جولة المفاوضات الثالثة : هل تُفْضي إلى “إعلان نيات”؟

كأنّها مفاوضاتُ حافة الهاوية التي خاضَها لبنان الخميس، مع إسرائيل في واشنطن، في جولةٍ ثالثة من المَسارِ الذي انطلق في 14 أبريل، ووُلد في كنفه وقف النار الذي بدأ بعد يومين على متن «ألو» غير مسبوقة من الرئيس دونالد ترامب، مع نظيره اللبناني جوزاف عون، وأخرى، منفصلة، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعد عدم نجاحه في جمْع الرجلين تحت «خط» واحد.

فلبنان ذَهَبَ إلى مفاوضاتِ 14 مايو، على وقع فجواتٍ كبيرةٍ بالغارات والتوغلات والاغتيالات لا تنفكّ إسرائيل تُحْدِثها في الهدنةِ التي لم يَبْقَ منها إلا عنوانٌ باهت، وفجواتٍ سياسية داخلية بفعل «عملية الحفر» المستمرة من «حزب الله» تحت كرسي الدولة على طاولة واشنطن وللدولة نفسها عبر إصراره على أن يبقى ملف ترسانته العسكرية رَهْنَ مفاوضاتِ إسلام أباد بوصْفه من أسلحة إيران التفاوضية مع الولايات المتحدة، كما «الاحتياط الأقوى» في أي حربٍ قد تعود للاشتعال على جبهتها.

وهذه الفجوات المتقابلة جَعَلَتْ المفاوضات التي استمرّت نحو 8 ساعات حتى ما بعد منتصف الليل (من التاسعة صباحاً إلى الخامسة عصراً بتوقيت واشنطن) وتخللتها استراحة عمل، تُقابَل في بيروت بحبْس أنفاس بحجم ما سيترتّب على ما بعد بدء كشف الأوراق الجدية وانكشاف النيات الحقيقية، على ضفتيْ التفاوض الذي كان أُعلن أنه يضرب موعداً مع جولة رابعة الجمعة، لبدء هنْدسة ركائز المحادثات الرسمية المعمّقة والناظمة لاتفاقٍ يحاذر لبنان أن يحمل خاتمة «ما فوق أمنية» وتطمح إسرائيل لأن تكون ذات طابع سياسي تطبيعي وبـ «ختْم السلام».

وفي الساعات الفاصلة عن يوم التفاوض الماراثوني، بدا لبنان الرسمي وكأنه غرفة عمليات مع كواتم صوت وهو يواكب الاستعدادات لمحادثاتٍ تجري تحت النار الإسرائيلية، ويرتسم في خلفيتها مشهدٌ تَظهر معه تل أبيب وهي تنخرط فيها على قاعدة «أن لديها كل شيء لتربحه»في حال نجاحها أو فشلها، وبيروت على قاعدة «أن لديها كل شيء لتخسره» إذا انهارتْ وعادت الحرب الطاحنة، فيما ترعاها واشنطن بصفة مَن يريد إنجازاً دبلوماسياً متمِّماً لأهداف المعركة مع إيران، لجهة قطع أذرعها، وساحباً ورقة «بلاد الأرز» من جيْبها.

أما «حزب الله» فيشاغب على المفاوضات من الخلف وكأن «لا شيء لديه ليخسره»بعدما فَقَد كل مرتكزات دوره «المرقّط» في لبنان والمظلة التي كان يتمتّع بها داخلياً وتحوّل جناحه العسكري «خارجاً عن القانون».

وإذ كان الأكثر تعبيراً عن الانشداد اللبناني الكامل إلى واشنطن، اللقاء الذي عُقد بالتزامن مع بدء الجولة التفاوضية الثالثة، بين مَن يديران هذا الملف، «بالقيادة والتشاور»، أي عون ورئيس الحكومة نواف سلام، اللذين بحثا «في المفاوضات التي انطلقت في ضوء التوجيهات التي أُعطيت للوفد اللبناني، وقد توافق الرئيسان على مواكبتها من خلال التواصل الدائم»، فإنّ ترقُّباً ثقيلاً ساد لما سيخرج عن محادثاتٍ تختلف في الشكل كما المضمون عن جولتيها السابقتين ولفّ نتائجها المحتملة مناخ من التشاؤل.

وفود مُعززة

فالمحادثات اتسمت في الشكل بغياب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، عنها لوجوده في الصين مع ترامب، الذي كان كرّس نفسه عرّاباً مباشراً لهذا المسار، معلناً تمديد الهدنة حتى 17 مايو وراسماً خريطة الطريق التي يراها كفيلةً بقفْل جبهة لبنان في شكل مستدام.

والأبرز في الشكل أيضاً الطابع المعزَّز لوفديْ بيروت وتل أبيب اللذين كان الوسيط بينهما مستشار وزير الخارجية الأميركي مايك نيدهام، والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، وسفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي.

وفيما ضمّ الوفد اللبناني للمرة الأولى السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم، رئيساً له، والسفيرة الحالية ندى حمادة معوض، التي شاركت في الجولتين السابقتين، ونائبها والملحق العسكري العميد اوليفر حاكمة، فقد مثّل إسرائيل سفيرها في واشنطن يحيئيل لايتر بحضورٍ أوّل لرئيس الشعبة الإستراتيجية في هيئة التخطيط في الجيش عميحاي ليفين، ونائب رئيس مجلس الأمن القومي يوسي درزنين، إلى جانب القائم بأعمال الملحق العسكري في واشنطن العميد إريك بندوف.

وعلى عكْس الجولتين السابقتين، فقد امتدت المحادثات على مرحلتين، استمرت الأولى ساعتين ونصف ساعة قبل استراحة تخللها تشاور كل وفد مع حكومة بلده ثم استكمال البحث حتى قرابة منتصف الليل بتوقيت بيروت.

أما المضمون فتميّز بأنه حمل عنوان التوغّل في القضايا الحساسة التي تشكل ركيزة الاتفاق النهائي، ولكنه بدا محكوماً بـ «لغم» ساد انتظار ثقيل لكيفية تفكيكه ويتمثّل في تثبيت وقف النار بشكل كامل وشامل، وهو البند الذي اعتبره لبنان «مفتاحياً» لولوج النقاط الأخرى – وأبرزها الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة – أي عدم الاكتفاء بتمديد الهدنة وفق التجربة التي أثبتت إسرائيل عدم التزامها بموجباتها، في مقابل رفْع تل أبيب شعار لا وقف للنار بالمفهوم اللبناني ولا انسحاب قبل سحب سلاح الحزب.

وإذ اعتُبر كلام السفير الإسرائيلي في واشنطن قبيل دخوله قاعة المفاوضات التي عُقدت بعيداً عن العدسات عن «أن حديث الحكومة اللبنانية عن نزع السلاح جنوب الليطاني بعيد عن الحقيقة»، مؤشر لِما ينتظر الوفد اللبناني على الطاولة لجهة مطالبته بخطة واضحة تتصل بتقديم تصور تفصيلي عن كيفية سحب السلاح وخلافاً لتجربة جنوب النهر التي تقول تل أبيب إنها أثبتت عقمها بدليل أنها تتولى بيدها«تنظيف»هذه البقعة بعكس إعلان بيروت أن مهمة الجيش اللبناني اُنجزت فيها، فإن مناخات ما قبل انطلاق الجولة الثالثة رست على الآتي:

– ما كشفته محطة mtv اللبنانية عن أن الاتصالات والاجتماعات التمهيدية تكثّفت بعيداً من الإعلام، وسط ضغوط أميركية واضحة لدفع الطرفين نحو نتائج ملموسة، وأن الوفد اللبناني عقد سلسلة لقاءات تنسيقية ضمّت كرم، معوض، القائم بالأعمال وسام بطرس، وحاكمة، استعداداً للجلسة الأولى.

ونقلت عن السفير الإسرائيلي ما بدا إرساءً لفصل مساريْ: الدبلوماسية مع الدولة اللبنانية لبلوغ اتفاقٍ، والميدان الحاكِم للمواجهة مع حزب الله، فإذا لم تتمكن دولة لبنان من نزع سلاح الحزب تكمل تل أبيب المهمة بيدها، ويكون «الاتفاق من فوق» نقطة الالتقاء في التوقيت المناسب.

وقال لايتر«هذه هي المرة الأولى التي لا تتركز فيها المحادثات على موعد انسحاب الجيش الإسرائيلي. التركيز الآن هو أولاً على الوصول إلى معاهدة سلام وكأن حزب الله غير موجود، ومحاربة حزب الله وكأن لا معاهدة سلام. وأعتقد أننا سننجح في الأمرين»، مؤكداً«أن إسرائيل تسعى إلى اختراق دبلوماسي، لكن تنفيذ أي اتفاق سيبقى مرتبطاً بـ«المسار الثاني»، أي تفكيك القدرات العسكرية للحزب».

ولفت إلى «اننا لن نوافق أبدا على وقف النار بلبنان والسماح لحزب الله بإعادة التسلح»، موضحاً أن إسرائيل ستحدد مع الحكومة اللبنانية منطقة معينة، وتضع معها خطة لكيفية «تنظيفها» من سلاح الحزب، مشيراً إلى ان بلاده «مستعدة لمسار سياسي أوسع مع لبنان، شرط تفكيك الحزب»، ومقراً بأن الملف اللبناني لا ينفصل عن الجهود الأميركية المتعلقة بإيران.

الأولوية لنزع السلاح

ونُقل عن مصادر أميركية أن «ملف نزع سلاح الحزب يتصدر المفاوضات، باعتباره أولوية واشنطن الأساسية قبل أي بحث بملفات الانسحاب الكامل، ترسيم الحدود، الأسرى، النازحين، وإعادة إعمار لبنان»، وأن الجانب اللبناني يدخل المفاوضات وهو يركّز على مطالب أساسية عدة، أبرزها تثبيت وقف النار بشكل كامل، وقف الضربات والخروق، والضغط باتجاه انسحاب إسرائيل من النقاط المتنازع عليها، إضافة إلى فتح مسار واضح لإعادة إعمار المناطق المتضررة في الجنوب.

ووفق المصادر نفسها، فإن الوفد اللبناني سيشدد أيضاً على دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، مع محاولة الفصل بين ملف سيادة الدولة وبين الضغوط المتعلقة بسلاح حزب الله، عبر التركيز على أولوية حماية الاستقرار ومنع العودة إلى الحرب.

– ما نقلته قناة «العربية» عن مصادر مطلعة على المفاوضات أن «إسرائيل ستبلغ الوفد اللبناني أنها لن تلتزم بوقف شامل لإطلاق النار وأن حكومتها تلتزم إستراتيجية واضحة وهي إستراتيجية القضاء على الخطر ومنع أي تهديد لأمنها أو أمن سكان الشمال»، وان «الولايات المتحدة، ورغم مطالب الرئيس الأميركي السابقة بوقف النار، توافق على الموقف الإسرائيلي، ولن تطلب من الوفد الإسرائيلي أو الحكومة الإسرائيلية وقفاً شاملاً للنار» وأن «الشيء الوحيد الذي من الممكن أن تقدّمه إسرائيل الآن هو خفض مستوى العمليات البعيدة عن خط ونهر الليطاني، وأن تتحاشى القصف في شمال البقاع أو العاصمة اللبنانية».

ووفق المصادر نفسها «فإن المفاوض اللبناني سيسمع من الوفد الإسرائيلي التزاماً تحتاجه الدولة اللبنانية بأن الجنود الإسرائيليين سينسحبون بشكل كامل من الأراضي اللبنانية عندما تسيطر الدولة اللبنانية على أراضيها ويضمن الإسرائيليون عدم الاعتداء على أراضيهم من حزب الله أو أي طرف آخر»، وأن «إسرائيل لا تربط انسحابها من الأراضي اللبنانية بعقد اتفاقية سلام مع لبنان».

بري

وفيما كان الترقب للخطوة التالية للبنان حال انكشاف عدم إمكان بلوغ وقف فعلي وثابت للنار، وسط اعتقاد أن بيروت في موقع لا تُحسد عليه، وهي غير قادرة على التقدم في المفاوضات في هذه الحال والمغامرة بمشكلة داخلية كبرى، ولا على التراجع والمخاطرة بخسارة الراعي الواحيد القادر على كبح إسرائيل عسكرياً، استوقف أوساطاً سياسية ما بدا إعادة تموضع قام بها رئيس البرلمان نبيه بري، شريك «حزب الله» في الثنائية الشيعية، على قاعدة تخفيف موقفه الرافض لمبدأ التفاوض المباشر ورهْنه مدى فائدة هذا المسار من عدمه بمدخلٍ لا مفرّ منه وهو وقف النار.

وإذ نُقل عن بري أنه كان قال للسفير الأميركي «أعطوني وقف إطلاق النار والباقي عليّ»، أكد «أن المفاوضات تبدأ الساعة التاسعة بتوقيت واشنطن، وإذا ما صار وقف نار حقيقي يعني خرب كل شيء».

وتابع «لا نقبل بأقل من انسحاب جيش الاحتلال، ثم إعادة الإعمار، وانتشار الجيش، وعودة الأهالي، وهذه العودة بالنسبة لي شخصياً توازي… بسم الله الرحمن الرحيم».

وفي معرض الحديث عن الطروحات التي يجري تداولها أميركياً، سُئل بري عن الكلام المتعلق بإمكانية حصول لقاء بين نتنياهو وعون، فأشار إلى أن ما لديه من معطيات يفيد بأن هذا الموضوع«غير وارد لدى الرئيس عون».

وعلى وقع «شدّ الأعصاب» بإزاء مسار واشنطن التفاوضي، تحدثت معطيات عن زيارة جديدة سيقوم بها الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان، لبيروت مطلع الاسبوع في إطار مسعى الرياض لتوفير شبكة أمان داخلية تتيح هبوطاً آمناً لملف التفاوض كما سلاح «حزب الله»على قاعدة التوافق الأكبر واتفاق الطائف بوصفه «خيمة» العودة إلى الدولة بشروط وثيقة الوفاق الوطني وتوازناتها الحامية للجميع.

اترك تعليق