مفاوضات واشنطن: جرأةٌ على إنهاء العداء

في المواجهة المفتوحة بوجهَيها العسكريّ والاقتصاديّ بين الولايات المتّحدة وإيران، كلتاهما تعوّل على الوقت وتتصرّف على أنّه رياضتها: طهران ذات الإرث الثقافيّ الرمزيّ فيه تعدّه اختصاصها، وواشنطن تتنقّل به من التهديد بالحرب إلى شدّ الخناق بالحصار. أضحى الوقت إحدى أدوات المواجهة غير المباشرة بين طرفين لا يريدان الحرب، ولا يجلسان إلى طاولة المفاوضات، ويدوران في حلقة مفرغة من الاقتراحات وردود الفعل المتقابلة والمناورات المتبادلة بالاستعداد للعودة إلى القتال والحوار في آن. الوقت الذي تشغف الولايات المتّحدة وإيران بإمراره هو الآن أسوأ الاستحقاقات التي يواجهها لبنان.

الوقت بالنسبة إلى لبنان أصعب استحقاقاته وتحدّياته الآن. يتسابق فيه الاحتلال الإسرائيليّ لجنوبه والتوسّع في تدميره وتهجيره، وإصرار “الحزب” على المضيّ في خيار “الميدان” على أن يعيد إليه الحدّ الأدنى من إعادة العمل بقواعد اشتباك بينه وبين إسرائيل في الجنوب وبينه وبين الدولة اللبنانيّة في الداخل، علاوة على انقسام داخليّ وتلويح بالفتنة وخيارات صعبة يريد أن يقودها رئيس الجمهوريّة في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. كلٌّ من هذه المعضلات تسابق الوقت وتخشى أن يفوتها في الوقت نفسه.
لا تزال المشكلة تكمن في وجود سلاح غير شرعيّ خارج الدولة اللبنانيّة هو الأداة الوحيدة المعوّل عليها للإبقاء على ربط لبنان بحروب الإقليم

شعار غير مسبوق؟

في الخميس والجمعة المقبلين جولتان ثالثة ورابعة للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن تتّسمان بأكثر من سبب لترقّب تداعياتهما:

– أوّلها أنّ الدولة اللبنانيّة تذهب إليها وهي تجهر بقطيعة كاملة بينها وبين “الحزب”، وتحديداً بينه وبين الرئيس جوزف عون الذي يقارب التفاوض المباشر على أنّه خيار ورهان في آن. يستمدّ عون القوّة المعنويّة في خوض هذه المفاوضات من كونه يمثّل الشرعيّة الدستوريّة التي تقدم عليها باقتناع كلّيّ، دونما أن تكون واجهة زجاجيّة لمفاوض آخر مستتر كان في الغالب “الحزب”، الذي راحت تمثّله في السنوات المنصرمة السلطة اللبنانيّة القائمة، وتتحاور باسمه على نحو ما حدث مرّتين على الأقلّ: في “تفاهم نيسان” عام 1996 وفي الوصول إلى القرار 1701 عام 2006. كلاهما صنع “الحزب” حربَيهما، دونما أن يُتاح له الجلوس إلى طاولة التفاوض، فحلّت الدولة اللبنانيّة نيابة عنه كي تكرّس له ما أُرغمت عليه سلفاً، وهو تشريع سلاحه في مواجهة إسرائيل. وهو ما لم يحدث في استحقاقين آخرين مختلفين عندما فاوضت الدولة اللبنانيّة على نحو غير مباشر إسرائيل على أنّها تمثّل نفسها: عام 2000 في مفاوضات ترسيم حدود الانسحاب الإسرائيليّ، وفي عام 2022 في مفاوضات الترسيم البحريّ. في المحاولة الجديدة، مذ بدأت الجولة الأولى للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل في 14 نيسان، وأعادت تأكيدها الجولة الثانية في 23 نيسان، ذهبت إليهما الدولة اللبنانيّة وهي في قلب المواجهة مع “الحزب” وضدّه.
في الخميس والجمعة المقبلين جولتان ثالثة ورابعة للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن تتّسمان بأكثر من سبب لترقّب تداعياتهما

– ثانيها أنّها المرّة الأولى التي يفاوض فيها لبنان تحت شعار لم يسبق أن طُرح يوماً منذ وُضع اتّفاق الطائف موضع التنفيذ، وهو إنهاء حال الحرب مع إسرائيل. حالت دونه آنذاك، حتّى عام 2005، وطأة الضغوط والتدخّل السوريّ، ثمّ في العقدين الأخيرين تهويل “الحزب” بتفجير الاستقرار الداخليّ. الحجّة المعلنة ربط الحلّ اللبنانيّ بتسوية المنطقة، فيما الذريعة المضمرة إبقاء لبنان ساحة مواجهة مع إسرائيل فرضتها سوريا وآلت من بعدها إلى إيران. ما لم يجرؤ على الجهر به أيٌّ من الرؤساء وحكوماتهم المتعاقبة مذّاك، أضحى دافعاً مباشراً لاتّخاذ حكومة الرئيس نوّاف سلام قرار حصر السلاح في يد الدولة بسبب حصيلة حرب إسناد غزّة، والذهاب من بعد إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لوضع حدّ لحرب إسناد إيران.

المفاوضات

فصل المسارات

لا تزال المشكلة تكمن في وجود سلاح غير شرعيّ خارج الدولة اللبنانيّة هو الأداة الوحيدة المعوّل عليها للإبقاء على ربط لبنان بحروب الإقليم. ما لم يذهب إليه الرئيس أمين الجميّل في اتّفاق 17 أيّار 1983 أضحى شعاراً رئيساً للرئيس جوزف عون. أتمّ الرئيس السلف اتّفاق “جلاء القوّات الإسرائيليّة عن الأراضي اللبنانيّة” دونما الوصول إلى إنهاء حال العداء آنذاك. ما أقدم عليه لم يعدُ كونه “ترتيبات أمنيّة” عند جانبَي الحدود دونما أن يُعدّ مرّة اتّفاق سلام، وهو ما نادى به أخيراً، ولا يزال، الرئيس الخلف، لكن بخطوة متقدّمة غير مسبوقة هي إنهاء حال العداء.
يستمدّ عون القوّة المعنويّة في خوض هذه المفاوضات من كونه يمثّل الشرعيّة الدستوريّة

– ثالثها، على الرغم من تقاطع الأولويّات التي يقول بها رئيس الجمهوريّة و”الحزب” حيال إنهاء الاعتداءات اليوميّة ووقف النار وتثبيته وبرمجة الانسحاب الإسرائيليّ من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة وإعادة الأسرى، إلّا أنّهما يتناقضان في آليّة الوصول إلى هذه الأهداف: تفاوض مباشر أم غير مباشر؟ تقارب الرئاسة التباين من التفاوض على أنّه شكليّ، فيما يبصره “الحزب” جوهريّاً حيال عدوّ عقائديّ دينيّ لا يعترف به، وسبق لأمينه العامّ الراحل السيّد حسن نصرالله أن أفتى برفض الاعتراف بإسرائيل أيّاً تكن وطأة الأحداث. مع ذلك جلس لبنان وإسرائيل وهو في موقع العداء لها في مرحلة ما بعد اتّفاق الطائف الذي شرّع سلاح “الحزب” إلى طاولة واحدة عامَي 1996 و2024. كان أوّل جلوس على أثر مفاوضات اتّفاق الهدنة عام 1949، وآخره لا يزال قائماً الآن في لجنة “الميكانيزم”. في كلّ من تلك الحالات، كان مباشراً كلُّ تفاوض بينهما أيّاً يكن مَن يتوسّط بينهما.

– رابعها، الأصل في ما يرمي إليه التفاوض المباشر هو فصل مسار واشنطن عن مسار إسلام آباد، وهو المبرّر الفعليّ الذي حمل رئيس الجمهوريّة على استعجال الذهاب إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. على النقيض منه، يجد “الحزب” في تواصل الاشتباك مع إسرائيل سبباً حتميّاً لحمل إيران على ربط وقف النار في الخليج بوقف النار في جنوب لبنان، وصولاً إلى حماية حليفها “الحزب” وإدراجه في سلّة مصالحها على طاولة إسلام آباد. ليست إشارة عون الخميس إلى الترحيب بأيّ مساعدة إيرانيّة تمرّ عبر المؤسّسات الدستوريّة حصراً، سوى تأكيد إضافيّ لحقّ لبنان في أن يتحدّث عن نفسه بنفسه، ويختار بنفسه أيضاً مسار إيجاد حلول لمشكلاته.

اترك تعليق