتين واقعتين شمال الليطاني وهما يحمر وجبل الشقيف (قضاء النبطية) إلى جانب اعتبار الامتداد البحري قبالة الناقورة واقعاً في قبضة إسرائيل مع ما يعنيه ذلك من سيطرة حتى إشعار آخر على البلوكات النفطية في هذه البقعة وتالياً التعليق الضمني لاتفاق الترسيم البحري مع لبنان.
«جبال كريستوفاني»
كما استوقف مراقبين أن الخريطة أظهرت أن نطاق السيطرة (على نحو 55 بلدة) يصل في أقصى اليمين (القطاع الشرقي والشمال الشرقي) إلى منطقة جبل الشيخ ومزارع شبعا وكفرشوبا، عبر إدراج ما أسماه «جبال كريستوفاني» وهي منطقة تكتسب أهمية إستراتيجية لموقعها شمال بلدة شبعا، وإشرافها المباشر على طرق إمداد جنوب البقاع وقربها من تجمعات حاصبيا السكنية.
وتُظهر الخريطة تداخلاً في السيطرة عند المثلث الحدود
















