بعدما أعلنت إسرائيل “السيطرة العمليّاتيّة” على مرتفعات عليّ الطاهر، وسّعت حزام نارها، بشكل غير مسبوق، منذ توقيع اتّفاق الإطار في 26 حزيران، بما يوحي بمحاولتها تأمين “محيط” انتشار جنودها في عليّ الطاهر، ودفع أبناء بلدات عدّة في النبطيّة ومحيطها وكفررمّان وعربصاليم وبلدات مجاورة إلى النزوح “النهائيّ”، ما يوسّع “الشريط الرماديّ” حيث تنعدم مقوّمات الحياة.
بات بِحكم المؤكّد، وفق المعلومات، أنّ جولة المفاوضات الثامنة لن تعقد قبل مؤتمر دعم الجيش التحضيريّ الذي سيعقد في باريس في 17 الجاري، ويُشارك في افتتاحه رئيس الجمهوريّة جوزف عون الذي سيلتقي أيضاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
لذلك يُطرح السؤال عن مدى إمكانيّة استئناف التفاوض قبل دخول إسرائيل في “غيبوبة” الانتخابات المقرّرة في 27 تشرين الأوّل، وعن مصير جنوب لبنان في حال عُلّقت المفاوضات إلى ما بعد الانتخابات، وعن تشكيل حكومة إسرائيليّة جديدة، فيما المدى الزمنيّ لهذا المسار يتجاوز نهاية العام؟
رغم كلّ ما “تفتعله” إسرائيل بلبنان، ورغم وحشيّتها الطافحة على مرأى من العالم أجمع، يتمسّك لبنان بورقة التفاوض كـ “خيار أوحد”، فيما الفيتو على استكمال المفاوضات موجود حصراً في الجيبة الإسرائيليّة.
بات بِحكم المؤكّد، وفق المعلومات، أنّ جولة المفاوضات الثامنة لن تعقد قبل مؤتمر دعم الجيش التحضيريّ الذي سيعقد في باريس في 17 الجاري
منذ اليوم الأوّل للتفاوض في 14 نيسان، سقطت المعادلة التي حاول رئيس الجمهوريّة جوزف عون، تكريسها: “لا تفاوض تحت النار”.
لكنّ التفاوض تحت النار استمرّ على مدى سبع جولات، بين واشنطن وروما، وانتهى بـ”تعليق” الجولة الثامنة، ربّما بهدف مراكمة إسرائيل مزيداً من المكاسب على الأرض، وهذا ما تمكّنت منه فعلاً بالاستيلاء على عليّ الطاهر، وتوسيع زنّار نارها، وارتكاب مزيد من الجرائم ضدّ الإنسانيّة باقتلاع عائلات بأكملها من سجلّات النفوس.
لن يكون تفصيلاً بسيطاً في زمن التفاوض والتطمينات الأميركيّة أن تدخل مدينة النبطيّة دائرة الاستهداف المباشر والتهجير، وتضرب فيها مؤسّسات عائدة للدولة، فيما محيطها الأوسع تسيطر عليه إسرائيل بالنار.
الأسرى والحدود
في الأسابيع الماضية، تراجعت النقاشات بشكل كبير في ما يخصّ بتّ آليّة التحقّق، وتحديد المنطقة النموذجيّة الثانية، و”الخرق” الكبير الذي تحدّثت عنه مصادر بعبدا إبّان انعقاد جولات التفاوض الأخيرة حول الأسرى والحدود، في 4 و5 و6 آب، في روما، انتهى بواقعين:
1 ـ تؤكّد مصادر مطّلعة لـ”أساس” أن لا جولة ثانية من تسليم أسرى. يتعاطى لبنان الرسميّ مع تسليم الأسرى الخمسة كخرق فعليّ في مسار التفاوض، لكنّه لا يمكن أن يفتح الأبواب أمام أيّ خروقات أخرى على أيّ مستوى، لا سيّما أنّ تسليم هؤلاء ترافق مع اختطاف ثلاثة آخرين، ومن سلّمتهم إسرائيل من المدنيّين، غير المقاتلين، أكّدت تحقيقات أمنيّة أنّ أحدهم كان يحاول الدخول إلى إسرائيل، والأهمّ أنّ إسرائيل سلّمت الأسرى ثمّ استأنفت مجازرها المتنقّلة.
2 ـ في ما يتعلّق بالحدود، جرت تسريبات على أساس أنّ إسرائيل قبلت للمرّة الأولى إعادة البحث في مسألة تحديد الخطّ الأزرق بعدما تكفّلت الغارات والتفجيرات الإسرائيليّة في محو كلّ أثر له. لكن فعليّاً، الخطّ الأزرق لم يعد موجوداً في الحسابات الإسرائيليّة، و”الخطّ الأصفر” تمدّد نحو شمال الليطاني، ليضمّ بعض البلدات الجنوبيّة ثمّ مرتفعات عليّ الطاهر، بعدما رفض “الحزب” تسليمها للجيش اللبنانيّ، وإسرائيل راهناً في طور ترسيم حدود “الخطّ الرماديّ”، حتّى لو كان بعمق أقلّ من عمق “الخط الأصفر”، لكنّه لن يتيح للبنان على المدى القريب استرجاع أيّ بلدة جنوبيّة ضمن المنطقة الأمنيّة، ما دامت إسرائيل تعلن أنّ هدفها لنزع سلاح “الحزب” على كامل الأراضي اللبنانيّة لم يتحقّق.
تؤكّد مصادر مطّلعة لـ”أساس” أن لا جولة ثانية من تسليم أسرى. يتعاطى لبنان الرسميّ مع تسليم الأسرى الخمسة كخرق فعليّ في مسار التفاوض
هل تريد إسرائيل السّلام؟
خلال استقباله وزير العدل الفرنسيّ جيرار دارمانينو قال الرئيس عون: “السؤال المطروح اليوم هو: هل تريد إسرائيل السلام أم الحرب؟ وإذا كانت تريد الحرب، فليكن ذلك معلوماً بوضوح”.
بدا لكثيرين أنّ الرئيس عون، بطرحه هذا السؤال، نَسف ما “أنجزته” الحكومة اللبنانيّة من اتّفاقات، برعاية أميركيّة، في 14 نيسان، ثمّ اتّفاق الإطار في 26 حزيران، وكلاهما ينصّان، بموافقة الحكومة اللبنانيّة، على أنّ هدف التفاوض “توصّل لبنان وإسرائيل إلى تفاهم يقضي بأن يعمل البلدان على تهيئة الظروف المؤاتية لسلام دائم بينهما، وإرساء أمن حقيقيّ على طول حدودهما المشتركة”. فيما مقدّمة اتّفاق وقف النار في 16 نيسان تشير إلى أنّ “إسرائيل ولبنان ليسا في حالة حرب، ويلتزمان الانخراط في مفاوضات مباشرة بحسن نيّة”.
كما أنّ اتّفاق الإطار، في البند الثامن منه، يشير إلى أنّ “لبنان وإسرائيل يشتركان في هدف إقامة لبنان آمن ومعاد بناؤه، تحت السيادة الكاملة للدولة اللبنانيّة”، وفي البند 1 سيعملان على “إنهاء أيّ حالة حرب قائمة بينهما”. تقاطَع تصريح عون مع حسم وزير الخارجيّة يوسف رجّي في خطابه أمام جامعة الدول العربيّة أنّ “اتّفاق الإطار” سيؤدّي إلى انسحاب إسرائيليّ كامل.
يقول رئيس الجمهوريّة إنّ “المطلوب من الجانب الإسرائيليّ أن يتجاوب مع اتّفاق الإطار الذي وقّع عليه”. فعليّاً، إسرائيل تتجاوب بنسبة كبيرة مع بنود الاتّفاق التي أتاحت لها حرّية الحركة والتصرّف إزاء ما تعتبره تهديدات لأمنها، مع “حقّ الدفاع الأصيل عن النفس”.
لكنّ الأفظع أنّها ليست بوارد تقديم ما يمكن أن يكسر الحصار العسكريّ على الجنوب، أو يؤسّس لفتح ثغرة في جدار تصلّب تل أبيب، حيث يصرّ جيشها على إزالة أيّ تهديدات من جانب “الحزب”، وهذا ما يحصل في “القطاع الشرقيّ والأوسط والغربيّ”.
ورقة السلاح، التي لا تزال بيد “الحزب” وإيران حصراً، كانت ولا تزال مفتاح الحلّ الذي لا يملكه رئيس الجمهوريّة والوفد المفاوض، ويُشكّل ذلك جزءًا أساسيّاً من تعثّر هذه المفاوضات، إضافة إلى رفض إسرائيل أصلاً لمبدأ التفاوض.
وفق المعلومات، ورغم مروحة الاتصالات الدولية والعربية التي قام بها رئيس الجمهوريّة في الأيّام الماضية، والتي سيستكملها خلال لقائه الرئيس ماكرون في باريس، لا مؤشّرات إلى أيّ تطوّر يُذكر على مستوى احتمال انسحاب إسرائيل من المنطقة المحتلّة، مع الرهان الرسميّ المستمرّ على تحديد موعد الجولة الثامنة من المفاوضات في النصف الثاني من أيلول، وإذا لم يتمّ ذلك سيعني دخول لبنان في نفق المجهول، إلّا إذا “اشتغلت” المفاوضات بالواسطة وبشكل غير مباشر، كما حين أعلن عن اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة عام 2024.
وفق المعلومات، ورغم مروحة الاتصالات الدولية والعربية التي قام بها رئيس الجمهوريّة في الأيّام الماضية، لا مؤشّرات إلى أيّ تطوّر يُذكر على مستوى احتمال انسحاب إسرائيل من المنطقة المحتلّة
عيسى: نريد مصلحة البيئة الشّيعيّة
أمس، وضمن إطار زيارته المرجعيات الدينيّة، زار السفير الأميركيّ ميشال عيسى نائب رئيس المجلس الشيعيّ الأعلى الشيخ عليّ الخطيب قائلاً: “نريد إيصال رسالة أميركيّة إلى البيئة الشيعيّة بأنّنا لا نريد إلّا مصلحتها، وأن يعود الجنوب إلى أهله. لكنّ لدينا مشكلة مع قسم من هذه البيئة، الذي لا يفهم أنّ مصلحة هذه البيئة أن يتفهّموا ما هي مسؤوليّاتهم”.
في ما يتعلّق بالحوار مع “الحزب” قال: “نحن قلنا نتفاوض مع “الحزب”، لكن عن طريق الدولة اللبنانيّة التي تتفاوض اليوم مع إسرائيل. نحن هنا مجرّد وسطاء حتّى “يمشي” التفاوض”.



















