عليّ الطاهر بيدقٌ في لعبة ترامب ونتنياهو وإيران

يتوالى تحريك البيادق على رقعة “لعبة الشطرنج” التي قال دونالد ترامب إنّه يمارسها مع إيران. تدفع المنازلة بين الولايات المتّحدة وإيران كلّاً منهما إلى ابتداع نقلة جديدة. لكنّ اللعبة، التي تقوم على أن يحرّك اللاعب حجره بناء على توقّعه المسبق لحركة خصمه التالية، تتمّ على وقع المزيد من الدماء والضحايا والدمار. جنوب لبنان نموذجٌ لذلك. الأسهل على بنيامين نتنياهو أن يوظّف تفوّقه والخلل بميزان القوى لمصلحته الانتخابيّة، علاوة على التغوّل الإسرائيليّ في غزّة والضفّة الغربيّة.

الطريق الشاقّ إلى هندسة التوازنات الإقليميّة الجديدة يمرّ بمطبّات كثيرة يتكيّف معها الفرقاء. تنتج المواجهة الشطرنجيّة مفاجآت على امتداد الإقليم:

1- خَنق “حرس الثورة” الإيرانيّة الاقتصاد العالميّ في مضيق هرمز، تعويضاً عن تدمير واشنطن وتل أبيب قدرات “الحرس” والجيش وقتل القادة. والردّ الأميركيّ بمحاصرة موانئ بلاد الفرس لخنق اقتصادها.

2- تحريك طهران للحوثيّين لضمّ باب المندب إلى ابتزاز الملاحة الدوليّة، وضدّ الشرعيّة والمملكة السعوديّة، اللتين واجهتا الاعتداءات.

3- الدفع لسحب سلاح الميليشيات العراقيّة، واشتراط حصر سلاح “الحزب” بالدولة لانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، وسعي طهران إلى إسقاط خيار السلطة القائم على التفاوض وفق اتّفاق “الإطار”، مقابل التلويح الأميركيّ بتدخّل سوريا لنزع السلاح.

4- قيام حلف مكّة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد.

كلّها تشكّل أحجار رقعة الشطرنج الحربيّة.

“بيدق” غزّة: “حماس” تراهن على أميركا

عادت طهران إلى تحريك “بيادق” الأذرع بعد قرار ترامب الاستعاضة عن استئناف الحرب بتشديد الحصار الاقتصاديّ والعقوبات. هاجسها مقاومة تجريدها من ورقة الأذرع في المواجهة التفاوضيّة أو العسكريّة. لكنّها تلاقي صعوبة في استخدام ورقتَي غزّة والعراق.

قدّمت “حماس” تنازلات تحت عنوان “تخزين السلاح” من ضمن مخرج لنزعه في إطار خطّة السلام الترامبيّة لمصلحة قوّة الاستقرار وقيام حكومة فلسطينيّة مستقلّة. تلتقي قيادة الحركة صهر ترامب، جاريد كوشنير، أثناء وبعد اجتماعه بالوسطاء ومجلس السلام الغزّيّ، في مدينة العلمين المصريّة. وتشارك معهم في تقدير وشكر دور الرئيس الأميركيّ.

تراهن “حماس” على أن يضغط ترامب على نتنياهو لتعديل موقفه حيال تنفيذ المرحلة الثانية للخطّة الأميركيّة. تعتمد تكتيكاً مناقضاً تماماً للهجوم الإيرانيّ على الدور الأميركيّ عبر الشيخ نعيم قاسم. وهو هجوم يقوم على تخوين السلطة اللبنانيّة ورئيس الجمهوريّة جوزف عون داعياً إلى الركون لمرجعيّة إيران في مذكّرة التفاهم بينها وبين أميركا.

تقدّم أميركيّ في العراق؟

في العراق سعى قائد “قوّة القدس” في “الحرس” إسماعيل قاآني إلى تعطيل المضيّ في خطّة سحب سلاح الميليشيات العراقيّة الموالية للوليّ الفقيه، وواجه صعوبة حتّى إزاء “الإطار التنسيقيّ” الذي يضمّ القوى الشيعيّة الرئيسة، التي باتت تميل إلى الأخذ بمطالب واشنطن لأسباب عدّة. ومع أنّ مهلة حصر السلاح حتّى 30 أيلول المقبل قد تُمدَّد، تتقدّم الضغوط الأميركيّة لتقليم أظافر إيران في بغداد.

ما تخشاه القيادة الإيرانيّة أن يُضعِفَ نجاح تسليم سلاح الميليشيات العراقيّة حجّة “الحزب” للاحتفاظ بسلاحه، وكذلك الانقلاب الحوثيّ. كان البيدق اليمنيّ مطواعاً لرغبات “الحرس”، على عادة المراهقة الحوثيّة التي قادت البلد السعيد إلى كارثة ينكرها “أنصار الله” بزعامة عبدالملك الحوثيّ. انخرط هؤلاء في حرب طهران ضدّ الرياض، لكنّ الأخيرة، ومعها الشرعيّة اليمنيّة التي اشتدّ عودها، سارعت إلى الردع العسكريّ، وواشنطن تدعمها خلافاً لتردّدها السابق.

في تحريك البيدق اللبنانيّ على رقعة الشطرنج، بقي “الحزب” أكثر وفاء بالتزاماته الولائيّة لـ”الحرس”. هجومه على السلطة والمفاوضات المباشرة مع إسرائيل دليلٌ على أنّ قيادته لن تتخلّى عن أن تلحق بالبلد مآسي ونكباتٍ جديدة لأجل احتفاظ طهران بورقة التفاوض عن لبنان، بدلاً من تسليم الأمر إلى رئيس الدولة والحكومة.

جاء تمسّك طهران بسلاح “الحزب” في لحظة إقليميّة تنبئ بتصعيد إسرائيليّ، ظهرت مقدّماته الدمويّة قبل أيّام، وعنوانه انسحاب “الحزب” من تلال عليّ الطاهر قرب مدينة النبطيّة.

اتّفاق عون مع ترامب

كان الرئيس عون توصّل خلال لقائه الرئيس ترامب في 21 تمّوز الماضي إلى اتّفاق مع واشنطن يتضمّن الآتي:

1- أن ينسحب “الحزب” من تلّة عليّ الطاهر وأنفاقها، ويسلّمها للجيش اللبنانيّ.

2- أن يتبع ذلك وقف شامل للنار لتجري المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركيّة في ظلّ التهدئة وخفض التصعيد، علاوة على إنجاح الخطط لتوسيع “المناطق التجريبيّة” التي تضمن انسحاباً إسرائيليّاً، انتشاراً للجيش، وعودة النازحين.

3- التحقُّق من أنّ الجيش اللبنانيّ صادر الأسلحة والأعتدة في المنشأة العسكريّة، ودمر البنية التي أقامها “الحزب” فيها. ويتولّى الجانب الأميركيّ التحقّق من ذلك ومن عدم إمكان عودة “الحزب” إليها، بانتظار الاتّفاق على الدول التي ستتولّى التحقّق بالمناطق التجريبيّة.

تغطية إسقاط عليّ الطّاهر ثمّ تثبيت الحدود؟

نقل زوّار الرئيس عون لـ”أساس” قوله إنّ لبنان تبلّغ من واشنطن بموافقة نتنياهو على هذه الترتيبات. وبات معروفاً أنّ الجانب الإيرانيّ رفضها عبر “الحزب”، بحجّة أولويّة الانسحاب الإسرائيليّ، والخشية من احتلال إسرائيل الموقع بعد انسحاب “الحزب”.

أكّد سياسيّون بارزون لـ”أساس” أنّ الرفض الإيرانيّ سهّل تغطية أميركيّة لهدف نتنياهو السيطرة على تلال عليّ الطاهر في الأسابيع المقبلة. يفترض هؤلاء أنّ التساهل معه بذلك يسهّل توظيفه انتخابيّاً، مقابل تعاونه في تطبيق المرحلة الثانية من خطّة غزّة وفيها انسحابات إسرائيليّة تدريجيّة.

وعد الجانب الأميركيّ بتثبيت الحدود البرّيّة بين لبنان وإسرائيل في الجولة الثامنة من المفاوضات في روما مطلع أيلول المقبل، مقابل مراعاته صعوبة انسحاب إسرائيل قبل انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأوّل.

من قواعد الشطرنج النفَس الطويل في تحريك قطع الرقعة. في الحالة اللبنانيّة أحد اللاعبَين يعتمد على دهائه التقليديّ فيأتي بالبيادق حتّى من خارج الرقعة، فيما الثاني يلجأ إلى الذكاء الاصطناعيّ.

اترك تعليق