ينعقد الاجتماع التحضيريّ لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخليّ في باريس، في السابع عشر من أيلول الجاري، وسط أمرين واقعين: فرنسا “المُبعَدة”، أميركيّاً وإسرائيليّاً، عن الساحة اللبنانيّة وتحاول العودة إلى دائرة الضوء مجدّداً. أمّا رفد الجيش هذه المرّة بالسلاح والمال والمساعدات فقد يكون مشروطاً بنزع سلاح “الحزب” على كامل الأراضي اللبنانيّة.
وفق مصدر دبلوماسيّ تحدّث لـ “أساس” “سيُشكّل المؤتمر التحضيريّ يوم الخميس المقبل محطّة سياسيّة – تقنيّة أساسيّة في سياق التحضير لانعقاد مؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنيّة الذي سيكون على مستوى سياسيّ واسع، وغير محدّد الموعد بعد”.
أضاف المصدر: “هذا المؤتمر لن ينتج عنه إعلان الإفراج عن مساعدات ماليّة أو عينيّة، بل هو بمثابة “تحديث” لاحتياجات ومتطلّبات الجيش في المرحلة المقبلة، وفرصة لعرض خطّة الجيش لبسط سلطة الدولة “مُحدّثة”، بعد كلّ التطوّرات التي استجدّت منذ شباط الماضي، وما بعد 2 آذار الماضي، ثمّ توقيع اتّفاق الإطار الذي نصّ على “المناطق التجريبيّة”، وصولاً إلى اليوم، إضافة إلى عرض المعوّقات التي تعترض الجيش خلال تأدية مهامّه، ومداخلات من الدول الداعمة”.
المؤتمر هو امتداد لمؤتمر القاهرة التحضيريّ الذي عقد في 24 شباط الماضي، بمشاركة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وممثّلي دول اللجنة الخماسيّة. من بين هؤلاء حضر مستشار وزير الخارجيّة السعوديّ الأمير يزيد بن فرحان، ووزير الدولة في وزارة الخارجيّة القطريّة محمّد بن عبدالعزيز الخليفيّ، إضافة إلى وفد ممثّل عن الولايات المتّحدة الأميركيّة وجامعة الدول العربيّة والأمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ… وقد أجرى يومها قائد الجيش عدّة لقاءات مع مسؤولين عسكريّين مصريّين كبار، لا سيما أنّ القاهرة إحدى الدول المنخرطة بالملفّ اللبنانيّ.
ّسينحصر التمثيل السياسي الرئاسي في مؤتمر 17 ايلول بالرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون، واللبناني جوزف عون، وملك الأردن عبدالله الثاني، باعتبار عمان إحدى أكثر الدول دعماً للجيش، كما أن الأردن ألحقت لبنان بمسار العقبة الأمني. أمّا بقية الوفود المشاركة، بينها الأميركية والخليجية، ستتمثّل على المستوى العسكري والتقني.
وفق مصدر دبلوماسيّ تحدّث لـ “أساس” “سيُشكّل المؤتمر التحضيريّ يوم الخميس المقبل محطّة سياسيّة – تقنيّة أساسيّة
من 5 آذار إلى 17 أيلول
كان يُفترَض أن ينعقد مؤتمر دعم الجيش في الخامس من آذار الماضي، برعاية فرنسيّة وتنسيق مع “الخماسيّة” (الولايات المتّحدة، السعوديّة، قطر، مصر وفرنسا)، لكنّ اندلاع الحرب مجدّداً في الثاني من آذار دفع المنظّمين إلى التأجيل.
آخر مؤتمر رعته باريس لدعم الجيش والقوى الأمنيّة، تحت عنوان دعم لبنان ومساعدته، انعقد في 24 تشرين الأوّل 2024، بحضور الرئيس ماكرون ورئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، وأسفر عنه جمع 800 مليون دولار للمساعدات الإنسانيّة، إضافة إلى 200 مليون دولار لدعم الجيش اللبنانيّ. ضمّ يومها المؤتمر 70 دولة، و15 منظّمة دوليّة، وتزامن مع إعلان مجموعة العمل الماليّة إدراج لبنان على اللائحة الرماديّة.
انعقد المؤتمر قبل نحو شهر من توقيع اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة في تشرين الثاني 2024، الذي لم تلتزم إسرائيل بتنفيذ بنوده، وأبقت على استهدافاتها للجنوب، واغتيال قادة وكوادر وناشطين في “الحزب”. التزم الأخير بنود الاتّفاق، إلى حين إطلاقه حرب إسناد إيران ثأراً لاغتيال المرشد الإيرانيّ عليّ خامنئي وردّاً على الاعتداءات الإسرائيليّة.
الجيش
محطّات عدّة شهدها مسار المؤتمر التحضيريّ، منها لقاءات رئيس الجمهوريّة مع العديد من الموفدين الدوليّين، وأبرزهم الموفد الرئاسيّ الفرنسيّ جان إيف لودريان، والاجتماع الموسّع في القصر الجمهوريّ في 14 كانون الثاني الماضي، بمشاركة ممثّلين عن دول “الخماسيّة”، الذي برز فيه توجّه نحو تحقيق أوسع مشاركة دوليّة، ثمّ اجتماع القاهرة التحضيريّ.
السّلاح أوّلاً
“مشكلة” مؤتمر دعم الجيش أنّه يُعقد وسط غبار كثيف جدّاً يحيط بمصير نتائج المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وعمليّة نزع السلاح، واشتداد التوتّر العسكريّ بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران، وفي ظلّ ضغط أميركيّ كبير تحوّل بداية من “محاولة” الضغط على إسرائيل للانسحاب، إلى الضغط على “الحزب” والسلطة السياسيّة في آن معاً، وفق معادلة: “تسليم السلاح أوّلاً، ثمّ وقف النار، ثمّ الانسحاب”.
مشكلة مؤتمر دعم الجيش أنّه يُعقد وسط غبار كثيف جدّاً يحيط بمصير نتائج المفاوضات المباشرة مع إسرائيل
ربّما القطبة الكبرى التي قد تعقّد مسار الإفراج عن المساعدات المطلوبة في المرحلة المقبلة هي سؤال تطرحه إسرائيل وواشنطن معاً: “التمويل والمساعدات لأيّ جيش”، في ظلّ تشكيك، أقلّه إسرائيليّ، في أداء الجيش وأهدافه ومقاربته لنزع السلاح جنوباً.
لذلك يكتسب مستوى الحضور التمثيليّ الأميركيّ والخليجيّ، وتحديداً السعوديّ، في المؤتمر التحضيريّ، أهميّة قصوى كونه يعكس مدى الانخراط الأميركيّ والعربيّ في مساعدة الجيش وقواه الأمنيّة، في لحظة عدم استقرار كلّيّ وهواجس رسميّة من تفلّت رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو من كلّ الضوابط والخطوط الحمر.
تشير المعطيات إلى أنّ فرنسا، صاحبة القلم في مجلس الأمن، والمبعدة قسراً من “الميكانيزم”، قد تخرج لاحقاً وربّما بشكل نهائيّ من الساحة الجنوبيّة من خلال عدم التمديد لولاية “اليونيفيل” نهاية العام وإذا لم يتمّ تشكيل قوّة أوروبيّة بديلة، ولذلك تقول مصادر مطّلعة إنّ باريس تحاول بكلّ السبل إنجاح المؤتمر وتمهيد الطريق أمام جمع رصيد ماليّ كبير للجيش اللبنانيّ، على أن يُشكّل أحد “المداخل” لعودتها المطلوبة فرنسيّاً، بإلحاح، إلى الساحة اللبنانيّة.
اللافت أنّ السفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى ربط تأجيل انعقاد جولة المفاوضات الثامنة في روما بانعقاد هذا المؤتمر، حيث “لا ضرورة لتحديد موعد المفاوضات قبل المؤتمر”، مشيراً إلى أنّ “كلّ ما يحدث وعلى أيّ مستوى يهمّنا. نحن ننظر إلى مدى التقدّم لكي نرى كيفيّة الاستفادة منه، وإمكانيّة إدخال هذا الأمر في المفاوضات الجارية”.
المؤتمر هو امتداد لمؤتمر القاهرة التحضيريّ الذي عقد في 24 شباط الماضي، بمشاركة قائد الجيش العماد رودولف هيكل
مساعدات مشروطة؟
في السياق نفسه، كان لافتاً ما ذكرته وكالة “رويترز” الشهر الماضي في شأن “وضع واشنطن على لبنان ما يشبه الشروط التي يجب تنفيذها قبل الموافقة على تقديم المساعدات المطلوبة، ضمن مشروع يقضي بتقديم اعتمادات بقيمة 1.2 مليار دولار على مدى خمس سنوات. والشروط ترتبط بانتشار الجيش، نزع كلّ سلاح “الحزب”، وضبط الحدود البرّيّة والبحريّة والجوّيّة”.
















