بموجب اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، الذي أعلنته وزارة الخارجية الأميركية ولاحقاً رئيس الجمهورية جوزاف عون، واعتبرته تل أبيب “استثنائياً”، تتولد الخشية من أن تكون الدولة قد شرعنت احتلال أراضيها من قبل قوة احتلال أجنبية، وتخلّت عن حقها في مقاتلته، وجرّمت من يقاتله. فقد قبلت ببقاء قوات الاحتلال من دون تحديد آلية انسحاب كاملة، وتخلّت عن المبادئ الخمسة التي أعلنتها، وفيها إلزامية الإنسحاب كمدخل للحلول، ووافقت على اشتراط كل من إسرائيل والولايات المتحدة إخضاع مناطق لبنانية محتلة للفحص، بعد أن يتراجع ــ لا ينسحب ــ منها الجيش الإسرائيلي، ويتولى الجيش اللبناني، تحت أنظار المحتل، عملية الجرد والتدقيق للتأكد من خلوها من أسلحة الحزب ومقاتليه، والأخطر العمل على منع عودة الحزب إليها. ثم يأتي دور الأميركيين عبر فحص مدى تطبيق الجيش للشروط والأحكام، تحت طائلة عودة الإسرائيليين إلى التقدم نحو المنطقة.
ما فعلته الدولة في لبنان هو دفع الاشتباك الداخلي مرة جديدة إلى الأمام. لماذا؟ لأنها قايضت تراجع القوات الإسرائيلية عن جيوب محتلة بدخول الجيش اللبناني إليها، بموافقتها وإشرافها، ليتحول إلى حارس تتمثل مهمته في منع عودة الحزب. ماذا لو عاد الحزب؟ سؤال مطروح بقوة، ولا يبدو أن الإجابة عنه صعبة.
قبلت الدولة تغيير مهمة الجيش من قوة مسلحة تسهر على أمن الحدود إلى قوة تتولى مراقبة تنفيذ الشروط الأجنبية وشروط قوات الاحتلال، وملاحقة أبناء الأرض من اللبنانيين. وهنا يقايض الحكم تعديل عقيدة الجيش بوهم اسمه استعادة الأرض وتوقيع اتفاق ترتيبات أمنية مع إسرائيل.
مثل هذا القرار لم يشكل صدمة للسياسيين أو للجمهور أو للحزب، الذي يتحمل جزءاً من مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع بفعل خياراته السياسية الخاطئة والسيئة، بقدر ما شكل صدمة للجيش الذي وضع في فوهة المدفع حسب ما تقول مصادر معنية، تؤكد أن التعاطي يتم بعيداً عن علم الجيش، كما حصل أمس في بلدة دبين.
وعُلم أن الجيش تفاجأ للمرة الأولى بتراجع الجيش الإسرائيلي من البلدة، وللمرة الثانية بالكلام الذي جرى توزيعه إعلامياً عن أن ذلك حصل بالتنسيق مع الدولة، وأنه يأتي في إطار تجربة لما سمي «المناطق النموذجية» أو «التجريبية» التي ورد ذكرها في صيغة وقف إطلاق النار التي أعلنتها الخارجية الأميركية، مع العلم أن ذلك اقترن أساساً بتثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب، وهو ما لم يتحقق. كما تجاوز هذا الطرح كلام الرئيس حول أن المطلب اللبناني كان البدء من زوطر الغربية وقلعة الشقيف. أما المفاجأة الثالثة فتمثلت في اتصال الجيش الإسرائيلي برئيس بلدية مرجعيون وإبلاغه قرار فتح طريق مرجعيون – حاصبيا، أي فك الحصار عن البلدة، وأن الإسرائيليين أبلغوا الجيش اللبناني بذلك وهم بانتظار قدومه، فيما كان الجيش لا يزال يجري تقييمه لنتائج الجولة التفاوضية.
تؤكد المصادر المعنية أن أي تنسيق لم يحصل مع الجيش أدى إلى التراجع الإسرائيلي من دبين، نافية أن يكون ما جرى مرتبطاً بمشروع إقامة المناطق النموذجية. وتقرأ أن ما حدث قد يكون مرتبطاً بعجز إسرائيل عن اختراق السد العسكري الذي أقامته المقاومة في بلدة حداثا، وتحول وحدات الجيش الإسرائيلي إلى أهداف سهلة من دون أن تنجح في اختراقه. لكن ذلك، على أهميته، لا يلغي ثقافة الاستثمار السياسي الإسرائيلية المعهودة، إذ اختارت تل أبيب استخدام أضعف نقطة استخدمها جيشها للخرق من أجل الانسحاب وإظهار أنها بدأت فعلاً بتطبيق خلاصات اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما لا يتعامل معه الجيش اللبناني من هذا المنطلق إطلاقاً.
أمام ما تقدم وما سيتقدم، تتبادر إلى الأذهان نماذج حول كيفية تطبيق ما يسمى «المناطق التجريبية». فمرحلة بحث الجيش اللبناني عن السلاح جنوب الليطاني بموجب اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 لا تزال ماثلة. آنذاك، وبناء على توصيات الميكانيزم، عمل الجيش في وادي زبقين أشهراً طويلة من دون أن ينتهي. وقبلها عمل في جيوب محددة احتاج تفريغها من السلاح إلى أكثر من ستة أشهر. وإذا أسقطت التجربة على المرحلة الراهنة، فإن اكتمال الانسحاب الإسرائيلي وفق هذه المعادلة يحتاج إلى سنوات طويلة.
من الناحية العسكرية، ثمة دلالات واضحة على أن ما تخطط له إسرائيل يتجاوز مسألة إقحام الجيش في «تنظيف» المناطق من المقاومة. فما يجري يبدو أقرب إلى اعتماد منهجية اتفاق 17 أيار 1983 عبر إعادة إنتاج بعض بنوده بصيغ مختلفة. فعندما يجري الحديث اليوم عن مناطق نموذجية خالية من وجود الحزب، أو يجري العمل على تأسيسها، وحين جرى الحديث سابقاً عن لواء نموذجي في الجيش، وأعيد تجديد هذا الكلام من خلال تبني واشنطن تقديم تجهيزات استثنائية للجيش من دون تحديد حجمها وطبيعتها وشروطها، نكون أمام محاولة لتشكيل منطقة نموذجية تشبه منطقة أمنية داخل المنطقة الأمنية الإسرائيلية المحتلة الجاري رسم حدودها، قد يطلق عليها لاحقاً اسم «المنطقة المحررة من حزب الله» لا من الإسرائيليين، على أن يتولى إدارتها لواء نموذجي من الجيش اللبناني. وقد ذهب البعض إلى تشبيه المرحلة وتطبيقاتها بمرحلة تسليم ميليشيا لبنان الجنوبي المنطقة الأمنية آنذاك.
ذلك يعد من أقسى نماذج التخلي عن السيادة الوطنية، حيث تصبح قوة احتلال صاحبة الكلمة العليا على القوى المسلحة الشرعية داخل الدولة، وتتحرك هذه القوات بموجب توجيهات تصدرها غرفة عمليات، فيما يوضع قرار تصديق عملها النهائي على عاتق تلك الغرفة الممثلة بالجيشين الإسرائيلي والأميركي، ويتولى الأخير مهمة التأكد من امتثال الجيش اللبناني للشروط المطلوبة.
في المقابل، يصبح حزب الله مطالباً باتخاذ خطوة ما، طالما أن المواجهة باتت بهذا القدر من الوضوح، وبما أن تركيب المشهد المقبل يقوم على الإيقاع بينه وبين الجيش، بعد اكتمال الفرز السياسي بين فريقين: الأول مؤيد لصيغة وقف إطلاق النار التي أعلنتها وزارة الخارجية الأميركية، والثاني مؤيد لخيار المقاومة والعمل العسكري. عندها تصبح خيارات توسيع المواجهة وتصعيدها للخروج من الضغط العسكري والمكائد السياسية والأمنية أكثر حضوراً. وهنا يكمن جوهر كلام الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم. ففي مقابل اعتبار نزع السلاح مقدمة لوقف إطلاق النار، أعلن قاسم أن ما لم تأخذه إسرائيل في الحرب لن تأخذه في السياسة. وفي قاموس الحزب لا خروج للمقاتلين من الجنوب، لأن ذلك يعني الاستسلام، وهو بذلك ينزع عن الحزب أي التزامات توحي بأنه قدم تنازلات في ما يتعلق بوقف إطلاق النار أو ببحث ملفات أخرى قبل الاتفاق على صيغتها. وفي هذا السياق، علمت “المدن”، أن الحزب أبلغ رئيس الجمهورية عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، أنه غير معني أو ملزم بأي إتفاق يتضمن تشريعاً للإحتلال وتجريماً للمقاومة، ذلك ينسحب على إتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.
كل ذلك لا بد أن يرتبط بمسار إقليمي واضح. فما تبيّن أن ثمة محاولة حقيقية تجري الآن للفصل الكامل بين الملفين الإيراني واللبناني، بما يشمل تجاوز ما سُجل عندما جاء اتفاق وقف التصعيد بصيغة أبعد الضاحية الجنوبية لبيروت عن نطاق الاستهداف الإسرائيلي نتيجة ضغط سياسي وعسكري إيراني وآخر تولاه الحزب، وضغوطات ذات طبيعة عربية. وبالتالي نصبح أمام واقع أن إيران، التي هددت سابقاً بمنع فصل لبنان عنها، قد تعود إلى الانخراط وفق صيغة إسناد معاكسة هذه المرة، خصوصاً أن تطورات المحادثات الإيرانية ــ الأميركية المباشرة وغير المباشرة لا تبدو بالإيجابية التي تحدث عنها ترامب، وأن الحزب الذي يعتبر أن كل ما جرى يهدف إلى فصله عن إيران واستفراده، قد يجد في التصعيد ملاذاً له، مرة لإسقاط ما يكتب، ومرة سعياً وراء إعادة التوازن.
ويقول مصدر كبير إن الساعات الثماني والأربعين المقبلة ستكون مفصلية: إما أن نصل إلى وقف حقيقي وشامل لإطلاق النار من خلال ترتيبات واقعية يتدخل فيها وسطاء يعملون على خفض منسوب التوتر، ملمحاً إلى حضور عربي إستثنائي، وإما أننا ذاهبون إلى تصعيد جديد في المنطقة كلها، قد يكون، وفق ما هو سائد، أكثر جنوناً من الجولات الماضية.
















