هل تتوقّف جولات التّفاوض؟

فيما يؤكّد رئيس الجمهوريّة جوزف عون أن لا خيار إلّا التفاوض لتفادي الويلات ولتحرير الجنوب، لا تزال الفجوة تتّسع بين التطوّرات الميدانيّة المتسارعة التي تنبئ بمزيد من التصعيد العسكريّ الإسرائيليّ، وبين مسار التفاوض المتعثّر الذي تتمسّك به واشنطن ولبنان. لذلك يرى مراقبون أنّ الجولة المقبلة من التفاوض، غير المحدّدة الموعد بعد، قد تُفتتَح وسط وقائع عسكريّة مُستجدّة تحاول إسرائيل فرضها على الطاولة، مع تمييز أميركيّ واضح بين المفاوضات التقنيّة و”السياديّة“.

لم تسفر، حتّى الآن، مساعي رئيس مجموعة التنسيق العسكريّة الخاصّة بلبنان، الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، على خطّ بيروت-تل أبيب، عن أيّ تقدّم في ما يخصّ الاتّفاق على تفاصيل تطبيق اتّفاق الإطار في شقّيه الأساسيَّين: المناطق التجريبيّة، وآليّة التحقّق لجهة أعضائها ومهامّها.

تشير معلومات “أساس” إلى أنّ التفاوض المباشر مع إسرائيل قد يتوقّف كلّيّاً، بقرار إسرائيليّ، مع انصراف رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو إلى إدارة معركته الانتخابيّة.

التّفاوض معلّق وتصعيد في الميدان

في المقابل، لغة الميدان قد تزداد حماوة، وسيكون الوضع بالغ الخطورة والتأزيم، وفق مصدر مطّلع قال: “إذا أبقت إسرائيل باب التفاوض معلّقاً، والمناطق التجريبيّة محاصرة بين آليّة التحقّق وتلّة عليّ الطاهر، فإنّ ذلك سيسمح لإسرائيل باستكمال مخطّطاتها العسكريّة التدميريّة من دون رادع، وتثبيت المنطقة العازلة بعد توسيعها”.

وفق المعلومات، كرّس اللقاء الذي جمع كليرفيلد والسفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى مع الرئيس نبيه برّي مساحة التباعد بين المنطق الأميركيّ، المتماهي بالكامل مع إسرائيل، لجهة ضرورة تسليم “الحزب” سلاحه في كلّ لبنان، وليس في الجنوب فقط، تمهيداً لبدء الانسحاب الإسرائيليّ، وتفعيل المناطق التجريبيّة، بشرط الاتّفاق التفصيليّ المسبق على عمل آليّة التحقّق، ومهامّ الجيش اللبنانيّ، وبين المنطق الذي يعكسه برّي القائم، بحدّه الأدنى، على “وقف الاعتداءات الإسرائيليّة فوراً، تمهيداً للبحث بأيّ تفاهمات أمنيّة وميدانيّة”.

هنا يؤكّد برّي صعوبة توقّع “امتثال “الحزب” لأيّ مطلب خارج جنوب الليطاني، وتسليمه تلّة عليّ الطاهر للجيش اللبنانيّ (شمال الليطاني)، قبل أن توقف إسرائيل أعمالها العدائيّة، بما في ذلك جرف القرى، وتبدأ بالانسحاب”.

لا يزال برّي الساعي إلى وقف الجرائم الإسرائيليّة بأيّ ثمن يُكرّر أنّ المظلّة الأميركيّة-الإيرانيّة ستأتي بالحلّ، على الرغم من التصعيد المتبادل، وأنّ اتّفاق 27 تشرين الثاني 2024، المستند إلى القرار 1701، هو المدخل للآليّة التنفيذيّة لانسحاب إسرائيل وتسليم “الحزب” السلاح، مع تمايز بين الحليفين هنا يُترجم بتشدّد “الحزب” في أنّ كلّ ما هو خارج الليطاني لا ينضوي تحت أيّ تفاهمات دوليّة، ويُبحث داخليّاً على الطاولة، فيما يرى كثر في محيط الرئيس برّي أنّ مبدأ الخطوة خطوة يتيح انسحاباً إسرائيليّاً كاملاً وتسليماً كاملاً للسلاح، بغطاء وتوافق داخليَّين.

ـ تنفيذ اتّفاق الإطار يحتاج إلى “استكمال الجيش اللبنانيّ تطهير أولى المناطق التجريبيّة، وبعد التحقّق من إتمام التطهير ستتوسّع العمليّة”.

ـ يُعدّ نزع سلاح “الحزب” جزءاً لا يتجزّأ من هذه العمليّة، مع تحميل “الحزب” وحده “مسؤوليّة وجود إسرائيل على الأراضي اللبنانيّة”.

هذا الموقف، تحديداً، أعاد السفير الأميركيّ أمس تأكيده بُعيد لقائه مفتي الجمهوريّة الشيخ عبداللطيف دريان قائلاً: “المناطق التجريبيّة تتقدّم، لكن قلت سابقاً إنّ كلّ ما يتحدّد على الورق يأخذ وقتاً كي ينفّذ على الأرض. المناطق التجريبيّة تحتاج إلى تحديد أمورها التفصيليّة. الجنرال كليرفيلد يقوم بالتنسيق بين بيروت وتل أبيب وواشنطن. حين تنتهي أوّل منطقة تجريبيّة، ونعرف كيف تسهّلت الأمور، المناطق التجريبيّة الأخرى تسير أسرع بكثير”.

النقطة الأهمّ في تصريح السفير عيسى هي أنّ الإدارة الأميركيّة لا تضغط حتّى الآن على إسرائيل لوقف اعتداءاتها وأعمالها العسكريّة، إذ قال: “الاعتداءات الإسرائيليّة هي (حصراً) تلك التي تحصل خارج “المناطق التجريبيّة”، ونحن لم نتّفق معهم على وقفها”، موضحاً: “لازم تفهموا شغلة، الاعتداءات الإسرائيليّة موجودة، لكن لماذا لا يُقدِم “الحزب” على أيّ خطوة من جانبه. تطلبون دوماً وقف الاعتداءات الإسرائيليّة، فلماذا لا تطلبون أن ينزع “الحزب” سلاحه”.

أمّا في شأن التفاوض مع “الحزب” قال عيسى: “لم نقل أبداً إنّنا نريد التفاوض مع “الحزب”، لكن نحن على استعداد للتفاوض مع “الحزب” إذا كان لديه أيّ شيء يقدّمه لنا”.

مع ذلك، أكّد عيسى أنّ المفاوضات لم تتوقّف، واصفاً مفاوضات روما بـ”التقنيّة، ومن غير الضروريّ أن تكون محدّدة التواريخ، وحين نحتاج إلى حلحة أمر معيّن نقوم بالمفاوضات التقنيّة. أمّا المفاوضات السياديّة (السياسيّة) فتحتاج إلى تاريخ معيّن يتمّ التنسيق بشأنه بين الأفرقاء”.

معالجة الأسباب الجذريّة

يقول مصدر مطّلع إنّ “كلام عيسى في شأن الاعتداءات الإسرائيليّة يُشكّل ترجمة لاتّفاق الإطار. فأصلاً لا يحتاج الجيش الإسرائيليّ إلى أيّ ذريعة أو إطار قانونيّ لارتكاب اعتداءاته، لكن حين يصدر بياناً مثلاً يبرّر فيه مجازره، معلناً استهداف قادة في “الحزب” (مع عائلاتهم) ردّاً على “عمليّات نفّذها “الحزبّ” ضدّ قوّاتنا العاملة في المنطقة الأمنيّة وفقاً لاتّفاقية وقف إطلاق النار”، أو حين يمحو قرى جنوبيّة عن الخارطة “حفظاً لأمن الشمال”، يتّكئ في ذلك على البند 5 من اتّفاق الإطار الذي يشير إلى “تأكيد حكومة إسرائيل أنّ عمليّاتها العسكريّة في لبنان هي حصراً نتيجة للهجمات والتهديدات والنيّات العدائيّة الصادرة عن الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة، ولا سيّما الحزب”.

بالتالي وفق نصّ الاتّفاق رصدت إسرائيل تهديداً داخل المنازل فتصرّفت. ينطبق الأمر، وفق الحسابات الإسرائيليّة، على الغارات المتكرّرة على عدّة بلدات جنوبيّة وتدمير القرى وجرفها بشكل منظّم.

اترك تعليق