تخوّف رسميّ من توسيع إسرائيل دائرة استهدافاتها

تُواجَه السلطة في لبنان بواقع شديد القساوة ناجم عن تعنّت إسرائيل في عدم تحويل وقف إطلاق النار المُعلن في 16 نيسان الماضي إلى وقف فعليّ وعمليّ لإطلاق النار. أمس، أطلق العدوّ الإسرائيلي موجة جديدة من إنذارات الإخلاء لم تشمل سابقاً بلدات في البقاع والجنوب، وصولاً إلى دير الزهراني بين قضاءي النبطيّة وصيدا، ونفّذ للمرّة الأولى منذ الإعلان الاميركي عن وقف إطلاق النار عملية اغتيال في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ثمّة واقعيّة سياسيّة تَدفع المُتابعين عن كثب لملفّ التفاوض المفتوح مع إسرائيل إلى التيقّن بأنّ جولة المحادثات الثالثة بين سفيرَي لبنان ندى حماده معوّض والإسرائيليّ يحيئيل ليتر لن تكون الممرّ المسهِّل، أو الإلزاميّ، لوقف إطلاق نار شامل يريده رئيس الجمهوريّة جوزف عون شرطاً مسبقاً لبدء المفاوضات المباشرة على مستوى أعلى بين وفدَي البلدين، برعاية أميركيّة لا تزال متاحة من جانب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب شخصيّاً.

يتوسّع فعليّاً بيكار المخاوف في لبنان، بدءاً من فشل “تثبيت” وقف النار، إلى انهيار محتمل للهدنة بين واشنطن وطهران، حتّى لو بادر الرئيس ترامب فجر الأربعاء إلى تعليق مؤقّت لمرافقة السفن عبر مضيق هرمز، والإشارة إلى “التقدّم نحو التوصّل إلى اتّفاق شامل مع إيران”، والحديث عن مسوّدة أميركيّة للحلّ يُفترض أن يردّ عليها الجانب الإيرانيّ خلال 48 ساعة.

سينعكس أيّ تعثّر على مستوى المفاوضات الأميركيّة-الإيرانيّة بتبعاته، برأي المصادر، على الحرب التي لا تزال دائرة بين إسرائيل و”الحزب”، سيّما بعد تأكيد شبكة “سي إن إن” نقلاً عن مسؤول إسرائيليّ أنّه “إذا انهار وقف النار مع إيران، فستدرس إسرائيل توسيع ضرباتها ضدّ “الحزب” في كلّ لبنان، وليس في الجنوب حصراً”، فيما هناك هواجس رسميّة لبنانيّة من “تحرّر إسرائيل مجدّداً من القيود الأميركيّة ربطاً بالضربات التي تتعرّض لها من جانب “الحزب”، وخصوصاً المسيّرات “الفايبر” المفخّخة”.
تُواجَه السلطة في لبنان بواقع شديد القساوة ناجم عن تعنّت إسرائيل في عدم تحويل وقف إطلاق النار المُعلن في 16 نيسان الماضي إلى وقف فعليّ وعمليّ لإطلاق النار

لا تصريح رسميّاً حتّى الآن من جانب الولايات المتّحدة، راعية المفاوضات، عن استئناف جولات التفاوض على مستوى السفراء، مع العلم أنّ رئيس الجمهوريّة أعلن يوم الإثنين أنّ هذا الأمر “سيحصل خلال الأيّام المقبلة”.

تحذّر آخر التصريحات الأميركيّة مجدّداً: “لا ينبغي أن يكون هناك “الحزب” والحكومة معاً. يجب أن ينضوي الجميع تحت راية الحكومة. إذا فعلنا ذلك فسيكون هناك سلام بين لبنان وإسرائيل، لكنّ علينا أوّلاً بناء قدرة اللبنانيّين على ذلك”.

لا انسحاب إسرائيليّاً

لكنّ المؤكّد، وفق المعلومات، أنّ لقاء عون-نتنياهو لن يكون وارداً قبل بدء المفاوضات المباشرة وحصول مبادرة إسرائيليّة أقلّه إلى بدء الانسحاب تدريجاً، وهو ما تراه جهات سياسيّة غير ممكن في المدى المنظور بسبب الربط المُحكَم لإسرائيل بين إعادة تموضعها جنوب لبنان، وبين تلقّي ضمانات والتحقّق عملانيّاً على الأرض من عدم تعرّضها لضربات “الحزب” مجدّداً.

لم تتبيّن حتّى الساعة تداعيات قرار عون رفض لقاء رئيس الوزراء الإسرائيليّ “في المرحلة الراهنة”، مع العلم أنّ هناك تسريبات بأنّ إحدى نتائج هذا الرفض تجميد الجانب الأميركيّ لمباحثات السفراء في واشنطن.

المفارقة أنّه بعد تسريب معطيات من الجانب الإسرائيليّ بأنّ 11 أيّار سيكون موعد لقاء نتنياهو بالرئيس الأميركيّ في البيت الأبيض، تحدّثت تسريبات مضادّة بأنّ بداية الأسبوع المقبل سيلتقي السفيران اللبنانيّ والإسرائيليّ للمرّة الثالثة في واشنطن.

اللّقاء الثّلاثيّ

داخليّاً، أتت زيارة رئيس الحكومة أمس لعين التينة من ضمن سياق التهدئة الداخليّة المتبادلة على مستوى المرجعيّات الأساسيّة، ومن ضمنها الانفتاح الأوّل من نوعه من معراب باتّجاه رئيس الجمهوريّة، وهي خطوة أتت بالتنسيق المباشر بين مستشار الرئيس عون جان عزيز والنائبة ستريدا جعجع.
لا تصريح رسميّاً حتّى الآن من جانب الولايات المتّحدة، راعية المفاوضات، عن استئناف جولات التفاوض على مستوى السفراء، مع العلم أنّ رئيس الجمهوريّة أعلن يوم الإثنين أنّ هذا الأمر “سيحصل خلال الأيّام المقبلة”

يمكن القول إنّها المرّة الأولى التي يَحضر فيها وفد قوّاتيّ موسّع إلى قصر بعبدا، بعد فترة من التوتّر الصامت بين الطرفين الذي قاد جعجع شخصيّاً إلى شنّ ما يشبه حملة على عون على خلفيّة “تأخّره مع الحكومة في حلّ الجناح العسكريّ لـ”الحزب”، واتّهامه بـ “تمييع خطابه السياسيّ من أجل مسايرة الحزب”، وتساؤله الدائم: “بأيّ منطق تخضع الشرعيّة لتصرّفات اللاشرعيّة؟”، فيما لم يكن جعجع يتردّد في القول أمام دائرته الضيّقة إنّ “حلف بعبدا-عين التينة قد يُشكّل أحد أسباب سقوط العهد”، وفي التحدّث في العلن عن “تواطؤ” بين عون وبرّي (خطابه في المؤتمر العامّ لـ”القوّات” في 7 كانون الأوّل)، وتصويبه على زيارة عون السابقة للمملكة السعوديّة بتأكيده أنّ “المملكة لم تلبِّ أيّ طلب له”، هذا علاوة على “مضايقات” وزراء “القوّات” لرئيسَي الجمهوريّة والحكومة في الجلسات الوزاريّة الماضية.

حتّى يوم أمس كان الموقف الرسميّ لـ”القوّات” يدلّل على أنّ ثمّة جهداً رئاسيّاً لم يتمّ من خلال القول إنّ “الخلاص لا يأتي هديّة من أحد، بل مدخله قرار داخليّ شجاع يضع حدّاً لاستخدام لبنان ساحة مفتوحة”.

على خطّ موازٍ، لا يبدو أنّ الالتفاف النيابيّ والسياسيّ حول خيارات الرئيس عون سيقود قريباً إلى عقد اللقاء المؤجّل بين الرؤساء الثلاثة، ولا إلى نيل الموافقة الشيعيّة على خوض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في وقت تُمعِن تل أبيب في اعتداءاتها، وإخلاء الغالبيّة العظمى من بلدات الجنوب وتحويلها إلى صحراء خالية من السكّان.

اترك تعليق